يحاول الاحتلال الإسرائيلي - حكومة وجمعيات صهيونية - ومن خلال المنصات الإعلامية المختلفة الترويج للرواية الصهيونية بأحقية "إسرائيل" في الأرض الفلسطينية، و"أرهبة" المقاومة الفلسطينية الطبيعية في ظل وجود قوى استعمارية، وفي الوقت ذاته، يسعى إلى محاربة الرواية الفلسطينية وطمس التاريخ الفلسطيني الشاهد على الوجود الفلسطيني على هذه الأرض، ويوظف في سبيل ذلك كل أدواته الرقمية والسياسية والاستخباراتية.

في الأثناء، انطلقت مبادرات فلسطينية عديدة تسهم في حفظ الرواية الفلسطينية ونشرها، وتفنيد كل ادعاء إسرائيلي بحق الاحتلال بتراب فلسطين، ووسط تعدد أدوات الاحتلال وساحات قتاله، تنوعت أشكال مقاومة هذه المبادرات، منها ما عمل على حراسة الذاكرة الفلسطينية، وأخرى ساهمت في استقطاب التضامن الغربي، وبعضها عمل على توثيق الانتهاكات الإسرائيلية أو التواطؤ الغربي مع الاحتلال.

"نون بوست" يسلط الضوء في مساحة حوارية خاصة على مبادرات فلسطينية ساهمت في تأكيد القصة الفلسطينية للأحداث ومسارها، عبر ملف "حراس الرواية الفلسطينية" الذي يضم سلسلة حوارات مع هذه المبادرات المُختارة التي تنوعت مجالات عملها بين التاريخ والتوثيق والتضامن العالمي والعالم الرقمي.

اختار "نون بوست" أن يكون باكورة الملف، حوارًا مع حراس التاريخ الفلسطيني ومؤرخي الذاكرة الفلسطينية، فنأخذكم في هذه المادة في حوار شيق مع مؤسس مبادرة "الأرشيف الفلسطيني" الناشطة على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، التي وثقت بالأبيض والأسود والألوان خط الزمن الفلسطيني.

بداية.. كيف بدأت فكرة جمع الأرشيف الفلسطيني؟

كنت دومًا مهتمًا بقراءة التاريخ الفلسطيني، مع شعوري بأن الكثير من الروايات التاريخية تفتقد إلى المزيد من التوثيق فيما يتعلق بأرشفة هذه الروايات نصًا وصورة، ولذلك منذ عدة سنوات وأنا أجمع المواد المتعلقة بفلسطين والقضية، وخصوصًا ما يتعلق بأرشيف الثورة الفلسطينية - التي انطلقت عام 1965- لما فيها من تفاصيل وحكايات وقصص ملهمة لكل فلسطيني، وما زلنا نلمس آثارها حتى اليوم في أفعال المقاومة المستمرة ضد الاحتلال.

وشخصيًا كنت دومًا أبحث عن فلسطين فيما يتوافر بين يدي من أرشيف، أي كنت أحاول تعويض النقص لديّ كوني لاجئًا، لا يمكنني العودة إليها ولم تسبق لي زيارتها، ورأيت أن الطريقة الأنسب هي إنشاء صفحة باسم "الأرشيف الفلسطيني" في محاولة فردية لحفظ الذاكرة، وجمع شتات ما تيسر من أرشيف، لعلها تكون بادرة أو محركة لإنشاء جهة "مؤسسية" تعني بكل ما يتعلق بالأرشيف الفلسطيني.

في الحديث عن "مأسسة" الأرشيف الفلسطيني، ما مدى توافر الهيئات والمبادرات التي تجمع الأرشيف؟

هناك الكثير من المبادرات الفردية ومبادرات بعض المؤسسات التي تقدم جهودًا واضحةً للأرشفة والتوثيق، لكن برأيي كلها بما فيها صفحة "الأرشيف الفلسطيني" تحتاج لأن تكون أكثر تكاملًا فيما يتعلق بهذا الأرشيف، وتحديد ماهيته وتصنيفه وتوزيعه بالشكل المناسب.

ومع أنني أتمنى أن تجتمع كلها تحت مظلة واحدة، لكنني أعتقد أن تعددها مهم ومفيد لتوثيق ما يتعلق بالقضية الفلسطينية خصوصًا في العالم الافتراضي، ولا ينقصها إلا أنها بحاجة إلى مزيد من التمويل والدعم، متأملًا أن يكون هناك نوع من التنسيق والتشبيك بينها.

دعنا نتحدث عن رحلة جمع "الذاكرة الفلسطينية".. كيف تجمع الأرشيف؟

بشكل عام أعتمد في جمع الأرشيف على ما ينشر على الإنترنت، وما أجمعه من خلال التواصل واللقاءات مع شخصيات فلسطينية وعربية وأجنبية، عاصرت العديد من الأحداث وعايشت الكثير من الحكايات والقصص، بالإضافة إلى البحث في مواقع عالمية للأرشيف على ما له علاقة بالقضية، فضلًا عن مواقع إخبارية ووكالات صحفية وغيرها، بل وأحيانًا هناك الكثير من المعلومات في المدونات، وفيما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرها.

والتواصل الأهم في رحلة جمع هذا الأرشيف كان مع باحثين فلسطينيين تعرفت عليهم من خلال الصفحة، منهم على سبيل المثال، الباحث والكاتب الفلسطيني بلال شلش، وفي هذا ميزة في أن ما يقومون بالعمل عليه فيه نبش أكثر بالقصص والحكايات، بمقابل أن ما أنشره أنا على صفحتي هو التقاط أطراف الروايات أو عناوينها العريضة والعامة دون التعمق فيها كما يفعل الباحثون والأكاديميون، وبالتالي لا يمكنني الزعم أنني مختص بالأرشيف بشكل أكاديمي وممنهج، بقدر ما أن هذه الصفحة قائمة على شغف خاص بالأرشيف الفلسطيني بشكل أساسي، مصحوبًا قبل كل شيء بواجب عليّ تقديمه تجاه فلسطين، وبما جمعته من مواد في محاولة لنشر المعرفة وحتى تظل القضية حية كما يجب وحتى نحافظ على ذاكرتنا ما أمكن.

لكنني للأسف، أعجز في أحيان كثيرة عن مواكبة جميع الأحداث والمستجدات، فلا يسعفني الوقت للبحث عما يدعمها من الذاكرة، كونني لست متفرغًا بشكل شبه كامل للصفحة، كما يستغرق مني العمل على بعض مقاطع الفيديو مثلًا أحيانًا الكثير من الوقت خصوصًا إن تطلب الأمر المونتاج والاختصار أو الترجمة، في حال كانت المادة الأصلية بلغة غير عربية.

وبما أنني جمعت العديد من المواد بشكل فردي، لا بد من التوضيح وقد أوضحت - ذلك على الصفحة  - أن معظم المواد لا أملك حقوقها، وإنما أحاول جمع ما أمكن من مواد كثير منتشرة ومتفرقة، ونشرها لتعم الفائدة، وفي الوقت ذاته، أحاول دومًا الإشارة إلى المصادر، حتى بعض المواد التي أجدها دون مصادر أحاول البحث عن مصدرها، عدا عمّا يوفره ذلك من التوثيق وضمان نقل المعلومة بالشكل الصحيح.

وأود الإشارة إلى أن من الجميل أن بعض ما أنشره يدعمه بمزيد من التفاصيل متابعو الصفحة، وحتى إن كانت هناك بعض المعلومات المغلوطة يصححونها، وهذا بالطبع يسهم في التوثيق بشكل أدق.

ما المصاعب التي تمر بها المبادرة؟

الخوض في الصعوبات المتعلقة بالأرشيف الفلسطيني بشكل عام كثيرة جدًا وأشير لها بشكل سريع، وأبرزها متعلق بغياب الدعم والتمويل وعدم وجود مرجعية تتبنى تحديد ما هو الأرشيف وتعمل على جمعه وتوثيقه ونشره، وهذا لا ينفي وجود عدد من المؤسسات التي تحاول ذلك.

من جانب آخر فإن البحث عن المواد فيه الكثير من الصعوبات، إذ لتوثيق العديد من المواد يكون الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش، عدا عن أنك تجد موادًا تفتقر إلى البيانات بشأنها خصوصًا المقاطع المصورة والصور.

ما بين الصورة والنص.. كيف يسهم وجود أرشيف في تعزيز القضية الفلسطينية؟ 

الأرشيف مهم لتعزيز الرواية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الذي يحارب كل شيء في فلسطين، لذا هذا الأرشيف جزء من المعركة مع الاحتلال، وهو ما يفسر سبب اهتمام الاحتلال به عندما غزا بيروت عام 1982، حين سرق خلال الاجتياح وبعد خروج المقاومة مركز الأبحاث الفلسطينية الذي كان يصفه الشاعر الأردني أمجد ناصر بـ"عقل الثورة الفلسطينية".

ولاستكمال النص علينا أن ندعمه بالصور وبتوثيقه بكل ما يلزم، لخلق أرشيف متكامل يكون أيضًا مرجعًا لكل ما يتعلق بفلسطين وقضيتها وليدعم روايتنا في مواجهة المحتل الذي يقدم صورة حضارية لنفسه مزورًا تاريخ البلاد، بل ومن قبل النكبة.

كيف تقرؤون المخاطر التي تحيط بالأرشيف الفلسطيني؟

مع احتلال فلسطين عام 1948، لم يتوقف الاحتلال عند نهب البيوت والأراضي، وإنما سعى وراء ذاكرة الفلسطيني وما يشكل هويته، ولربما كان الأبرز خلال النكبة هو قيام الاحتلال بنهب وسرقة المكتبات الخاصة، فقد نهبت مثلاً من القدس وحدها نحو ثلاثين ألف كتاب ومخطوطة، وحوالي أربعين ألف كتاب من مناطق متفرقة من فلسطين، وكانت تحدث هذه السرقات برعاية جيش الاحتلال، وبمساعدة أمناء ما يعرف بـ "المكتبة الوطنية الإسرائيلية" بالإضافة إلى الجامعة العبرية. 

ومن المكتبات التي نُهبت محتوياتها، المكتبة الخاصة للأديب خليل السكاكيني أضف إلى ما سبق أن الكثير من نتاجات الفلسطينيين ما قبل النكبة اختفت وضاعت وتبين لاحقًا وجودها لدى عدة جهات في دولة الاحتلال، وكان الكشف الأبرز، ما كشفته الباحثة "الإسرائيلية" رونا سيلا بوجود صور وأفلام فلسطينية لا تُحصى في أرشيفات جيش الاحتلال. 

كما تمت سرقة العديد من الصور الفوتوغرافية لمصورين فلسطينيين مثل صور خليل رصاص (1926- 1974) والذي وثق العديد من صور النضال الفلسطيني والمعارك التي خاضوها ضد العصابات الصهيونية، وأيضا الصور الفوتوغرافية لكريمة عبود (1896- 1940) والتي تعد أول مصورة في فلسطين، وكانت ألبوماتها بحوزة تاجر "إسرائيلي" كان يعمل على جمع المقتنيات القديمة، قبل أن يتم نشرها في كتاب بعنوان (كريمة عبود.. رائدة التصوير النسوي في فلسطين)، والحال لا يختلف بالنسبة للسينما الفلسطينية قبل النكبة، والتي ما يزال مصير أفلامها مجهولًا حتى اليوم. 

وبعد أن كانت الخسارة الكبيرة هي فيما سرقته "إسرائيل" عام 1948، إلا أن ضربة موجعة كانت توجه للأرشيف الفلسطيني، أو ربما الأصح القول لتلك المواد التي يمكن أن تشكل لاحقا هذا الأرشيف، ولاحقًا بعد النكبة بحوالي 34 عامًا، وتحديدًا خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، إذ كان للفلسطينيين أثناء تواجدهم في لبنان العديد من الأنشطة على مستويات مختلفة من مراكز دراسات وإصدار الصحف والمجلات، بالإضافة إلى الإنتاج الإذاعي والسينمائي، لكن مع الضربات الإسرائيلية المتتالية وخروج المقاومة الفلسطينية من بيروت نهبت "إسرائيل" ما أمكنها من الأرشيف الفلسطيني، كما ضاع وتشتت الكثير منه بين العديد من الأماكن وفي دول مختلفة، وربما من أبرز ما سرقه الاحتلال هو مركز الأبحاث الفلسطينية في بيروت الغربية، والذي تأسس عام 1965 وتم استهدافه حتى بالقصف أكثر من مرة بل وبمحاولة اغتيال مديره د.أنيس صايغ، وقد تعرض المركز إل التفجير بسيارة ملغومة، ما أدى إلى استشهاد 20 شخصيا من بينهم 8 من العاملين في المركز، ليتم بعدها إغلاقه بقرار لبناني لينتقل إلى قبرص ما سبق. 

هو شيء بسيط مما تعرض للنهب، فالاحتلال لم يتوقف يوما عن سرقاته، لكن لا بد من الإشارة إلى انتقائية طمس التاريخ وتحوير التاريخ الفلسطيني، وذلك من خلال ما يتيحه الاحتلال، من مواد سرقها، وذلك باعتبار هذا التاريخ جزءًا من تاريخهم، وبتوظيف مواد الأرشيف الفلسطيني في تعزيز فكرة وجود "دولة إسرائيلية" ومثال على ذلك ما يتم السماح للجمهور باستعراضه عبر ما يسمى "المكتبة الوطنية الإسرائيلية". 

كيف ترون أنفسكم مساهمين في حفظ الرواية الفلسطينية؟

برأيي هذا من الصعب أن أجيب عنه، فتقديره لمتابعي الصفحة، عدا عن أنني أحيانًا أشعر أنه من الإجحاف أن تكون صفحتي باسم الأرشيف الفلسطيني لأن هذا الأرشيف بحاجة إلى عمل منظم ومدروس وأكبر مما أنشره، لذلك كنت أفكر بتسميتها "احكيلي عن فلسطين" لكن تركتها باسم الأرشيف لعل وعسى يُصبح لدينا نحن كفلسطينيين مركز رسمي للأرشيف تابع لمنظمة التحرير كونها - بعيدًا عن الخوض في عيوبها وغيابها - لا تزال الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وهي المرجعية التي يجب الاستناد عليها في مثل هذا الأمر.

لكنني أود الإشارة إلى أن الصفحة نشرت فيديوهات لم تكن متداولة أو لم يسبق نشرها، منها على سبيل المثال مقطع لدكتور حنا ميخائيل (الذي يقول عنه إدوارد سعيد: "كان بإمكانه الحصول على منصب أكاديمي في أمريكا لكنه تخلى عن هذا واستعاض عنه بمستقبل مجهول)، وأيضًا مقطع للشاعر الراحل حسين، كما نشرنا مقطعًا لعملية النورس - تبادل الأسرى -، بالإضافة إلى فيديوهات لعدد من الأسرى خلال محاكمتهم.

كما نحاول في الصفحة تصحيح بعض المعلومات المتداولة، واستكمال بعض القصص من خلال جمع ما يتعلق بها من أرشيف وربط هذه المواد ببعضها البعض، وأود أن أشير إلى أنني كنت فخورًا ببعض ما كتب عن الصفحة على تويتر وهو ما أعطاني دفعة للاستمرار في النشر.

في ظل وجودكم كمبادرة فقط على تويتر.. هل تعملون على حفظ المعلومات في مكان آخر، حال اتبع تويتر سياسة محاربة المحتوى الفلسطيني؟

العديد من المواد التي أنشرها على تويتر محفوظة لديّ بالأصل، والمواد التي أجدها وأنشرها أيضًا أقوم بحفظها، بل وصنفت العديد من هذه المواد، لذا في حال حذف الصفحة فالمواد موجودة.

ختامًا.. ما الطموحات المستقبلية لصفحة الأرشيف الفلسطيني؟

بالتأكيد الاستمرار في النشر، وهذه مهمة ليست سهلةً كون الصفحة لا تعتمد إلا على جهد فردي، وأطمح لاحقًا في تأسيس صفحات معنية بالأرشيف وتكون متخصصة أكثر ومصنفة بشكل أفضل على المنصات الإلكترونية، وطبعًا بأن تتحول ليس فقط لموقع إلكتروني بل إلى مكتبة لحفظ الأرشيف وأن تكون جزءًا من منظومة أرشيف وطني يحفظ تاريخ فلسطين وذاكرتنا.