الصحفي العراقي المستقل علي عبد الزهرة تحدث لموقع "ميدل إيست آي" عن تفاصيل عملية اختطافه.

ترجمة وتحرير: نون بوست

كان علي عبد الزهرة عائدا إلى منزله في مدينة الصدر ببغداد مساء يوم الخميس، حاملا وجبة طعام لزوجته وطفليه. فجأة توقفت سيارة دفع رباعي بجانبه وسألته، "هل أنت السيد علي".

يقول علي في مقابلة مع موقع "ميدل إيست آي" في العاصمة العراقية إن "الأمر كان غريبا لأن الوقت كان متأخرا، كما أن الناس الذين يعرفونني ينادونني علي".

قال الأشخاص الذين أوقفوه إنهم من المخابرات ويريدون أن يطرحوا عليه بعض الأسئلة. طلب عبد الزهرة رؤية هوياتهم، وعندما أخرجوا شارة وانحنى لرؤيتها عن قرب، أمسك رجلان بذراعيه من الخلف ودفعاه إلى داخل السيارة، ثم وضع أحدهم على وجهه قطعة قماش تحتوي مواد كيميائية وأُغمي عليه.

يقول عبد الزهرة إن "الطريقة التي اختطفوني بها جعلتني أدرك أنهم محترفون، لقد اختطفوني بدون سلاح".

قضى الصحفي العراقي اليومين التاليين مقيدا على كرسي معصوب العينين، وتم استجوابه وتهديده من قبل خاطفين مجهولين بشأن عمله كصحفي في إذاعة "دويتشه فيله" الدولية ووسائل إعلام أخرى.

أُفرج عن عبد الزهرة يوم السبت، قبل ساعات فقط من بدء الانتخابات البرلمانية العراقية، حيث يفترض أن الأمن كان مشددا في جميع أنحاء البلاد. وفي أول حديث له عن عملية الاختطاف، قال عبد الزهرة إنه يخشى أن يتدهور وضع الصحفيين في العراق لأن البلاد تقف على شفا "الحرب الأهلية" بعد إعلان نتائج الانتخابات المتنازع عليها يوم الاثنين.

"مرحبا أيها الجوكر"

قال عبد الزهرة إنه رجلين قاما باستجوابه، وأوضح أنه أول ما قالوه هو "مرحبا أيها الجوكر"، وهو مصطلح يستخدمه البعض في العراق لوصف مؤيدي الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت في شهر تشرين الأول/ أكتوبر سنة 2019. وقد تم تداول صور وميمات في تلك الفترة لمتظاهرين يضعون مساحيق تجميل مثل شخصية فيلم الجوكر.

اتهمه المحققون بأنه على صلة بالممثل الكوميدي الشهير ومقدم البرامج على الإنترنت، أحمد البشير، الذي يتم تداول مقاطع الفيديو الخاصة به على منصة "دويتشه فيله".

يقول عبد الزهرة إنه حاول معرفة هوية خاطفيه، ويضيف: "كان بإمكاني سماع صدى، لذلك استنتجت أنني موجود في مبنى كبير وفارغ. كما كان بإمكاني سماع الآلات وهي تعمل. أدركت أنهم ليسوا من أجهزة المخابرات، واعتقدت في البداية أنني سوف أتعرض للقتل، لذلك كان عليّ أن أكون قويا وأواجههم".

اتهمه الخاطفون بأنه كان يهاجمهم من خلال مقالاته الصحفية، وذكر عبد الزهرة أنه قال لهم: "حسنا أخبروني من أنتم حتى أعرف إذا كنت قد استهدفتكم أم لا. أخبرني أحدهم أنني أعرف جيدا من هم".

سأل الخاطفون عبد الزهرة عن عمله الصحفي خلال الانتخابات ولماذا "يستهدف بعض المرشحين" دون غيرهم، واتهموه بأنه يعمل ضد مصالح البلد. ويروى عبد الزهرة عن أحد الخاطفين قوله: "يبدو أنك لا تقدر حياتك"، ويضيف: "في هذه المرحلة، لم أكن قادرا على المناورة، لأن التهديدات كانت خطيرة".

أسمعه الخاطفون تسجيلا لتقرير باللغة العربية أعدّه علي لفائدة "دويتشه فيله" حول قصف مطار أربيل في شهر شباط/ فبراير 2021، وأشار فيه إلى التهديد الذي تشكله "الأسلحة غير الخاضعة للرقابة" في العراق.

وقال أحد الخاطفين في إشارة إلى التقرير: "انظر، أنت تستهدفنا". ورد عبد الزهرة مشيرا إلى أنه كان يتحدث عن الجماعات الموالية لإيران في العراق: "لقد قلتُ أنني لم أكن أستهدفكم، إذا كنتم تابعين لمحور المقاومة، فإن قادة هذا المحور أنفسهم انتقدوا هذا القصف".

بعد اتهام الصحفي بعدم التعاون، ترك الخاطفون عبد الزهرة بمفرده لساعات، وتوعده أحدهم بـ"تأديبه" في وقت لاحق. استجوبه الخاطفون في وقت لاحق بشأن عمله في مؤسسة النهار للثقافة والإعلام، وهي منظمة صحفية عراقية غير حكومية، يرأسها حسن جمعة.

سأل الخاطفون عبد الزهرة عن عمله الصحفي خلال الانتخابات ولماذا "يستهدف بعض المرشحين" دون غيرهم، واتهموه بأنه يعمل ضد مصالح البلد. ويروى عبد الزهرة عن أحد الخاطفين قوله: "يبدو أنك لا تقدر حياتك"، ويضيف: "في هذه المرحلة، لم أكن قادرا على المناورة، لأن التهديدات كانت خطيرة".

تهديدات يومية بالاختطاف

بالنسبة للصحفيين في العراق، أصبح التهديد بالاختطاف حقيقة يومية منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة سنة 2003 والذي أطاح بالرئيس السابق صدام حسين. ورغم ازدهار وسائل الإعلام في أعقاب انهيار نظام صدام حسين، إلا أن صعود عدد من القوى المسلحة الخارجة عن سيطرة الحكومة والمنظمات شبه العسكرية، أدى إلى اختطاف وقتل عشرات الصحفيين.

وفقا للجنة حماية الصحفيين، قُتل ما لا يقل عن 190 صحفيا في العراق منذ سنة 1992. في هذا الصدد، يقول مصطفى سعدون، مدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن اختفاء الصحفيين في جميع أنحاء البلاد أصبح أمرا عاديا. وأضاف في تصريحات لموقع ميدل إيست آي: "يمكن لأي جهة في العراق أن تختطف صحفيا في أي لحظة. العراق ليس مكانا آمنا للصحفيين".

صورة
جنازة المصور الصحفي يوسف ستار بالعاصمة بغداد في كانون الثاني/ يناير 2020. وتقول التقارير إنه قُتل أثناء تغطيته مظاهرات مناهضة للحكومة.

منذ بداية الاحتجاجات المناهضة للحكومة في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تنديدا بالفساد والبطالة والتدخل الأجنبي والميليشيات المسلحة الخارجة عن سيطرة الحكومة، شهد العراق اغتيال وخطف وتعذيب مئات الأشخاص على أيدي قوات الأمن والجماعات المسلحة غير حكومية، واستُهدف الصحفيون المدافعون عن الاحتجاجات أو المتعاطفون معها.

في تموز/ يوليو، اختُطف الصحفي المعارض البارز علي مقدام من أحد شوارع حي الكرادة ببغداد بعد كتابته مقالا ينتقد فيه تأثير الجماعات المسلحة في البلاد، وعُثر عليه على قيد الحياة بعد يوم واحد مع آثار تعذيب على جسده.

يقول عبد الزهرة إنه أخبر خاطفيه أنهم إذا قتلوه، فإن عائلته ستحصل على راتب من مؤسسة الشهداء ونقابة الصحفيين العراقيين، أفضل بكثير مما يحصل عليه حاليا من عمله صحفي مستقل. أطعمه خاطفوه حساء به مخدر، وقالوا إنهم اختاروا له طريقة قتل مناسبة.

يضيف عبد الزهرة أنهم أعادوه في النهاية إلى مدينة الصدر وألقوا به في أحد الشوارع، وأمسكوا برأسه نحو الأسفل حتى لا يتمكن من التعرف على خاطفيه. ورغم هذه التجربة الصعبة، يقول عبد الزهرة إن خاطفيه كانوا أقل عنفا من الشرطة العراقية خلال تغطية المظاهرات في بغداد. وقبل إطلاق سراحه، أخبره الخاطفون أنه ليس "هدفا مباشرا" لكنه هدف "محتمل"، ويجب أن يحذر من أن يصبح هدفا مباشرا، وقد أجابهم قائلا: "إن شاء الله".

اتهامات وتهديد بالعنف

تم الإعلان عن نتائج الانتخابات التي قاطعها غالبية العراقيين، وقد أظهرت تفوقا كبيرا لتيار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. وندد عدد من الأحزاب الشيعية بالنتائج ووصفوها بأنها "ملفقة" و"انقلاب" نظمه الصدر بمساعدة قوى أجنبية.

ودعا متحدث باسم كتائب حزب الله - وهي حركة مسلحة مدعومة من إيران تصنفها الولايات المتحدة بأنها منظمة إرهابية - أنصارها إلى معارضة النتائج، وأكد أنهم سيتخذون موقفا حازما من أجل إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح.

بالنسبة لعبد الزهرة، تشير نتائج الانتخابات إلى أن مناخ العمل الصحفي في العراق - الذي يرى أنه في أسوأ حالاته - لن يزداد إلا سوءا إذا انزلق البلد إلى صراع بين قوى مختلفة من داخل النظام. ويقول عبد الزهرة: "نحن نتجه ربما نحو حرب أهلية. كل الجماعات المسلحة لها أجنحتها السياسية، وقد قالوا إنهم سيدافعون عن حقوقهم، ولو تم ذلك عبر العنف. سيكون ذلك أسوأ بالنسبة للصحفيين".

المصدر: ميدل إيست آي