بعد أيام من إعلان بشار الأسد إلغاء منصب مفتي الجمهورية وما أثاره القرار من إثارة للجدل، خرج مساء أمس المجلس الإسلامي السوري المعارض ومقره إسطنبول ببيان أعلن فيه انتخاب الشيخ أسامة الرفاعي مفتيًا عامًا للجمهورية العربية السورية، في رد منه على قرارات النظام الأخيرة التي نقلت صلاحيات المفتي إلى ما يسمى "المجلس العلمي الفقهي"، وهو ما يعد لعبًا ومساسًا بالهوية الدينية للبلاد.

أعلن المتحدث باسم "المجلس الإسلامي السوري" مطيع البطين أن المجلس "باعتباره المرجعية الممثلة للعلم والعلماء انتخب بالإجماع الشيخ العلامة أسامة عبد الكريم الرفاعي مفتيًا عامًا للجمهورية العربية السورية"، ودعا البطين، في بيان مصور، السوريين إلى الالتفاف حول "مرجعيتهم الدينية الموحدة"، مشيرًا إلى أن الرفاعي سيلقي كلمةً جامعةً خلال أيام.

الجدير بالذكر أن المجلس الإسلامي السوري هو مؤسسة إسلامية تجمع بين العلماء والدعاة السوريين المعارضين لحكم بشار الأسد وتضم عدة روابط ولجان، ويعرف المجلس نفسه على موقعه: "مع بداية الثورة السورية المباركة تشكلت في الداخل السوري الهيئات والروابط الشرعية لتسد الفراغ الحاصل من غياب مؤسسات الدولة وانحسارها في المناطق المحررة، على صعيد آخر شهد عام 2011 مبادرات لإيجاد كيان جامع موحد من قبل العلماء والروابط التي أجبرها النظام على الاغتراب.. وعلى خطى التوحيد، اجتمع نحو 40 رابطة وهيئة شرعية في منتصف نيسان 2014، ليعلنوا تأسيس المجلس الإسلامي السوري، الذي ضم العلماء والهيئات الشرعية والروابط العلمية السورية، ليكون قرارًا مشتركًا يعبر عن إرادة موحدة لرموز المدارس الفكرية الإسلامية المعتدلة في سوريا".

أما عن هوية المجلس فهو "هيئة مرجعية شرعية وسطية سورية، تسعى إلى جمع كلمة العلماء والدعاة وممثلي الكيانات الشرعية، وتوجيه الشعب السوري، وإيجاد الحلول الشرعية لمشكلاته وقضاياه، والحفاظ على هويته ومسار ثورته"، ويهدف المجلس إلى "حشد الدعم للثورة السورية، والتعاون على ترشيدها، والحفاظ على مكتسباتها، إضافةً إلى توحيد الفتوى الشرعية في الأمور العامة وإصلاح الشأن الديني وتعزيز القواسم المشتركة وإبراز جوانب الاتفاق واحتواء الخلافات".

وتضاف إلى الأهداف أيضًا "السعي لتطبيق أحكام الشريعة، وصونها من العبث، ومناهضة الغلو والتفريط، وتوحيد الرؤى وتنسيق المواقف والجهود تجاه النوازل والقضايا الكبرى والمحافظة على وحدة الدولة السورية، وترسيخ هويتها الإسلامية".

وفي ميثاق المجلس عدة بنود لعل أهمها: "الوقوف في وجه الظلمة ونصرة المظلومين أيًا كانوا، وتأكيد ذلك بدستور راشد يحفظ العدالة والكرامة وحقوق الجميع، والرقابة الدائمة على تطبيقه، والحيلولة دون العودة إلى منهج الاستبداد والظلم لأي أحد من الشعب".

من هو الشيخ أسامة الرفاعي؟

"لو أن إنسانًا سوريًا واحدًا قُمعت حريته أوذيت حرية العشرين مليون سوري، ولو أن العشرين مليون سكتوا عن قمع حرية هذا الفرد الواحد لكانوا غنمًا ولم يكونوا بشرًا"، هذه الكلمات كانت ضمن إحدى الخطب التي ألقاها الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي على منبر مسجد "عبد الكريم الرفاعي" وسط دمشق في الجمعة الأولى بعد انطلاق الانتفاضة السورية من درعا.

انحاز الرفاعي إلى الثورة السورية منذ بدايتها وكان من الشيوخ القلائل الذين تكلموا عن ظلم النظام وطغيانه وسط دمشق، الجدير بالذكر أن مسجد عبد الكريم الرفاعي في منطقة تنظيم كفرسوسة كان قِبلة لآلاف طلاب العلم من دمشق وريفها على وجه الخصوص وسوريا بشكل عام، وكان الآلاف يحضرون خطبة الجمعة للشيخ الرفاعي.

يعتبر أسامة الرفاعي خليفة والده عبد الكريم، الذي كان من أكبر علماء المسلمين السوريين في دمشق، وقد كان عبد الكريم نواةً لجماعة ستسمى فيما بعد "جماعة زيد"، وذلك وفقًا لمسجد زيد بن ثابت الأنصاري في دمشق الذي أطلق منه الرفاعي الأب مسيرته الدعوية تحت شعار "إخلاص.. علم.. عمل"، وتفرعت عن مسجد زيد العديد من الفروع في دمشق وريفها على وجه التحديد.

عام 1944 ولد أسامة الرفاعي في دمشق التي تخرج في مدارسها، وفي عام 1971 تخرج في جامعة دمشق حاملًا شهادة اللغة العربية، كان الشيخ ملازمًا لوالده يأخذ منه العلوم الشرعية "النقلية والعقلية"، وكان الشيخ صلة وصل بين مسجد زيد وفروعه في مدن الريف الدمشقي، فكان موجهًا لهم ومتابعًا لأعمالهم، وكل ذلك كان جنبًا إلى جنب مع أخيه سارية الذي أصبح فيما بعد خطيبًا ومديرًا لمسجد زيد بن ثابت الأنصاري.

مع اشتداد الأزمات السياسية التي عاشتها سوريا بداية الثمانينيات والمجازر التي ارتكبها حافظ الأسد وأخوه رفعت، خرج أسامة من البلاد وتوجه إلى السعودية، وفي هذه الأوقات كان العمل المسجدي قد توقف في سوريا، لأن كل ما هو إسلامي أصبح محاربًا بعد الحرب مع الإخوان المسلمين.

وعبر وساطات مع نظام حافظ الأسد عاد أسامة الرفاعي إلى البلاد عام 1993 ليبدأ مسيرة جديدة، وما هي إلا سنوات حتى استطاع الأخوان أسامة وسارية الرفاعي النهوض بما كان عليه أبوهما من دعوة وإرشاد وإعادة تفعيل منظومتهم المسجدية.

الشيخ الثوري

استلم الشيخ الرفاعي الخطابة في مسجد عبد الكريم الرفاعي وسط دمشق، ومع استلام بشار الأسد للحكم في سوريا كانت جماعة زيد قد أخذت بعضًا من حرية العمل المسجدي وإرفاقه بالعمل الخيري الحركي، ويروي هنا المهندس السوري مطيع البطين الذي يشغل حاليًّا منصب المتحدث الرسمي باسم المجلس الإسلامي السوري أن: "بداية استلام بشار الأسد الحكم في سورية ذهب ليصلي الجمعة في مسجد الشيخ عبد الكريم الرفاعي حيث يخطب الشيخ أسامة، أهداني وقتها الشيخ أسامة تسجيلًا لخطبته تلك، استمعته مرارًا، وما كنتُ أظن أن عالمًا في سوريا يجرؤ أن يتكلم كما تكلم الشيخ أسامة أمام بشار الأسد، محذرًا له من غش الأمة، ومنذرًا من عقاب الله، وداعيًا إلى إصلاحٍ بصدق من غير مجاملة، تكلم ناصحًا صائنًا للعلم مؤديًا لأمانته حق أدائها، ولم تكن هذه الخطبة فريدة الخطب للشيخ، بل كانتْ خطب الشيخ أكثرها فرائد، تتناول القضايا المهمة الساخنة، وتترك أثرها البناء على رواد المسجد، وأبعد من ذلك شاغلةً حيزًا واسعًا من صناعة الثقافة الجامعة بين الأصالة والمعاصرة، مشكلةً أملًا لأبناء الأمة، مقلقةً لأجهزة أمن النظام وأعوانه".

عندما بدأت الثورة السورية كانت خطب أسامة الرفاعي لا تخلو من تحميل اللوم للنظام ومناصرة المتظاهرين، كما أن خطبته كانت عبارة عن سرد للوقائع وتوجيه للنصائح ودعوات للنظام بأن يحقن الدماء، ولطالما حمل النظام مسؤولية ما يحصل في البلاد، إلى أن جاءت ليلة القدر في رمضان عام 2011، وبعد الانتهاء من الإحياء والصلوات والذكر، بدأت مظاهرة ضخمة ضد نظام الأسد، وخلال دقائق كانت عناصر الأمن والشبيحة قد طوقت المسجد وبدأت بالاعتداء على المتظاهرين والمصلين.

اقتحم الجنود والعناصر المسجد بأحذيتهم وبدأوا بضرب من داخل المسجد وتخريب المقتنيات وتدنيس المصاحف، وعند محاولة الشيخ أسامة الرفاعي ردعهم عما يفعلوه ومحاولته تهدئة الأمور، اعتدى الشبيحة عليه وطعنوه عدة طعنات وضربوه بالهراوات، وكان ذلك اليوم مفصليًا في تاريخ الثورة، فهذه الحادثة أدت إلى أن يخرج الرفاعي من دمشق ليستقر بتركيا ويبدأ عمله المناوئ للنظام من هناك.

في تركيا

في تركيا عمل الرفاعي على حشد الجهود لإغاثة الشعب السوري وإرسال الدعم إلى الداخل السوري المحتل، وكذا كان يدعم بعض فصائل الجيش الحر منها "الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام" التي كانت تعمل في منطقة الغوطة الشرقية وقسم صغير كان يرابط في الغوطة الغربية.

في منتصف أبريل/نيسان 2014 اجتمع دعاة وعلماء وفقهاء من سوريا وأسسوا كيان المجلس الإسلامي السوري ليصبح أسامة الرفاعي رئيسًا له حتى يومنا هذا، وأخيرًا انتخب المجلس الرفاعي مفتيًا لسوريا ردًا على قرار رئيس النظام السوري بشار الأسد القاضي بإلغاء منصب مفتي الجمهورية.

رحب الكثير من السوريين المعارضين بخبر انتخاب أسامة الرفاعي مفتيًا لسوريا، كما رحبت بعض الكيانات والفصائل العسكرية بهذا الخبر، وفي السياق قال الصحفي السوري غسان ياسين في تغريدة له على تويتر: "تعيين مفتي باسم الجمهورية العربية السورية من قبل المجلس الإسلامي السوري خطوة ممتازة ومطلوبة على طريق استعادة سوريا من أيادي تنظيم الدولة البراميلية وحلفائه من الميلشيات الشيعية وروسيا، مبارك لسماحة المفتي الشيخ أسامة الرفاعي ومبارك لنا جميعًا".

بدوره قال الباحث والمحلل عبد الوهاب عاصي: "انتخاب الشيخ أسامة الرفاعي مفتيًا لسوريا خطوة مهمة وانتهاز تاريخي لكسر احتكار النظام المجرم لهذا المنصب بعدما تخلى عنه لصالح المجلس العلمي الفقهي الذي تأسس عام 2018، والذي يبدو مشابهًا لتجربة "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" في لبنان الذي أسسه موسى الصدر بين عامي 1967 و1969".

وقال أبو أحمد نور القائد في الجيش الوطني: "نثمِن الخطوة المباركة التي قام بها المجلس الإسلامي السوري بإعادة الحقِ إلى أهله ونبارك للشعب السوري انتخاب شيخنا العلامة الفقيه أسامة عبد الكريم الرفاعي حفظه الله بإجماع أهل العلم والفضل مفتيًا عامًا للجمهورية العربية السورية".

الصحفي السوري ضياء عودة غرد قائلًا: "​​16 عامًا لم يكن لمنصب "المفتي" في سوريا أي اعتبار. الشيخ والعلامة أسامة الرفاعي باسمه ومكانته يستعيد لنا الرمزية والمكانة ولو بالصورة العامة".

من جهته أثنى الباحث والكاتب محمد خير موسى على خطوة انتخاب الرفاعي مفتيًا للبلاد وأعطى عدة تعليقات بشأن ذلك منها "التقاط المجلس الإسلامي السوري الفرصة لملء الفراغ الذي أحدثه النظام بإلغاء منصب الإفتاء العام خطوة ممتازة وفي وقتها الصحيح وتم بالسرعة المناسبة".

وأشار موسى إلى أن "هذا أول منصب تُحدثه المعارضة السورية يكون عنوانه سوريا كلها، فما تم انتخابه اليوم هو المفتي العام للجمهورية العربية السورية وليس مفتي الثورة السورية أو مفتي المعارضة، وهذه نقطة لها أهميتها ومسؤوليتها معًا".

يرى موسى أن "ترسيخ فكرة الانتخاب في اختيار المفتي خطوة جيدة أيضًا لترسيخ معنى المرجعية المستقلة عن التحكم السياسي في الفتوى"، ويتساءل عن ماهية الخطوة المقبلة، مشيرًا إلى أن "انتخاب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتيًا عامًا لسوريا يحمله مسؤولية كبيرة وهو يحمل مؤهلات النجاح فيها بما يملكه من كاريزما وعلم ورمزية وتاريخ علمي عريق".

وفي نصائحه قال موسى: "مما يقتضيه كون المفتي المنتخب هو لسوريا كلها، أن يكون خطابه لعموم الشعب السوري من التوجهات كافة من الثوريين والمعارضين والرماديين والصامتين والموالين، ومخاطبًا لكل أطياف المجتمع السوري من عرقيات وطوائف ومذاهب بوصفهم مواطنين سوريين، أي تعزيز الخطاب الشرعي الوطني، ومن الضرورة بمكان أن يكون للمفتي العام للجمهورية السورية مستشارين التخصصات السياسية والإعلامية حتى تكون المخرجات الإعلامية أكثر فاعلية وتأثيرًا".