منذ انقلابه الدستوري، لم يفوّت الرئيس التونسي قيس سعيّد مناسبة دون أن تحمل تصريحاته تلميحات ودعوات صريحة للقضاء إلى تحمُّل كامل مسؤولياته في محاسبة المتورِّطين في نهب المال العام والطبقة السياسية "الفاسدة"، وفق تعبيره، ما اعتبره المراقبون محاولات حثيثة لتركيع السلطة القضائية واستعمالها في تصفية خصومه، تمهيدًا لإرساء نظامه الجديد.

من العسكري إلى المدني

بالعودة إلى الترتيب الكرونولوجي لخطوات قيس سعيّد وتحركاته الرامية للتحكم في القضاء التونسي، فإن أولى محاولاته في هذا المجال كانت ليلة 25 يوليو/ تموز، تاريخ إعلانه حالة الاستثناء وتفعيل المادة 80 من الدستور، وقراراته بتجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، وتولّي رئاسة النيابة العامة للوقوف على محاسبة من وصفهم بـ"الفاسدين".

في تلك الفترة، قابل رئيس الدولة رفض القضاة والحقوقيين لقرار ترؤّسه النيابة العمومية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في الوقت نفسه، بإجراءاته الاستثنائية التي يتصرّف بها، فأصدر أوامر بفرض الإقامة الجبرية ومنع السفر على القضاة وإخضاعهم للاستشارة الحدودية (S17)، وهو إجراء استنكره القضاة (بيان 45 قاضيًا) معبّرين عن "صدمتهم" ممّا وصفوه بـ"الانزلاق الخطير" الذي تردّت إليه السلطة التنفيذية في تعاملها مع السلطة القضائية، بالتعدّي على سلطات المحاكم واختصاصات المجلس الأعلى للقضاء.

 

خلال الفترة ذاتها، انطلقت جملة من المحاكمات بحقّ أعضاء البرلمان المعلَّقة أعماله أمام المحكمة العسكرية، شملت كل من النائب ياسين العياري ونوّاب من كتلة ائتلاف الكرامة، منهم سيف الدين مخلوف وعبد اللطيف العلوي ومحمّد العفاس ونضال سعودي، كما تمّت محاكمة المحامي مهدي زقروبة ما أثار غضب الهياكل المهنيّة للمحامين وعلى رأسها الهيئة الوطنية للمحامين وجمعية المحامين الشبان، رغم أنهم كانوا من بين الأطراف المؤيِّدة للتدابير الاستثنائية.

هذه المحاكمات رافقتها موجة من الرفض والاستنكار من معارضي قيس سعيّد، وحتى في صفوف مؤيديه، ويعتمد معارضو هذا النوع من المحاكمات على مبدأ عام هو الرفض المطلق لمحاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية، سواء كان ذلك قبل الانقلاب الدستوري أو بعده.

لم يكتفِ الرئيس التونسي عند هذا الحد، بل داوم في كل مناسبة على التلميح وال تصريح بضرورة إصلاح القضاء المدني بعكس القضاء العسكري الذي يحظى بثقته التامة حيث إنه تحت إشرافه، ولم يفوّت الفرصة لدعوته إلى التدخل في بعض القضايا التي تنظر فيها المحاكم، إضافة إلى تطرُّقه في وقت سابق إلى مشروع مرسوم متعلق باختصار مُهل البتّ في تقارير دائرة المحاسبات المتعلقة بالانتخابات التشريعية والرئاسية عام 2019.

عاد سعيّد ليفجّر أزمة جديدة مع القضاء، بطلبه من وزيرة العدل ليلى جفال إعداد مشروع يتعلّق بالمجلس الأعلى للقضاء، وهي هيئة قضائية مكلّفة بالبتّ في الجانب التأديبي والحياة المهنية للقضاة، لكن الردّ هذه المرة لم يتأخر كثيرًا وجاء سريعًا من القضاة المتمسّكين باستقلاليتهم وبمقتضيات الدستور الذي ينص على مبدأ الفصل بين السلطات، وقوبلت دعوته برفض من القضاة والسياسيين، الذين اعتبروا قراره تدخُّلًا سافرًا في الشأن الداخلي للجهاز.

رفض التدجين

أول ردود الأفعال على خطوة سعيّد، جاءت من رئيس المجلس الأعلى للقضاء يوسف بوزاخر، الذي أكّد أنه إذا كانت نية رئيس الجمهورية هي إلغاء المجلس، فذلك يعتبر تدخُّلًا في القضاء.

كما أعلنَ مجلس القضاء (هيئة دستورية مستقلة)، في بيان، رفضه المساس بالسلطة القضائية بموجب المراسيم الرئاسية، التي يتمّ إقرارها في ظلّ تدابير الحالة الاستثنائية بالبلاد، وبالبناء الدستوري للسلطة القضائية، وبالضمانات المكفولة للقضاة وظيفيًّا وهيكليًّا، وفي مقدمتها وجود المجلس الأعلى للقضاء كمؤسسة دستورية ضامنة لحُسن سير القضاء واستقلاله.

 

من جانبه، اعتبر القاضي السابق أحمد صواب أن رئيس الجمهورية يمارس ضغطًا على القضاء من أجل ترهيبه، وصولًا إلى تركيعه وتدجينه، مشيرًا إلى أن بعض التوقيفات التي طالت شخصيات سياسية تستند إلى شبهات ولا تتطلّب الإيداع بالسجن، داعيًا إلى تحييد المؤسسة القضائية عن التجاذبات السياسية، محذِّرًا في الوقت ذاته من "محاولات السلطة التنفيذية السيطرة على القضاء، ومن المخاطر التي تُهدّد الحقوق والحريات في البلاد".

بدورها، طالبت 20 منظمة وجمعية حقوقية تونسية رئيس الجمهورية قيس سعيّد بعدم اتخاذ أي تدابير أو إجراءات تهمُّ السلطة القضائية خلال فترة الاستثناء، بحجّة أن هذه القرارات "قد ينجر عنها إهدار كل ما تحقق من مكاسب، عوض إصلاح مواطن الضعف والفساد" في جهاز القضاء.

أعربت المنظمات الحقوقية عن استغرابها من دعوة الرئيس سعيّد وزيرة العدل في حكومة نجلاء بودن إلى إعداد مشروع قانون يتعلّق بالمجلس الأعلى للقضاء، خلال مجلس الوزراء، مطالبةً في بيان مشترَك بضرورة أن يتمَّ إصلاح القوانين والمؤسسات، بما في ذلك إصلاح المنظومة القضائية بصفة تشاركية، بما يكفل إرساء سلطة قضائية مستقلة ونزيهة.

في سياق متّصل، استنكرت حركة "أمل وعمل" ما اعتبرته تدخُّلًا للرئيس قيس سعيّد في القضاء، مشيرة إلى وجود ضغوطات من الرئاسة على القضاة، كما أشارت في بيان إلى أن "سلطة الانقلاب لا زالت تواصل السياسة الممنهَجة في تكريس حكم الفرد الواحد والإمعان في محاولة إلغاء أي سلطة تعديلية أو رقابية".

 

جاء في بيان الحركة أيضًا أن "رئيس الجمهورية بعد استئثاره بالسلطة، يحاول ترهيب القضاة وتدجينهم"، وأن "تصريحات القضاة حول وجود ضغوطات على القضاء قادمة من قصر قرطاج، دليل واضح على طبيعة الحكم الجديد وتهديده للحقوق والحريات".

انضمَّ رئيس حزب الأمل أحمد نجيب الشابي إلى الرافضين لخطوات سعيّد، وأكّد في تدوينة على فيسبوك أن القوى السياسية اخترقت الجسم القضائي وحالت دون قيامه بوظائفه، ليتحوّل الى جزء من الأزمة السياسية العامة بالبلاد، إلا أن عملية الإصلاح لا تتم إلا في ظل الشرعية الدستورية والفصل بين السلطات، مشدّدًا على أن إصلاح القضاء ''ليس من مشمولات رئيس الدولة''، وأن العودة إلى الشرعية الدستورية تمثّل شرطًا ومدخلًا لإصلاح القضاء.

 

القضاء مفتاح السلطة

من المؤكد أن فتح الرئيس التونسي قيس سعيّد لمواجهة مباشرة مع القضاة لم تكن ارتجالية أو اعتباطية كما يعتقد البعض، بل هي استراتيجية أعدَّ لها مسبقًا، وهي جزء من خطته للاستئثار بالحكم في تونس، أي أن سعيّد يحاول إنتاج منظومة عدالة على المقاس كما فعل في السابق بن علي الذي طوّع القضاء لشدّ أركان سلطته.

لكن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه بإلحاح هو ماذا يريد سعيّد من القضاء في الوقت الراهن تحديدًا ولماذا كل هذا الحرص؟ ما وراء الضغوطات التي يقودها سعيّد على منظومة العدالة؟ الإجابة ليست بالأمر العسير، فالرئيس التونسي أوقعَ نفسه في ورطة بسبب إجراءاته الاستثنائية التي يصفها بأنها لا تعارض الدستور، ووجدَ معارضة في الداخل والخارج ترفض مشروعه الجديد.

لذلك، يبدو أن قيس سعيّد على قناعة تامة بأنه لا يستطيع التقدم خطوة واحدة في تنزيل مشروعه (البناء الجديد) على أرض الواقع، دون وضع يدَيه على القضاء لتطويع مؤسساته من أجل استهداف خصومه السياسيين، وآخرها كان الدفع بإصدار بطاقة جلب دولية بحقّ الرئيس السابق المنصف المرزوقي، التي أثارت غضبًا واسعًا في صفوف التونسيين، وتحييدهم قبل الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

 

ضغط سعيّد على القضاء التونسي ومؤسساته من خلال تصريحاته المتكرّرة، يأتي في سياق استعجال الرئيس معركة السلطة عن طريق تجريف الحياة السياسية، فبعد تجميد البرلمان تأتي خطوة المحاكمات وتوظيف مؤسسات الدولة والقوانين.

لا يشك أحد أن القضاء التونسي يعيش أزمات هيكلية وبنيوية معقّدة، وهو الآخر يُعاني من الفساد ومن تحكُّم اللوبيات بأنواعها، وهي في الحقيقة منظومة عدالة موروثة منذ نظام بن علي لم تنجح الثورة في إصلاح وترتيب بيتها المتهالك، وذلك نتيجة استمرار عملية التوظيف السياسي للمؤسسة القضائية، وما تحرُّك سعيّد الأخير إلّا محاولة لإعادة إنتاج وصاية جديدة على هذه السلطة تفتح له أبواب الحكم المطلق.