تواترت الأنباء مؤخرًا عن زيارة شخصيات تابعة للواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر إلى كيان الاحتلال، وذلك بتأكيد وسيلة الرحلة وخطها وراكبها، ومن خطط لها ونفذها، أيامٌ فقط قبيل مؤتمر سارعت فرنسا إلى عقده لجمع عدة دول على طاولة ليبية في باريس، كادت أن تنضم إليها "إسرائيل" لولا رفض البعض.

الخطوة التطبيعية الحفترية لم تكن مفاجئة ولا الدعم الفرنسي كذلك، بل المفاجئ أن تعلن محكمة فرجينيا وقف محاكمة المتمرد حفتر بعد ملفات تتعلق بارتكاب جرائم قدمتها جمعيات ليبية، كل ذلك في مشهد متدحرج ككرة الثلج ببلد مترامي الأطراف، ومتعدد الأطراف المتدخلة فيه، كلٌ يبحث عن موطئ قدم في مشهدية جديدة أو ربما مسرحية أكثر تراجيدية لا يرجوها أحد، وأولهم رئيس الحكومة الليبية الذي دعا أمام ممثلي ثلاثين دولة إلى الاتفاق على قاعدة دستورية متينة وإجراء انتخابات متزامنة ونزيهة أو عودة الصراع المسلح. 

فرنسا واللاعب الجديد

أرادت فرنسا بمؤتمرها الأخير عن ليبيا، إقحام لاعب جديد في الصراع الليبي بدل حله، فأدخلت "إسرائيل" لتمزيق ليبيا أكثر أو تمرير حفتر برعاية صهيونية تطبيعية تشترطها الإمارات، إلا أن رئيس الحكومة الدبيبة لم يدعها تمر، وقلب الطاولة على رؤوس الأشهاد، وللتاريخ، قال لن نقبل ولنا شروط نحن الليبيين.

البداية كانت قبيل المؤتمر الفرنسي، من خلال قرار مفاجئ لذر الرماد في العيون للواء الليبي المتمرد خليفة حفتر يتخلى فيه عن 300 مرتزق من "فاغنر" في إطار أعمال اللجنة العسكرية 5+5 المشتركة لطرفي النزاع الليبي لوضع خطة شاملة لإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية تطبيقًا لمخرجات اتفاق جنيف الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2020، ببادرة من فرنسا كما يقول بلاغ قوات حفتر، فيما يبدو أقرب إلى المناورة لغاية في نفس فرنسا.. فماذا وراء هذا القرار؟

تقدر القيادة الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم" وجود 2000 من مجندي فاغنر الروس يقاتلون في ليبيا إلى جانب قوات حفتر، إضافة إلى مرتزقة آخرين من سوريا والسودان وتشاد، بينما تتحدث أرقام أممية عن وجود 20 ألف مرتزق معظمهم يقاتلون إلى جانب قوات حفتر.

لم تتوصل اللجنة العسكرية إلى أي حل لإخراجهم من البلاد رغم احتضان مصر - الداعم القوي لحفتر والقادر على التأثير في قرارته - لاجتماعات العسكريين الليبيين من شرق البلاد وغربها، مصر التي انخرطت في محور معادٍ للحكومة الليبية المعترف بها دوليًا يضم كل من الإمارات وروسيا وفرنسا بهدف إسقاطها عسكريًا خلال عدوان حفتر على عاصمة بلاده في 2019.

لكن انتصار القوات الشرعية أعاد مطامع مصر وفرنسا في ليبيا، من أبواب إعادة الإعمار والتمثيل الدبلوماسي والانتخابات العامة، فسارعت فرنسا إلى عقد مؤتمر دولي عن ليبيا، ظاهره دعم المسار الانتخابي الليبي، وفي حقيقته لا يخفي استمرار باريس في نهجها الداعم للثورات المضادة في العالم العربي، لا بل إدخال لاعب جديد على الساحة الليبية.

إقحام فرنسا لـ"إسرائيل" على الخط الليبي للمشاركة في المؤتر الفرنسي لولا رفض الحكومة الليبية وتركيا والجزائر، يحمل في طياته مؤامرة جديدة تتزعمها دولة الإمارات للدفع ببلد عربي جديد نحو التطبيع مع الصهيونية.

لم يعد ذلك سرًا بعد أن تحدثت صحف إسرائيلية وبريطانية عن زيارة لصدام نجل حفتر إلى تل أبيب واتصالات أجراها حفتر بنفسه مع شخصيات إسرائيلية لطلب المساعدة والدعم مقابل تطبيع كامل حال فوزه بمنصب رئيس ليبيا (كما سيأتي لاحقًا بالتفصيل).

إذًا، بتدبير فرنسي أيضًا يهدف المؤتمر إلى فرض عقوبات على معرقلي الانتخابات الليبية المنتظرة في إشارة إلى الطرف الرافض لقوانين الانتخابات التي فصلها البرلمان الليبي على مقاس حفتر رغم رفض المجلس الأعلى للدولة الذي تم إقصاؤه من المشاورات الخاصة بقانون انتخابات الرئيس ونواب البرلمان المنتظر والقاعدة الدستورية التي على أساسها ستتم الانتخابات ورفض مقترح الاستفتاء على دستور جاهز أعدته لجنة خاصة.

صادق رئيس البرلمان عقيلة صالح على قانون الانتخابات بشكل منفرد رغم رفض 50 نائبًا بينهم نائب رئيس البرلمان فوزي النويري، من جهتها اعتمدت مفوضية الانتخابات الليبية إطارًا انتخابيًا يحرم رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، الذي ارتفعت أسهمه في الأوساط الشعبية، من الترشح للرئاسة عبر المادة 12 من قانون الانتخاب التي تشترط على المرشح الذي يشغل منصبًا عامًا التوقف عن العمل قبل الترشح بثلاثة أشهر.

إقصاء فرنسا للدول المساندة للشرعية من حوار باريس وتفصيل قوانين انتخابات تسمح بترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية وإقحام "إسرائيل" في رسم مستقبل ليبيا برعاية إماراتية وانفراد مصر بالإشراف على اللجنة العسكرية وملف المرتزقة، كلها عوامل لفرض انتخابات على طريقة انقلابية بعد فشل حفتر في الانقلاب منذ  2014 بقوة السلاح.

خطوة غير مفاجئة

ربما كان خبر زيارة صدام نجل حفتر إلى تل أبيب بعدما حل بمطار بن غريون غير مفاجئ، بعد تواتر الأخبار المؤكدة لذلك من مصادر عديدة، إسرائلية وغربية، كاشفة بالتفاصيل وسيلة الرحلة وهي طائرة رجال الأعمال نوع (P4-RMA) يستخدمها رجال حفتر، ووجهتها حيث حطت في تل أبيب قادمة من دبي لتقلع إلى مصر ثم تعود أدراجها إلى ليبيا.

هذه تفاصيل، ليست مجرد خبر منسوب إلى مصدر موثوق رفض كشف اسمه، لكن لا تبدو على أهميتها مفاجئة، فقد سبقتها تصريحات، من فرنسا كذلك لوزراء في حكومة الشرق الموازية وغير المعترف بها، لصحيفة "معاريف" في ديسمبر/كانون الثاني 2019 خلال أوج العدوان الحفتري على العاصمة طرابلس، إذ قال وزير الخارجية عبد الهادي الحويج إنه يتطلع إلى اليوم الذي يتم فيه تطبيع علاقات ليبيا مع الكيان.

الرغبة في التطبيع قابلها تستر كبير وصمت مطبق من جانب الموالين لحفتر، فهل أصبح التخوف من الكيان إلى هذا الحد؟ وهل أن الإقرار فيه ضرر أكثر من نفع من الناحية الشعبية؟ وهو نفس التستر عن الموضوع من سفير ليبيا السابق عارف النايض، أحد المترشحين أيضًا للانتخابات الرئاسية من إبداء رأيه في موقفه من التطبيع مع "إسرائيل"، بينما كان من المؤيدين لقطع الكهرباء والمياه عن 3 ملايين ساكن في طرابلس خلال العدوان عليها، كحل مواز مع ضربات القوات المسلحة للضغط على حكومة الوفاق حينها لتسليم العاصمة.

التعتيم بشأن وعود حفتر للتطبيع مع الاحتلال، وإن كان مقصودًا مع استباق الزمن نحو الانتخابات التي لم يعد يفصل عنها إلا شهر ونصف الشهر تقريبًا، فهو يضمر كذلك تخوفًا من ترويج نفسه للداخل، لذلك ذهب حفتر لتسويق نفسه مبكرًا للخارج، على أساس أنه الأقدر والرجل القوي، فيما تنقص الآخرين الخبرة السياسية، في دولة خارجة لتوها من حرب ولا تزال تعاني نتائجها.

مغازلة للكيان الصهيوني

أصبح حديث المترشحين عن الكيان الصهيوني موضوع الساعة في رسائل موجهة إلى الإمارات ومحور التطبيع العربي، وجلب الدعم لحفتر وأبنائه الذين أبدوا استعدادهم للتطبيع مقابل دعمهم ومساندتهم بكل الأشكال.

بل بلغ حد التواصل مع كيان الاحتلال بعد إيفاد نجل المتمرد حفتر، صدام في زيارة سرية إلى تل أبيب، لإجراء خليفة حفتر نفسه اتصالات مع الكيان بهدف التطبيع، مقابل تأكيدات بدخول ليبيا في علاقات دبلوماسية رسمية وهذا الأمر لم يعد خفيًا في جميع الدوائر الإعلامية الغربية وفق ما ذكرت صحف بريطانية.

وربما بناءً على ذلك جاء ترحيب اليهود الليبيين بخطوة حفتر التطبيعية، فقد التقف رئيس منظمة يهود ليبيا رفائيل لوزون الحديث عن التطبيع بمباركة اتصالات حفتر وزيارة نجله صدام، قائلًا إنه طالب سابقًا بإقامة علاقات دبلوماسية على غرار دول عربية أخرى.

وبعيدًا عما إذا كانت الانتخابات ستجري في موعدها، فإن التفاهمات بين أطراف حفتر مع الاحتلال، هي الرسالة التي حملها صدام، نجل حفتر من والده عند نزوله في مطار بن غريون كما أشار تقرير "هآرتس"، حال فوز حفتر بمنصب الرئاسة الليبية، فإن عرض الاعتراف الرسمي بـ"إسرائيل" مرتبط أو مشروط بتقديم العون الدبلوماسي والعسكري لوالده مقابل الاستيلاء على السلطة.

ولا شك أنه من الوارد وفق كثيرين أن التفاهمات تناولت فرص الدخول في إعادة إعمارالبلاد شرقًا وغربًا بعد دخول أطراف في نزاع على كعكة الإعمار، وهم من أقرب المقربين لكيان الاحتلال مثل مصر والإمارات وفرنسا، ولا جديد في تطوع الإمارات في تسويقه لدى الكيان، كما كشفت الصحف العبرية، لكن في المقابل، فإن ما ليس مؤكدًا أن دولة الاحتلال ليست واثقة بأن حفتر يمكن أن يوفر لها البضاعة التي تستحقها في ليبيا.

مما يفيد بأن التطبيع المجاني للكيان قد لا يفيده، مثلما حدث مع دولة تشاد التي دخلت في تطبيع معلن وتبادل زيارات بين الرئيس الراحل إدريس دبيي ورئيس وزراء الكيان السابق بنيامين نتنياهو، إذ اقتصر التطبيع على الدعم الأمني لرأس النظام التشادي في منطقة مهتزة أمنيًا، لم يجد معها التطبيع الأمني نفعًا فانتهت برصاصات في جسد الرئيس إدريس دبي.

كل هذه المحاولات لإغراء سلطة الاحتلال تارة بالتطبيع وأخرى بوعود صفقات إعمار أو عقود تجارية لن تغني شيئًا من واقع الشعوب العربية والمغاربية التي ترفض بقوة التطبيع مع الكيان خاصة أن الجارتين الجزائر وتونس ترفضان ذلك رسميًا وشعبيًا، أما الشعب المغربي فقد أسقط حزب العدالة والتنمية من القمة إلى القاع عبر صندوق الاقتراع وبإرادتهم الحرة، حتى أن الحزب خسر جل مقاعده في برلمان المغرب، لا لشيء إلا لمعاقبة قادته على توقيعهم بأيديهم على اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال، رغم أن مثل هذه القرارات تعود بالأساس إلى تقدير دار المخزن بالرباط.

كذلك معلوم أن الرئيس التونسي قيس سعيد جلب أصوات كثيرين قبل فوزه في الانتخابات الرئاسية بجملته الأخيرة في مناظرة تليفزيونية قال فيها إن التطبيع خيانة، نظرًا لإجماع الشعوب العربية عمومًا على رفض التطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني بل وتجريم ذلك.

هذه الهرولة إلى التطبيع هي سلم نحو السلطة والاستبداد، ووسيلة لقطع الطريق أمام مرشحين آخرين، فخليفة حفتر دخل منذ أشهر في تنافس غير معلن مع سيف الإسلام نجل العقيد الراحل معمر القذافي الذي ينوي أنصاره ترشيحه للانتخابات الرئاسية، لكن ما قد يدرك بالتطبيع، لا يدرك بأصوات الشعوب الحرة التي قامت بالثورة لكنس المطبعين وتحرير بلدانهم من التبعية أولًا وقبل كل شيء.

على المقاس

بعد خسارته الميدانية وفشل جميع ساعات الصفر التي حددها لضم كامل التراب الليبي إلى نفوذه بالقوة، لم يكتف حفتر بفرض قوانين انتخابية عبر ساعده رئيس البرلمان عقيلة صالح، فاعتمدها دون أي نصاب قانوني أو موافقة مجلس الدولة نظرًا لاختصاصه (نيابي استشاري) في إعداد القوانين الانتخابية كما ينص على ذلك الاتفاق السياسي الليبي، كذلك لم ينشرها في الجريدة الرسمية، ثم أحالها إلى بعثة الأمم المتحدة لمباركتها مفصلةً على مقاس حفتر، إضافة إلى تعطيله الاستفتاء على الدستور في مسعى منه للوصول إلى انتخابات محسومة النتائج قبل بدايتها.

لم يكتف حفتر بذلك بل مد يده إلى الخارج لترسيخ حظوظه، عله يحصد التأييد الخارجي من الكيان الصهيوني أو من الولايات المتحدة وهو المواطن الأمريكي بحكم جنسيته الثانية التي منحنته إياها المخابرات الأمريكية بعد فك أسره من أيدي الجيش التشادي في حرب القذافي على تشاد سنة 1987.

نقطة أخرى وضعت خصيصًا لمنع ترشح المنافس الأشرس لحفتر الذي نال شهرة كبيرة وشعبية حتى في مناطق نفوذ حفتر، هي الفقرة 12 التي تحرم رئيس الحكومة الحاليّة عبد الحميد الدبيبة من الترشح للرئاسية، إذ تبدو مفصلة لمنعه من دخول السباق، فتملي على المترشح أن يقدم من جهة عمله ما يفيد بتوقفه عن ممارسة وظيفته بشكل نهائي قبل تاريخ 24 ديسمبر/كانون الأول 2021 بثلاثة أشهر، وهذه النقطة لا تزال تثير خلافًا، فقد طالب نائب رئيس البرلمان فوزري النويري وخمسين نائبًا بمراجعة القوانين الانتخابية وعرضها على البرلمان للتصويت، كما رفضوا تدخلات رئيس مفوضية الانتخابات بتغيير القوانين أو تعديلها لأنها غير حيادية وتقوض جهود الوفاق الذي توصلت إليه الأطراف بملتقى الحوار السياسي. 

أما المسألة التي يمكن اعتبارها مفاجئة لظهورها مع وعود التطبيع مع كيان الاحتلال، فهي وقف محكمة فرجينيا محاكمة حفتر على جرائمه في حق الأسر الليبية المقدمة من التحالف الليبي الأمريكي في الولايات المتحدة، إلى ما بعد الانتخابات المقررة في ديسمبر/كانون الأول المقبل لمنح الفرصة الأخيرة لحفتر لكسب انتصار سياسي بعد الفشل الذي مني به عسكريًا، فالقضية أصبحت تستغل كورقة سياسية وليست قضية إنسانية.

فقرار الإيقاف يخدم حفتر، فإذا فاز بالانتخابات يكون قد حصل على الحصانة من الملاحقة في المحاكم الدولية، وإذا خسر الرهان الانتخابي فيبقى حفتر متمتعًا بالجنسية الأمريكية وبمنصبه في الشرق، أو ربما يعود غاضبًا ويخوض حربًا جديدةً على طرابلس، فقانون الانتخابات الذي مرره البرلمان يضمن له العودة إلى تولي رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة.