يواصل آلاف السودانيين احتجاجهم لليوم الثالث على التوالي، رفضًا للإجراءات التي اتخذتها المؤسسة العسكرية في 25 أكتوبر/تشرين الحاليّ، التي تصفها القوى المدنية بـ"الانقلاب مكتمل الأركان"، وسط استخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والقنابل المطاطية لتفرقة المتظاهرين.

التظاهرات تجاوزت العاصمة الخرطوم، لتضم معها عددًا من الولايات، كما هو الحال في الأبيض غربًا وعطبرة شمالًا، حيث أحرق المتظاهرون إطارات سيارات وأغلقوا بعض الشوارع والجسور الرئيسية، فيما أسفرت المواجهات مع الأمن عن سقوط عدد من القتلى وإصابة العشرات بجروح، فيما نقل شهود عيان استخدام الجيش للرصاص الحي في التصدي لبعض الاحتجاجات، كتلك القريبة من مقر القيادة العامة.

تزامن هذا التصعيد مع إطلاق سراح رئيس الوزراء المقال عبد الله حمدوك، وعودته وأسرته لمنزله، بعد احتجازه طيلة الساعات الماضية في مكان غير معلوم، وسط تنديد دولي بإجراءات العسكر ومحاولة التغول على السلطة بما يجهض مساعي الانتقال الديمقراطي ويعيد البلاد لعصور الديكتاتورية الظلامية.

المشهد يتجه نحو حرب تكسير عظام بين الفريق العسكري الذي يملك السلطة والسلاح والآخر المدني الذي يراهن على الشارع ودفاعه عن مدنية الدولة وديمقراطيتها، فيما يقبع الغالبية العظمى من السودانيين في انتظار نتائج تلك المعركة التي ستحدد بشكل كبير ملامح الدولة خلال المرحلة القادمة.

تصعيد متبادل

القوى الثورية وفي المقدمة منها "تجمع المهنيين السودانيين" دعت إلى استخدام ما وصفتها بأدوات المقاومة السلمية التي تم تجربتها سابقًا، في الإضراب السياسي العام والعصيان المدني الشامل والمفتوح، وسط استجابة كبيرة من العديد من الكيانات والمنظمات النقابية والعمالية.

وجابت مكبرات الصوت شوارع الخرطوم لحث المواطنين على المشاركة في العصيان المدني، فيما بث نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي عشرات الصور التي تظهر إغلاق المحال التجارية في العاصمة وبعض الولايات المجاورة، تزامنًا مع إعلان الكثير من النقابات والجمعيات، وفي المقدمة منها الأطباء والصيادلة والطيارين وأساتذة الجامعات والصيارفة، إضرابهم الكامل عن العمل تنديدًا بانقلاب العسكر.

حالة من الشلل التام باتت عليها البلاد خلال اليومين الماضيين، وسط إصرار من المواطنين على المضي قدمًا في هذا المسار حتى التراجع عن الانقلاب وإطلاق سراح المعتقلين وتخلي العسكر عن السلطة بصورة نهائية، في محاولة لإحياء روح ثورة ديسمبر/كانون الأول مرة أخرى.

وعلى الجهة الأخرى قرر المنشقون عن الحرية والتغيير (مجموعة الميثاق الوطني) رفع الاعتصام الذي كان موجودًا أمام القصر الرئاسي بالخرطوم، استجابة لإعلان حالة الطوارئ التي أعلنها عبد الفتاح البرهان ضمن حزمة القرارات التي اتخذها ظهر الإثنين الماضي.

تنديد وانقسام

وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، خلال اتصاله الهاتفي الذي أجراه برئيس الوزراء السوداني بعد إطلاق سراحه، جدد مطالبته بإطلاق سراح بقية المعتقلين من وزراء الحكومة وقيادات الأحزاب والشخصيات العامة، كما أعرب عن قلقه العميق إزاء استمرار استيلاء الجيش على السلطة.

الوزير أكد ضرورة ضبط النفس وتجنب العنف في الرد على المتظاهرين، منوهًا إلى الإدانات الدولية لما وصفه بالاستيلاء العسكري على السلطة، فيما أشار مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان إلى اتصالات أجرتها بلاده مع القادة الإقليميين، بما في ذلك دول الخليج، "من أجل التنسيق وإيصال رسالة واضحة للجيش السوداني بضرورة وقف أي عنف ضد المدنيين، وإطلاق سراح السياسيين المعتقلين، والعودة إلى المسار الديمقراطي".

أوروبيًا، حذرت وزارة الخارجية الألمانية في بيان لها من تداعيات الانقلاب العسكري، واصفة إياه بأنه تطور كارثي يضع البلاد في وضع محفوف بالمخاطر، لافتًا إلى أن الإجراءات التي اتخذها البرهان تجعل مستقبل السودان الديمقراطي والسلمي موضع تساؤل.

يحاول العسكر إيهام الشارع السوداني بتكرار تجربة 1985 حين أطاح الثوار بنظام جعفر النميري، لكن التطورات التي شهدتها الساحة منذ الإطاحة بنظام البشير في أبريل/نيسان 2019 وتعامل العسكر خلالها تسقط كل تلك الأوهام وتجعل تجربة سوار الذهب صرحًا من خيال هوى على أطماع العسكر في الاستئثار بالسلطة 

من جانبه أكد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، ضرورة عدم السماح للبرهان وأنصاره بعرقلة طريق الديمقراطية، مضيفًا أن بلاده ستواصل دعم الشعب السوداني ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، فيما ألمح الاتحاد الأوروبي على لسان مسؤول السياسة الخارجية والأمن جوزيب بوريل، إلى احتمالية تعليق مساعداته المالية للسودان إن لم يتم التراجع عن الانقلاب.

دوليًا، يبدو أن هناك انقسامًا واضحًا داخل مجلس الأمن الدولي إزاء تطورات الوضع في السودان، إذ اختتم المجلس جلسة مشاوراته المغلقة أمس الثلاثاء دون التوصل إلى اتفاق على موقف موحد، فيما طالب نائب المندوب الروسي في المجلس، ديميتري بوليانسكي، بضرورة إعراب المجلس عن رفضه للعنف من جميع الأطراف، ممتنعًا عن وصف ما حدث بـ"الانقلاب"، منوهًا أن الانقلاب له تعريف محدد وأن الأمر متروك للسودانيين ليقرروا ما إذا كان ذلك انقلابًا أم لا.

الانقسام ذاته شهدته جلسة مجلس السلم والأمن الإفريقي المقرر أن تستكمل اليوم، إذ تباينت الآراء بين مؤيدين لتعليق عضوية السودان، باعتبار أن ما حدث انقلابًا يخرِق مواثيق الاتحاد الإفريقي، ومطالبين بمزيد من التشاور والتواصل مع السلطة الجديدة في الخرطوم قبل اتخاذ أي قرار.

فشل تكرار تجربة سوار الذهب

الشعارات التي رفعها الجيش وحلفاؤه لتبرير وتمرير انقلابه لم تقنع الشارع بصورة كافية، فالحديث عن مشاريع تقسيم البلاد مجددًا، عبر بوابة الشرق، رئة السودان على البحر الأحمر، وضرورة قيام القوات المسلحة بدورها لوأد الفتنة قبل تفاقهما، كونها المؤسسة السيادية الوحيدة المتماسكة بعد سقوط نظام الإنقاذ، حديث ضربه في مقتل التنسيق المتبادل والتناغم المسبق ووحدة الأهداف والأجندة التي تكشفت بعد ذلك بين العسكر وقبائل البجا التي ركزت مطالبها في إقالة الحكومة وتعيين أخرى تحت إشراف عسكري.

البرهان اليوم يستقوى في تحركاته بالمنشقين عن قوى الحرية والتغيير والكيانات والقوى السياسية المقصاة من جنة السلطة الانتقالية وعدد من الجماعات المسلحة وفلول نظام الإنقاذ، فضلًا عن تيار ليس بالقليل من الشارع الناقم على أداء حكومة حمدوك وفشلها في تلبية الحد الأدنى من مطالب السودانيين.

يحاول العسكر إيهام الشارع السوداني بتكرار تجربة 1985 حين أطاح الثوار بنظام جعفر النميري، وأدار البلاد وقتها مجلس عسكري برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، الذي عين حكومة من الكفاءات برئاسة الجزولي دفع الله، وتعهد خلال عام بإجراء انتخابات عامة، لكن التطورات التي شهدتها الساحة منذ الإطاحة بنظام البشير في أبريل/نيسان 2019 وتعامل العسكر خلالها تسقط كل تلك الأوهام وتجعل تجربة سوار الذهب صرحًا من خيال هوى على أطماع العسكر في الاستئثار بالسلطة وعدم تسليمها لكيان آخر.

الأكل من سنام الدولة

من المتوقع أن يواجه العسكر ضغوطات اقتصادية وسياسية حادة، سواء من خلال العزلة الدولية عبر وقف الدول الرافضة للانقلاب التعامل مع السلطة السلطوية الجديدة، وما قد يترتب على ذلك من فرض عقوبات اقتصادية ووقف برامج المنح والمساعدات التي تمثل ضلعًا محوريًا في الاقتصاد الوطني المترنح، أم على المستوى الداخلي من خلال الإضرابات والاعتصامات السلمية التي لجأ إليها الشارع الرافض لما حدث، الأمر الذي يضع البرهان في ورطة كبيرة، ستدفعه بلا شك إلى الاستعانة بالمخزون الإستراتيجي للدولة لإيصال رسالة للعالم بأن الوضع تحت السيطرة وأن الأمور لم تتغير بتلك الإجراءات التي تم اتخاذها، غير أن تلك الصورة الكاذبة لن تستمر طويلًا، فالموارد الشحيحية بطبيعة الحال ستنضب بسرعة، وستكون صورة الجيش والدعم السريع كأنه يأكل من سنامه.

وفي الجهة الأخرى ليس هناك شك في أن البرهان ما كان له أن يقدم على ما أقدم عليه دون تنسيق إقليمي، مع بعض الجهات والقوى صاحبة المصلحة في القضاء على التجربة الثورية السودانية، والمستفيد الأبرز من سيطرة العسكر على المشهد بما يساعدهم على تمرير أجندتهم التوسعية في المنطقة.

ومن ثم ستحاول تلك القوى المناهضة للثورات والعابثة بمقدرات واختيارات الشعوب دعم السلطة العسكرية الجديدة التي تراهن على الوقت لتمرير انقلابها، لكن هذا الدعم لن يكون بالأريحية المطلقة كونه يضع تلك القوى في مأزق سياسي كبير، داخليًا ودوليًا، وعليه فإن المتوقع من تلك الدول لن يلبي احتياجات الشعب السوداني المتزايدة يومًا تلو الآخر.

3 سيناريوهات

هناك ثلاثة سيناريوهات أساسية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، الأول: مضي البرهان قُدمًا في انقلابه، وفي هذا السيناريو يعتمد الجنرال على عامل الوقت لتمرير ما حدث، مرتكزًا إلى أن غاية ما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي فرض عقوبات أولية ثم المطالبة بحكومة مدنية وتقليل تغول العسكريين على السلطة.

وربما يغازل البرهان المجتمع الدولي من خلال بعض الإجراءات التي من شأنها تخفيف حدة التصعيد وتكسير موجة الانتقادات الدولية الموجهة ضده، ومن ثم تفكيك دائرة الضغط عليه، وهو ما بدا واضحًا مع استجابته للمطالب بشأن الإفراج عن حمدوك الذي يتمتع بعلاقات قوية مع الغرب.

التلميح إلى تشكيل حكومة مدنية برئاسة شخصية مستقلة غير خاضعة لأي تكوين سياسي أو مؤسسي، مع إطلاق موجة من الوعود المتعلقة بجدول زمني لإجراء انتخابات برلمانية واستكمال مؤسسات الدولة، ربما تكون إستراتيجية ناجحة لتخدير الرأي العام العالمي وتهدئته قدر المستطاع لحين عبور تلك الشرنقة، يساعده في ذلك القوى الإقليمية الداعمة له في المنطقة.

ربما يستفيد البرهان من حالة الانقسام الدولي بشأن إجراءات الإثنين، فرفض المندوب الروسي بمجلس الأمن بالأمس وصف ما حدث بالانقلاب، يشير إلى موقف روسي غير رافض بشكل صريح لما حدث، ما يمكن أن يستثير غضب الأمريكان، ما يمكن أن يجعل السودان ساحةً جديدةً للتجاذب الأمريكي الروسي، وهو ما قد يصب في صالح العسكر في النهاية.

العسكر مهما استكانوا لما يملكونه من قوة وسلاح فإن المشهد الأخير في المسرحية سيكتبه الشارع بلا شريك، وهو ما يراهن عليه أنصار الدولة المدنية، حتى المختلفين مع قوى الحرية والتغيير، وإلا فلا مصير إلا العودة لظلاميات الديكتاتوريات مجددًا

السيناريو الثاني: التصعيد الميداني، وهو السيناريو الأخطر والأكثر قلقًا للجميع، لا سيما حال نشوب صدامات ومواجهات بين الرافضين للانقلاب وقوات الأمن، علمًا بأن ضحايا اليوم الأول فقط بلغوا 7 قتلى وقرابة 140 مصابًا، وفي ظل دعوات الاحتشاد المتلاحقة من المتوقع زيادة الأعداد وعليه زيادة احتمالات الصدام والمواجهة خاصة بعد إعلان حالة الطوارئ، مع الوضع في الاعتبار إمكانية اللجوء للعنف من الجماعات المسلحة الداعمة لإجراءات الجيش التي لها حزمة من المصالح تود تحقيقها في ضوء الخريطة السلطوية الجديدة للبلاد.

يرتكن هذا السيناريو على التجربة الثورية الأولى في ديسمبر/كانون الأول 2018، حين تحمل الثوار تبعات تحركاتهم التي دفعوا ثمنها غاليًا جدًا، حتى إسقاط نظام البشير، يتزامن ذلك مع استمرار الضغط الشعبي والعصيان المدني الذي قد يدخل البلاد في حالة شلل تام تضع السلطة العسكرية في مأزق حقيقي، لكن يبقى السؤال: إلى متى يتحمل المحتجون التصعيد العسكري ضدهم؟ وما هي حصيلة القتلى المطلوبة حتى يردع العسكر في الزود عن السلطة المغتصبة؟

أما السيناريو الثالث والأخير، فتدخل المجتمع الدولي والإقليمي بصورة مباشرة لحل الأزمة، وقد يكون نتيجة منطقية زمنية للسيناريو الثاني، فحين تصل الأوضاع إلى طريق مسدود من التردي وأعمال العنف وتساقط القتلى والجرحى، فهنا ربما يجد المجتمع الدولي نفسه مضطرًا للقيام بدوره المنوط في الحفاظ على أمن واستقرار البلاد بما يسمح له بإجبار العسكر على التراجع عن الانقلاب ووضع تفاهمات جديدة يكون على أساسها ترتيبات للمشهد لما هو قادم.

وفي الأخير، فإن العسكر مهما استكانوا لما يملكونه من قوة وسلاح فإن المشهد الأخير في المسرحية سيكتبه الشارع بلا شريك، وهو ما يراهن عليه أنصار الدولة المدنية، حتى المختلفين مع قوى الحرية والتغيير، وإلا فلا مصير إلا العودة لظلاميات الديكتاتوريات مجددًا، ومن ثم يبقى المشهد في السودان مفتوحًا على الاحتمالات كافة لحين إشعار آخر.