يواصل قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، مساعيه للإجهاز على مكتسبات ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، البداية كانت بانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الذي أطاح فيه بالحكومة والولاة ومؤسسات الدولة، ثم تشكيل مجلس سيادة انتقالي جديد برئاسته، بعد الإطاحة بشركاء الثورة من المدنيين، ليؤكد الجنرال أن أحداث الشهر الماضي لم تكن تصحيح مسار كما كان يعزف تبريرًا لما حدث.

المرسوم الجديد الذي أصدره البرهان، بتشكيل مجلس سيادة آخر، وتعيين محمد حمدان دقلو "حميدتي" نائبًا له، إلى جانب 11 عضوًا آخر، الخميس 11 نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ، فيما لا يزال رئيس الوزراء المقال عبد الله حمدوك، قيد الإقامة الجبرية في منزله، اعتبره الشارع الثوري انقلابًا على الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس/آب 2019.

هبة شعبية دعت إليها العديد من القوى الثورية المدنية للدفاع عن مدنية الدولة والمطالبة بالعودة إلى المسار الديمقراطي، ودفع العسكر للعودة إلى ثكناتهم والتخلي عن السلطة، وسط قلق من تصاعد التوتر بين الجنرالات والمدنيين، واحتمالات الانزلاق نحو صدامات دامية تعيد البلاد إلى عصور الظلام مرة أخرى.

إكمال الانقلاب

لا يمكن قراءة خطوة البرهان الأخيرة إلا في إطار تضييق الخناق على المدنيين ووأد أي وجود سياسي لهم على الساحة، ودفن الشراكة رسميًا مع القوى الثورية، مستندًا في ذلك إلى حزمة من الأسباب والدوافع التي ساهمت بشكل أو بآخر في تراجع شعبية المدنيين بعد فشلهم في إدارة العديد من الملفات.

وسواء كان هذا الفشل بفعل فاعل أم لجهل وقلة خبرة المكون المدني إلا أن المخطط برمته كان معدًا بشكل مسبق من الجنرالات بعد ساعات قليلة من الإطاحة بنظام البشير في أبريل/نيسان 2019، حين نصب العسكر أنفسهم حماة للثورة، واستطاعوا مع مرور الوقت تكوين حاضنة سياسية لهم من المنشقين عن التحالف المدني أو القوى المقصاة من المشاركة في السلطة.

استعانة قائد الجيش بفلول نظام الإنقاذ رسالة واضحة المعالم أن الهدف هو الإجهاز على ما تبقى من مكتسبات ثورة ديسمبر/كانون الأول، فتعيين محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائبًا لرئيس المجلس الجديد، بجانب بعض الأعضاء وعلى رأسهم أبو القاسم برطم، الذي كان نائبًا في عهد البشير، وهو رجل أعمال يدير شركات تعمل في الزراعة والنقل، وكان قد دعا عام 2020 للتطبيع بين بلاده و"إسرائيل"، يأتي في هذا الإطار.

يبدو أن البرهان يسير على درب من سبقوه من الجنرالات، سواء داخل بلاده أم خارجها، فالإستراتيجية التي كان عليها البشير هي ذاتها التي يعتنقها الجنرال الجديد، حيث ازدراء صوت الشعب والتنكيل بالمعارضة والثوار، وتجاهل أي إرادة شعبية في مقابل فرض الهيمنة على كل مقدرات الدولة وعسكرة جميع كياناتها.

وتثبت التطورات ما قد ذهبنا إليه سابقًا بأن رئيس مجلس السيادة الجديد كان يهدف من وراء تصريحاته الوردية المخدرة بشأن الحفاظ على مدنية الدولة وتصحيح مسار الثورة، لتبرير قرارات ظهر 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، كسب المزيد من الوقت لتثبيت أركان انقلابه بعد تراجع حالة الزخم الإقليمي والدولي، والتعامل مع ما حدث بوصفه أمرًا واقعًا يمكن التناقش بشأن بعض تفاصيله دون الاقتراب من محوره الرئيسي وهو الانقلاب على الثورة.

قلق دولي

إصرار البرهان على الانقلاب على مكتسبات الثورة عبر تشكيل مجلس سيادي جديد، مستبعدًا منه أعضاء تحالف قوى الحرية والتغيير، اعتبرته قوى دولية انتهاكًا صارخًا للوثيقة الدستورية، معربة عن قلقها البالغ حيال هذا التطور الخطير الذي يعكس الكثير من الدلالات التي تتعارض مع تصريحات الجنرال السابقة.

في بيان مشترك لها، نشرته السفارة الأمريكية لدى السودان عبر حسابها على فيسبوك، أعربت دول "الترويكا" والاتحاد الأوروبي وسويسرا "عن القلق البالغ لما يُزعم بشأن إعلان مجلس سيادي في السودان، الذي يمثل انتهاكًا للوثيقة الدستورية"، معتبرة أن "هذا الإجراء الأحادي الطرف الذي يتخذه الجيش يقوض التزامه باحترام الإطار الانتقالي المتفق عليه (الوثيقة الدستورية)، الذي يقضي بترشيح أعضاء المجلس السيادي من جانب قوى إعلان الحرية والتغيير".

البيان أضاف أن ذلك من شأنه أن يتسبب بـ"تعقيد الجهود الرامية إلى إعادة عملية الانتقال الديمقراطي في السودان إلى مسارها، كما يعد مخالفًا لتطلعات الشعب السوداني، ولمتطلبات تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد"، داعيًا إلى تجنب أي "خطوات تصعيدية" أخرى وعودة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك والحكومة الانتقالية المدنية والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وإلغاء حالة الطوارئ لإتاحة المجال لإجراء حوار حقيقي وبنّاء.

واختتمت القوى الدولية بيانها بالتأكيد على أن "الدعم الدولي مرهون بنجاح عملية الانتقال السياسي بموجب ما نصت عليه الوثيقة الدستورية الموقعة عام 2019 بين المكونين المدني والعسكري في السودان"، كما طالب القوات الأمنية بـ"احترام حقوق المواطنين بالتعبير عن آرائهم بحرية".

في الإطار ذاته كتب مكتب فولكر بيرتس مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى السودان على "تويتر"، قائلًا: "قرار قائد الجيش السوداني (الأحادي) تعيين مجلس سيادة جديد برئاسته يصعب العودة إلى النظام الدستوري"، ما من شأنه إلقاء الضوء على العقبات المتزايدة التي تواجه من يحاولون التصدي للانقلاب العسكري الذي وقع الشهر الماضي.

هبة شعبية لدعم المدنية

زاد تحرك البرهان الأحادي من حدة الاحتقان الشعبي ضد الانقلاب وقادته، ما دفع القوى الثورية للدعوة لهبة شعبية جارفة للزود عن مدنية الدولة ودعم مسار الانتقال الديمقراطي الذي أقرته الوثيقة الدستورية، يقينًا من تلك القوى أن الإرادة الشعبية التي أسقطت نظام البشير قادرة على إسقاط الانقلاب.

وتحت عنوان "المقاومة السلمية طريق شعبنا لإسقاط الانقلابيين وتأسيس السلطة الوطنية المدنية الانتقالية الكاملة" أصدر "تجمع المهنيين السودانيين" بيانًا عبر صفحته على فيسبوك، دعا فيه إلى انطلاق مليونية اليوم السبت 13 نوفمبر/تشرين الثاني، للمطالبة بعودة العسكر إلى ثكناتهم وتخليهم عن السلطة.

البيان أشار إلى أن المجلس العسكري الذي وصفه بالمعزول داخليًا وخارجيًا "استنفد بالونات الاختبار ومحاولات الإلهاء التي أطلقها في الأيام السابقة بالحديث عن المبادرات والتفاوض، ليضيف إلى ذلك اليوم إصدار مرسوم لتعيين مجلس سيادي يسيطر عليه، نؤكد أن قرارات البرهان والمجلس الانقلابي تخصهم وحدهم، فلا شرعية لها ولن تجد من جماهير شعبنا إلا الازدراء والمقاومة الضارية حتى الإسقاط الكامل والزج بهم في مزبلة التاريخ حيث ينتمون".

وأضاف "جرائم المجلس الانقلابي وممارساته تزيد من التفاف جماهير شعبنا حول لاءاتها الثلاث المعلنة: لا تفاوض، لا مساومة، ولا شراكة، فالقوى الثورية الحية في لجان المقاومة بالأحياء والفرقان والقوى النقابية والأجسام ماضية في تشبيك جهودها ورص صفوفها في حركة مقاومة سلمية مستمرة حتى إسقاط المجلس الانقلابي وتأسيس السلطة الوطنية المدنية الانتقالية الكاملة، النابعة منها والمتمسكة بأهداف التغيير الجذري وغايات ثورة ديسمبر المجيدة".

تثبت الأحداث يومًا تلو الآخر أن الرهان على المجتمع الدولي خاسر، وأن الكلمة الأولى والأخيرة ستكون للشارع والحراك الثوري والنفس الطويل في الزود عن مكتسبات الثورة

وعليه "ندعو كل قطاعات شعبنا في كل مدن وقرى السودان للخروج والمشاركة الفاعلة في المواكب المليونية يوم السبت 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ولنجعل منها زلزالًا شعبيًا وموجةً ثوريةً تصب في مسار ديسمبر العظيم، لا تتراجع حتى إسقاط طغمة المجلس العسكري الانقلابي وانتزاع السلطة للقوى الثورية الحية لاستكمال مهام ثورة شعبنا المجيدة".

الدعوة لاقت ترحيبًا وتأييدًا من العديد من القوى الثورية والكيانات المدنية الأخرى، التي أعلنت مشاركتها في فعاليات اليوم، رغم المناوشات الأمنية والانتهاكات المستمرة التي سقط بسببها العشرات ما بين قتيل وجريح، في ظل إصرار شعبي على الاستمرار في الحراك لحين إسقاط الانقلاب.

تزامنت الدعوة مع استمرار العصيان المدني والإضراب الذي أعلنت عنه العديد من النقابات والجمعيات أبرزها الأطباء والصيادلة والصيارفة وغيرهم من المعلمين والعاملين بالنفط والطاقة، هذا بجانب تفاعل كبير من بقية أطياف الشعب التي أعلنت رفضها العودة للوراء مرة أخرى.

وتثبت الأحداث يومًا تلو الآخر أن الرهان على المجتمع الدولي خاسر، وأن الكلمة الأولى والأخيرة ستكون للشارع والحراك الثوري والنفس الطويل في الزود عن مكتسبات الثورة، لا سيما بعدما استقر في يقين الجميع أن المجتمع الدولي يتعامل مع الملف السوداني ببرغماتية بحتة، بعيدًا عن شعارات الديمقراطية الجوفاء وأنغام حقوق الإنسان التي يعزف عليها أينما كانت مصالحه وفقط.

ويتفق مع هذا الرأي الباحث في معهد "أتلانتيك" كبير الموظفين السابق للمبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان كاميرون هدسون، الذي قلل من العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان بعد الانقلاب البرهاني، لافتًا إلى ضرورة أن يكون الموقف أكثر حزمًا مما هو عليه، إن كانت هناك إرادة أمريكية حقيقية في إعادة الوضع لما كان عليه قبل 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ويؤكد هدسون في تصريحات صحفية له "فرض عقوبات أمريكية على القادة العسكريين هو الخطوة اللازمة في الوقت الحاليّ، بدلًا من العقوبات الواسعة النطاق التي تؤذي الشعب السوداني كما حصل في نظام العقوبات السابق"، معتبرًا أن موقف الولايات المتحدة يجب أن يقضي بالإصرار على عودة حمدوك إلى منصبه، "إلا في حال عاد ثم قدم استقالته أو قررت قوى الحرية والتغيير قانونيًا تغيير رئيس الوزراء، فأمريكا لا تتمسك بالشخص بل بأسلوب الاستبدال".