غداة إعلان الرئيس التونسي قيس سعيد عن إطلاقه، في وقت لاحق، لحوار وطني يشمل البحث في تعديل الدستور والقانون الانتخابي والأزمة الاقتصادية، عبر المنصات الرقمية لتمكين الشباب وكل فئات الشعب من المشاركة، بدأت تتضح ملامح الخطوة الجديدة لما بعد الحالة الاستثنائية التي فرضها الرئيس التونسي في 25 من يوليو/تموز التي علق في أعقابها أعمال البرلمان والعمل بدستور 2014، فهل ينجح الحوار المرتقب على طريقة سعيد؟

حوار مشروط

أعلن قيس سعيد في وقت سابق أنه سيتم إطلاق حوار وطني يتضمن تعديل النظام السياسي وقانون الانتخابات، وذلك في أوضح إشارة إلى رضوخه النسبي للضغوط الداخلية والخارجية، إلا أن المراقبين للأوضاع يصفون الخطوة بأنها التفافة جديدة من الرئيس التونسي على مساعي إنهاء الأزمة السياسية في البلاد.

الرئيس التونسي وصف الحوار المرتقب بأنه "صادق ونزيه"، يُشارك فيه الشباب في كامل التراب التونسي وسيكون مختلفًا تمامًا عن التجارب السابقة ويتطرق إلى عدة مواضيع، من بينها النظامان السياسي والانتخابي في تونس اللذان أُعدا على المقاس"، مشيرًا إلى أنه سيتم العمل على طريقة تقنية حتى يشارك جميع الشباب في هذا الحوار.

 

الحوار على طريقة ورؤية سعيد هو عبارة عن "نوع جديد من الاستفتاء ولن يكون بمفهومه التقليدي وسيخصص للاستماع إلى مقترحات الشعب التونسي في كل المجالات"، بحسب تعبيره، فسيتم "عقد اجتماعات في كل معتمدية تقدم خلالها مقترحات صادرة من الشعب التونسي، ليتم بعد ذلك العمل على تأليفها".

 

سعيد أشار أيضًا إلى أن "التصور العام للحوار هو نوع من الاستمارة توزع عن طريق شبكات التواصل ثم يقع تأليف المقترحات وسنعمل أن يكون ذلك في وقت قياسي لأننا في سباق ضد الزمن لتحقيق أهداف الشعب في الحرية والكرامة والشغل"، مضيفًا أن الحوار سيشمل المغتربين قائلًا: "الأمر يهم أيضًا التونسيين بالخارج الذين يبلغ عددهم حوالي مليون".

بحث سعيد مع وزير تكنولوجيات الاتصال، بحسب البيان، "إمكانية إحداث منصات للتواصل مع الشباب والشعب التونسي في كل مناطق الجمهورية لتنظيم حوار وطني حقيقي".

أهداف الحوار

بصيغته الحاليّة كما يُروج له سعيد، فإن الحوار يأتي ضمن محاولات الرئيس التونسي الانفراد بالقرار والتخطيط للمراحل القادمة السياسية والاقتصادية دون إشراك القوى الحية في البلاد، وهي في سياق مساعيه الرامية إلى الاستئثار بتقرير مصير الشعب التونسي عبر خط دستور جديد على المقاس.

عمليًا، يرنو سعيد عبر حواره إلى طرح نظامين سياسي وانتخابي جديدين وفق تصوره وأطروحته التي تبناها منذ 2013 وخلال حملته التفسيرية التي سبقت الانتخابات الرئيسية في 2019، وهذا التأسيس الجديد يرتكز على فهم مغاير لممارسة العملية الديمقراطية الحاليّة، وتعتمد على فكر سياسي ودستور جديدين، على حد تعبيره.

 

هذا طرح قائم على آليتي الديمقراطية المباشرة والبناء القاعدي على طريقة الهرم المقلوب، في ظاهره إعادة السلطة إلى الشعب من حيث التشريع واتخاذ القرار، إلا أنه يحمل بين طياته نزعة ديكتاتورية، فالبناء القاعدي المفرط في اللامركزية بالنسبة للسلطة التشريعية يتحول إلى مركزة مفرطة للسلطة التنفيذية وإلى صلاحيات واسعة جدًا لهرمها الأعلى وهو رئيس الجمهورية.

أما على مستوى شكل الحوار ومضمونه، فإن الاستشارة المفتعلة للشعب وللشباب بواسطة تطبيقة إعلامية، سيقع تنظيمها بطريقة موجهة ومغلقة حول الخيارات المعدة سلفًا لتقود إلى نتائج وقرارات مسطرة ومحددة مسبقًا.

فالرئيس التونسي قيس سعيد يتحدث عن استشارة مفتوحة مباشرة للمواطنين عن مواضيع يُحددها هو بمرسوم، وتتعلق أساسًا بمراجعة النظام السياسي والانتخابي دون تمثيل الأحزاب (إقصاء حركة النهضة) والمنظمات، لذلك فإن الهدف الرئيسي من الحوار هو البحث عن دعم شعبي لمشروع سياسي موجود في أدراج مكتبه، إلا أن هذه الخطوة ستطرح إشكالات عميقة وستزيد من الانقسامات والصراعات داخل المجتمع، وربما قد تُثير توجس الخارج.

اتحاد الشغل

في أول رد صريح رافض للحوار بالشكل الذي طرحه سعيد، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل وهو قوة نقابية وسياسية في تونس رفض الحوار الوطني الذي يعتزم الرئيس إطلاقه في قادم الأيام بصيغته الحاليّة، مطالبًا بضرورة أن يكون للأحزاب دور في العملية الديمقراطية، رافضًا أي حوار مستوحى من فكرة "اللجان الشعبية".

ففي تجمع عمالي ونقابي أُقيم في وقت سابق، طالب الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، بأن يكون للأحزاب دور في العملية الديمقراطية، متسائلًا: "ما هو الخيار السياسي الذي سنسلكه؟ وما دور الأحزاب؟ كثيرون بدأوا بجلد الأحزاب، لا توجد ديمقراطية في العالم تبنى من دون أحزاب".

في هذا السياق، دعا الطبوبي، الرئيس قيس سعيد، إلى توضيح مضامين خياراته السياسية، إلى جانب توضيح الحوار الوطني الذي يعتزم إطلاقه، وذلك "للتفاعل معها قبولًا أو معارضةً"، مؤكدًا أن اتحاد الشغل "لن يُقدم صكًا على بياض لأي طرف كان".

 

اتحاد الشغل رد ضمنيًا على اتهامات سعيد للأحزاب بالفساد والتسبب في الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد، بالقول: "محاسبة الأحزاب تكون عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات، إرادة الشعب هي من ستسقط هذا الطرف وتعطي الثقة للطرف الآخر".

الاتحاد الممثل في شخص أمينه العام طالب أيضًا بتحديد آجال قريبة لإنهاء التدابير الاستثنائية، كما حذر من تجاهل مبدأ التشاركية في اتخاذ القرارات، مخاطبًا الرئيس سعيد بأنه "لا يمكن لأي أحد أن يرسم مستقبل تونس ويُحدد الخيارات الوطنية بمفرده وخارج إطار منظمة الشغيلة".

ضغوط الخارج

إلى جانب الشارع والقوى السياسية الحية في تونس التي تسعى لكبح حماح الرئيس التونسي خوفًا من أن يجنح بسفينة الديمقراطية على هشاشتها إلى مربع الديكتاتورية، فإن قيس سعيد يُواجه ضغوطًا من القوى الدولية، وتحديدًا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وهما القوتان اللتان تطالبان بعودة الديمقراطية والمؤسسات الدستورية إلى تونس وتنتقد عدم وجود خطة طريق واضحة لمستقبل البلاد.

من هذا الجانب، كان البرلمان الأوروبي، قد صادق في وقت سابق، على مشروع قرار أعرب فيه عن "القلق العميق من تركيز السلطات بشكل كبير في يد الرئيس قيس سعيد"، ودعا أعضاء البرلمان الأوروبي ضمن القرار إلى "احترام سيادة القانون، والحفاظ على الدستور، والعودة إلى الديمقراطية"، مطالبًا بـ"استئناف النشاط البرلماني في أسرع وقت ممكن، وبضرورة الإعلان عن خريطة طريق واضحة للعودة إلى العمل الطبيعي للدولة".

 

بدورها، حذرت اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمجلس النواب الأمريكي، من وضع الديمقراطية في تونس وقالت إنها "مهددة وفي خطر"، فيما قال رئيس اللجنة النائب الديمقراطي تيد دويتش: "الديمقراطية التونسية في خطر بعد شروع الرئيس قيس سعيد في فرض سلطات تنفيذية، مع استمرار تعليق عمل البرلمان".

نجاح الحوار؟

الظاهر، أن الحوار الذي أعلن الرئيس التونسي اعتزام إطلاقه قريبًا يشبه إلى حد بعيد خطوة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 2008، حين أعلن عن تنظيم حوار تحت مسمى "ميثاق الشباب التونسي"، وقالت السلطات وقتها إنه جذب مشاركة مليوني شاب تونسي، أي أنه لن يخرج عن دائرة بروباغندا السلطة الواقعة في مأزق سياسي.

فالظاهر أن قيس سعيد لا يمكنه الآن التراجع للوراء، كما أنه غير قادر على إيجاد حلول لأزمات البلاد المركبة، وبالتالي لا أفق مفتوح أمامه للخروج من مأزق الإجراءات الاستثنائية، في ظل داخل مرتبك وخارج متوجس، لذلك فإن الحوار لا يعدو أن يكون مناورة لربح الوقت والدعم الشعبي.

أما عن إمكانية مساهمة الحوار في حل الأزمة السياسية والاقتصادية في تونس، فإنه خطوة تُعد مطلبًا سياسيًا وشعبيًا، لكن في شكلها الحاليّ ووفق تصور سعيد لن تُسفر عن اتفاقات أو تفاهمات ولن تؤثر على المشهد العام بسبب غياب الأحزاب وتحكم مؤسسة الرئاسة في مساره، وهو أمر أيقنته مؤخرًا بعض النخب التي ساندته في انقلابه الدستوي.

في هذا السياق، أكد الأكاديمي التونسي سامي براهم أن الحوار الذي تحدث عنه سعيد لن يكون وطنيًا وشاملًا للقوى الحية في البلاد بل هو حوار فئوي يقتصر على أنصاره ومريديه وتنسيقياته التي هي بصدد التشكل، وهي خطوة التف بها عن المطلب الحقيقي للشعب التونسي وهو الاستقرار وعودة مؤسسات الدولة الشرعية.

يبدو أن قيس سعيد، لم يرم كل بيضه إلى الآن في سلة واحدة وخير في مقابل ذلك طرح مشروعه بشكل غامض وضبابي أو لنقل مرحلي، وبالتالي من الصعب تحديد إستراتيجيته في المرحلة القادمة، فالأمر يتطلب قدرة كبيرة على تجميع شتات أفكاره ومواقفه، لكن حل الأزمة التونسية لن يكون في كل الأحوال بانتظار "الردحة" الكبرى للرئيس.