سقوط قتيل في احتجاجات أمس في عقارب التونسية

سقوط قتيل في احتجاجات أمس في عقارب التونسية

قسّم التونسيين ووصف جزءًا كبيرًا منهم بالخونة، وأدخل البلاد في عزلة وتسبب في أزمة اجتماعية واقتصادية حادة، فالمهم عنده أن يغلق البرلمان وتقف دبابة على بابه لمنع النواب المنتخبين من دخوله.

لم يتوقف عند هذا الحد، فها هو الآن يشعل مدينة عقارب بمحافظة صفاقس جنوب البلاد، وتتسبب قراراته في قتل مواطن وحدوث إصابات عديدة في صفوف أهالٍ رفضوا أن تتحول مدينتهم إلى مصب نفايات.

الحوار الذي وعد به سعيد شباب تونس عقب انقلابه الدستوري "بأساليب جديد مبتكرة" يبدو أنه بدأ فعلًا، وتمثّلت تلك الأساليب في الغاز المسيل للدموع وهراوات قوات الأمن التي تفننت في قمع الأهالي.

حيثيات الحادثة

مساء الإثنين، طالب الرئيس قيس سعيد وزير داخلية حكومته توفيق شرف الدين بالتدخل الفوري لوضع حد للأوضاع السائدة في مدينة صفاقس التي تحولت لمكب نفايات في الشهر الأخير، رغم أن الأمر من مشمولات وزارة الشؤون المحلية التي قرر سعيد حذفها بعد تعطيل أحكام الباب السابع من الدستور التونسي الذي ينص على اللامركزية.

مباشرة إثر تعهد وزارة الداخلية بالموضوع، أعلنت وزارة البيئة إعادة فتح مصب الفضلات في مدينة عقارب للحد من أزمة تراكم أطنان من النفايات المنزلية منذ أسابيع في صفاقس وباتت تهدد بكارثة بيئية في المحافظة.

حمّل العديد من التونسيين، الرئيس قيس سعيد مسؤولية الوضع الذي وصلت له مدينة صفاقس

توجهت شاحنة لرمي القمامة في المصب، فتصدى لها أهالي عقارب، فقد رفضوا أن تكون مدينتهم مصب فضلات، خاصة أن محكمة الناحية بمعتمدية عقارب أصدرت، في يوليو/تموز 2019 إذنًا على عريضة يقضي بالتوقف الفوري عن استعمال مصب "القنة" لتجميع الفضلات نظرًا للأخطار التي يمثلها على صحة المواطنين وحقهم في التمتع ببيئة سليمة، وجاء ذلك بناءً على شكوى تقدم بها عدد من ساكني معتمدية عقارب لغلق المصب.

يذكر أن تنفيذ قرار الغلق لم يتم إلا نهاية شهر سبتمبر/أيلول الماضي، بضغط من المجتمع المدني لتجاوز طاقة استيعابه القصوى، وقد تم فتحه من جديد بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول للتخفيف من كميات النفايات المكدسة بالطرقات والشوارع وتم غلقه مجددًا.

قتيل ومصابون

رفض الأهالي الأمر بطريقة سلمية، لكن قوات الأمن كان لها موقف آخر، فقد سارعت باستخدام القوة والتنكيل بالأهالي، وأظهرت مقاطع فيديو نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تدخل الوحدات الأمنية باستعمال الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

الاستعمال المفرط للقوة تسبب في وفاة شاب أصيل المنطقة يدعى عبد الرزاق لشهب متأثرًا باستنشاق الغاز المسيل للدموع، لكن وزارة الداخلية نفت ذلك وقالت إنه توفي بسبب "طارئ صحي"، الأمر الذي كذبه أطباء مستشفى عقارب الذين أكدوا أن سبب الوفاة الاختناق بالغاز.

وأكد شهود عيان أن عبد الرزاق لشهب كان في الشارع، وأنهم شاهدوا لحظة سقوطه متأثرًا بالغاز المسيل للدموع ونقلوه للمستشفى حيث وافته المنية، وأظهرت مقاطع فيديو حالة الهيستيريا الكبيرة في صفوف أهله أمام المستشفى لحظة وفاته.

 

كما سجلت مدينة عقارب ليلة البارحة، إصابة العديد من المحتجين على قرار السلطات فتح مصب الفضلات بمنطقتهم، ووثق العديد من الأهالي وشهود العيان استعمال قوات الأمن للرش، وهو ما أصاب سكان المدينة بالهلع.

سقوط قتيل والعديد من من المصابين في عقارب من شأنه أن يشعل الوضع في المنطقة، وفق العديد من المتابعين، ويرى المحلل السياسي سعيد عطية أن الحل الأمني لن يُجدي نفعًا بل قد يؤدي لتفجر صراع ذي طابع عروشي وجهوي خطير.

 

يضيف عطية في حديثه لـ"نون بوست": "كان من الأجدى الحوار مع أهالي مدينة عقارب وتوقيع اتفاق جديد معهم ينص على إعادة فتح المصب لمدة سنة مقابل التزام الدولة ببلورة حل جذري نهائي خلال سنة، لكن يبدو أن السلطات لا تبحث عن حل يرضي الجميع".

صفاقس تتحول لمكب نفايات

في أثناء ذلك، تحولت مدينة صفاقس إلى ما يشبه مكب نفايات، حيث تجتاح أكياس القمامة وروائحها الكريهة منذ أسابيع شوارع المدينة، حتى إن الأكوام باتت ملحوظة قرب المنازل والمحلات والمستشفيات والمدارس، رغم صيحات الفزع التي أطلقها سكان ومنظمات غير حكومية.

طالب الأهالي ومنظمات المجتمع المدني في أكثر من مرة السلطات بضرورة التدخل، لكن لم يحصل شيء من ذلك، بل إن الأمر ازداد سوءًا خاصة بعد إقالة محافظة الجهة وتعطيل العمل البلدي هناك والهجمة الكبيرة التي تعرض لها.

أكثر من ثلاثة أشهر مرت على استئثار قيس سعيد بكل السلطات وتحكمه في دواليب الدولة، لكن دون أن تتقدم البلاد قيد أنملة

حمّل العديد من التونسيين، الرئيس قيس سعيد مسؤولية الوضع الذي وصلت له مدينة صفاقس، يقول سعيد عطية في هذا الشأن: "الرئيس منذ تسلمه للسلطة لم يسع لحلحلة الإشكال، بل تركه يتواصل وألمح مرات عديدة إلى أن الأمر يندرج في خانة المؤامرة من رافضي انقلاب 25 يوليو".

يضيف محدثنا "سعيد أصر على أن البلديات هي المسؤولة عن الوضع البيئي المتردي في صفاقس لتنفير الناس من العمل البلدي تمهيدًا لحل البلديات في وقت لاحق، زد على أن الرئيس ترك المدينة دون والٍ منذ أكثر من شهرين لحدود اللحظة".

"حتى زيارة وزيرة البيئة لصفاقس كانت زيارة صورية واكتفت بالاستماع للفاعلين بالجهة دون تقديم أي تصور للحل، زد على ذلك الرمزية السلبية لتكليف وزير الداخلية بحل الإشكال وهو ما تم باستعمال القوة المفرطة ضد أهالي عقارب"، وفق قول المحلل السياسي سعيد عطية.

جزء مما ينتظر التونسيين

ما يحدث في صفاقس منذ أكثر من شهر وتحولها إلى مصب نفايات والتعامل الأمني العنيف مع المحتجين ليلة أمس في مدينة عقارب رفضًا لإعادة فتح المصب بالقوة، يمثل جزءًا بسيطًا مما ينتظر التونسيين حال واصل قيس سعيد تحدي الجميع وجمع كل السلطات تحت يديه دون رقيب.

كل من يعترض قراراته ويرفض كلامه، يعتبره خائنًا للوطن عميلًا للخارج، فلا أحد على صواب في تونس إلا هو وما على الجميع إلا السمع والطاعة، حتى تنعم البلاد بالخيرات الكثيرة ويتمتع الأهالي برغد العيش الذي حرمهم منه البرلمان.

 

هكذا يتصور قيس سعيد الوضع ويصر على ترويجه للناس، وله أن يستعمل كل الأساليب لذلك، وقد رأينا تخوينه لمعارضيه والتنكيل بهم والزج ببعضهم في السجون ومحاكمتهم محاكمة عسكرية وتعطيل العمل بالدستور والهيئات الرقابية.

حتى الإعلام فرض سيطرته عليه، وأصبح هم أغلبه تمجيد القائد قيس سعيد حتى لا ينالهم غضبه أو ينالهم بعض الامتيازات التي وُعدوا بها، في حال أفلحوا في أداء مهمتهم على أحسن وجه، وهي تطويع الرأي العام وتوجيهه لما يخدم قيس سعيد وجماعته.

أكثر من ثلاثة أشهر مرت على استئثار قيس سعيد بكل السلطات وتحكمه في دواليب الدولة، لكن دون أن تتقدم البلاد قيد أنملة، بل رجعت إلى الخلف في العديد من الملفات، فهي لم تعد تلك الديمقراطية الاستثنائية في المنطقة، واقتصادها في تراجع متواصل وأمنها الاجتماعي في خطر.