أوزديمير بيرقدار

أوزديمير بيرقدار

عن عمر يناهز 72 عامًا رحل أحد رجال الأعمال الاستثنائيين في تركيا، بعد أن كان شاهدًا على التغييرات الكبرى التي أحدثتها شركته في مجال الصناعات الدفاعية المحلية، وتشيّع إسطنبول اليوم المهندس أوزديمير بيرقدار، الذي وافته المنية أمس الاثنين، من جامع الفاتح ليوارى الثرى في مسقط رأسه في سارييرSarıyer، فيما تشارك الوفود في مراسم التعزية في منشآت شركته بايكار Baykar الرائدة في الصناعات الدفاعية، لا سيما الطائرات المسيَّرة التي باتت رقمًا صعبًا على المستوى العالمي.

شركة بايكار 

أسَّس المهندس أوزديمير شركة بايكار باسم Baykar Makina عام 1986، وذلك ضمن توجُّهات الحكومة التركية آنذاك للمساهمة في الحد من استيراد السيارت، حيث عملَ على تصميم وتصنيع الكثير من الآلات المخصَّصة لصناعة الآلات الدقيقة.

وعلى الرغم من ارتباط اسم ابنه سلجوق بيرقدار بالطائرات المسيَّرة التركية، وإدارته لعدة مشاريع رائدة في هذا المجال، إلا أن والده هو من فتحَ هذا المجال لأولاده بعد طريق طويل من الكفاح، منذ أن كانت فكرةً يناقشها مع أستاذه نجم الدين أربكان عندما كان عضوًا في حزب الرفاه في التسعينيات.
 

صورة

ساهم الراحل بشكل فعّال في تطوير تقنية المركبات الجوية غير المأهولة الوطنية والفريدة من نوعها، ولعب دورًا نشطًا في تنفيذ المشاريع المتعلقة بها، بدءًا من مرحلة التصميم إلى مرحلة النموذج الأولي، ومن مرحلة التصنيع إلى تخطيط الاستثمار.

بعد سنوات طويلة من المماطلة والابتزاز الإسرائيلي والأمريكي لتركيا في موضوع تزويدها بالطائرات المسيَّرة، بهدف استخدامها في الحرب على تنظيم PKK، إضافة إلى شكوك متكرِّرة عن اختراق إسرائيلي للمسيَّرات التي تبيعها لتركيا، أراد أوزدمير بيرقدار أن يصنع مشروعًا وطنيًّا لإنقاذ تركيا من التبعية العسكرية.

وجرّاء ذلك بدأت شركة بايكار بإجراء الدراسات والأبحاث بمشاركة الجيش التركي جنوب شرق الأناضول، وتمَّ تطوير Bayraktar Mini UAV التي هي أول مركبة جوّية من دون طيار، واستمرَّت الدراسات بين عامَي 2005 و2009. 

كانت شركة بايكار هي المنزل الثاني لأوزديمير، حيث واصلَ العمل في الليل والنهار كما تحدّث ابنه، وعملَ على الجمع بين موهبته الهندسية واستخدام أحدث التقنيات، وهو الذي رسمَ تصميمات جميع المنتجات الفريدة المطوَّرة محليًّا بالكامل، مثل بيرقدار تي بي 2 وبيرقدار أكنجي اللتين أعطتا المسيَّرات التركية طابعها الخاص.

البدايات

ولد أوزديمير في منطقة غاريبجه في منطقة ساريير بإسطنبول عام 1949 لوالد صيّاد من طرابزون، التحقَ بثانوية كاباتاش للبنين، وتخرّج بتفوق من جامعة إسطنبول التقنية بتخصُّص الهندسة الميكانيكية عام 1972، ثم عملَ كمساعد باحث لرئيس اتحاد محركات السيارت، حصلَ بعدها على درجة الماجستير.

عملَ بعد ذلك كمدير تقني ومؤسِّس في عدة مصانع وشركات لعبت دورًا رائدًا في الفترة التي شهدت حركة صعود في قطاع الصناعة التركي.

تزوّج المهندس من خرّيجة كلية الاقتصاد جنان بيرقدار، والتي عملت كمبرمِجة في بنك التنمية الصناعية، ورُزقا بـ 3 أولاد هم خلوق وأحمد وسلجوق الذي تزوّج من سمية بنت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2016.

بيرقدار
الرئيس التركي يتوسط صهره سلجوق بيرقدار وأوزديمير بيرقدار (يسار الصورة)

حملة التكنولوجيا الوطنية التركية

دشّنت تركيا مبادرة حملة التكنولوجيا الوطنية لتقديم الدعم اللازم لإنتاج المنتجات والأنظمة التكنولوجية المتقدمة المحلية، والمساهمة في تنفيذ المشاريع والبرامج المتعلقة بهذا المجال، إلى جانب المساهمة في إنشاء البنية التحتية، وذلك للمساهمة برفع الكفاءة والقدرة للدولة التركية في مجال التكنولوجيا.

وكانت فكرة إنتاج السيارة الكهربائية المحلية إحدى نتائج التوجُّهات الحكومية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الصناعات التقنية، الأمر الذي اضطلعت به شركة بايكار.

ولخّص نائب وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي، محمد فاتح كاجير، الهدف من الحملة بالقول: "ستعمل تركيا في ضوء حملة التكنولوجيا الوطنية على زيادة قدرتها التنافسية العالمية، والحصول على استقلالها التكنولوجي والاقتصادي".

كان أوزديمير بيرقدار يؤمن بأفكار هذه المبادرة قبل أن تكون واقعًا، وذلك منذ السنوات الأولى لتأسيس بايكار، حيث قضى 20 عامًا في العمل المتواصل لتحقيق حلمه في بناء تركيا مستقلة صناعيًّا، قائلًا: "سنستمر بالعمل وبذل الجهد بكل طاقتنا حتى تحقق بلادنا هدفها بالاستقلال الكامل والريادة العالمية".

بيرقدار

الإرث الذي تركه لوطنه

رحلَ بيرقدار بعد أن نجحَ في المساهمة في تحويل تركيا من الاعتماد بشكل كامل على المسيَّرات المستوردة إلى أن تصبح من بين الدول الأربعة الكبرى الأكثر استخدامًا وتصنيعًا لهذا النوع من الأسلحة.

كما شهدَ قبل وفاته الانتصارات التي حقّقتها تركيا بفضل التكنولوجيا المتطوِّرة للطائرات المسيَّرة في عمليات غصن الزيتون ودرع الفرات، وفي دعم الجيش الأذربيجاني في إقليم قره باغ.

وبفضل هذه الانتصارات والنتائج الإيجابية التي حقّقتها المسيَّرات، بدأت تركيا بإبرام عقود التصنيع والتصدير، حيث وقّعت وزارة الدفاع الأوكرانية وشركة بايكار نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي بروتوكولًا يقضي ببناء مركز مشترَك لصيانة الطائرات من دون طيار، والتدريب على استعمالها في منطقة فاسيلكيف.

كما أوضح سلجوق بيرقدار أن أكثر من 70% من أرباح شركة بايكار تأتي من الصادرات للخارج، وأن الشركة وقّعت حتى الآن 10 اتفاقيات تصدير أتمّت بعضًا منها. 

الوداع

صورة

نعى أبناء بيرقدار والدهم على حساباتهم على تويتر، حيث قال خلوق بيرقدار، المدير العام لشركة بايكار، أن والده كان مصدرًا للإلهام، وساعد قدر استطاعته، ونودّعه اليوم من المصنع الذي واصل فيه العمل ليل نهار ليرى نتاج جهده قبل رحيله:

 

 

أما ابنه سلجوق، المدير الفني والتقني في شركة والده، ومؤسِّس نظام طائرات بيرقدار المسيَّرة، فنعاه كأبٍ ومرشد وصديق ورفيق القضية:

 

 

ونعى الرئيس التركي بيرقدار "الذي قاد حركة التكنولوجيا الوطنية بأحلامه وجهوده وكفاحه":
 

 

فيما قدّمت رئيسة الحزب الجيد المعارض تعازيها لعائلة بيرقدار، الذي "قدّمَ خدمات كثيرة لوطنه على مدى أعوام طويلة"، كما قالت:
 

 

كما أعربَ دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية، عن حزنه لرحيل مؤسِّس شركة بايكار، وذكّر بـ"جهوده الجبّارة" في تطوير صناعة الأسلحة المحلية:

 

أخيرًا.. ليس عبثًا أن يحظى المهندس أوزديمير بيرقدار بالإشادة وثناء الأتراك من كل أطيافهم وتوجُّهاتهم لحظة تشييعه، فرغم مصاهرة نجله للرئيس التركي، ووصول شركته للعالمية في عهد حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أردوغان، إلا أنه على الدوام كان يقدِّم إنجازاته برسم الأمة التركية عمومًا ولأجلها، ولم يقدِّمها يومًا كمنجَز سياسي للحزب الحاكم أو حتى للرئيس.