تسير الأمور في السودان نحو تهدئة نسبية مؤقتة، في أعقاب ما أعلنته المبادرة الوطنية الجامعة بشأن موافقة المكون العسكري وعبد الله حمدوك على عودته مرة أخرى لتولي رئاسة الحكومة خلال الفترة الانتقالية، في خضم اتفاق شمل العديد من البنود أبرزها إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، واستكمال المشاورات مع القوى السياسية باستثناء حزب المؤتمر الوطني.

المبادرة التي تتكون من قوى وأحزاب سياسية مختلفة وحركات مسلحة موقعة على اتفاق جوبا للسلام وطرق صوفية ومن الإدارة الأهلية، أوضحت في بيان لها أن الاتفاق المزمع إعلانه خلال ساعات يتضمن الاستمرار في إجراءات التوافق الدستوري والقانوني والسياسي الذي يحكم الفترة الانتقالية.

تتزامن تلك الخطوة مع دعوات القوى الثورية للمشاركة في مواكب احتجاجية اليوم الأحد 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 تحت مسمى مليونية "زلزال الشعب"، ترفع شعارات عدم التفاوض مع العسكر قبل تسليم السلطة للمدنيين، وإعادة المسار الديمقراطي ومحاكمة المتورطين في الانقلاب العسكري الأخير.

الاتفاق المبهم الذي توصل إليه العسكر مع حمدوك وفق ما ذكرت بعض المصادر، بوساطة إقليمية، أثار الكثير من التساؤلات عما يحمله من مفاجآت لا سيما في ظل التسريبات التي تذهب إلى استبعاد عناصر تحالف قوى الحرية والتغيير من التشكيل الجديد الذي من المتوقع أن يكتفي بحكومة تكنوقراط لا حزبية.

سياق الاتفاق

منذ الانقلاب العسكري مكتمل الأركان الذي قاده قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ولا تخلو ميادين السودان وشوارعه من فعاليات احتجاجية شبه يومية، تتصاعد حد المليونيات مرة كل أسبوع على الأقل، وهو ما عكس إرادة شعبية واضحة على رفض ما حدث.

الأمور تفاقمت مع دخول البلاد حالة إضراب وعصيان شبه تام، حين أعلنت معظم النقابات العمالية والهيئات والكيانات الفنية والمهنية دخولها في إضراب تلو الآخر، بالتزامن مع اعتصامات لبعض الجهات، وهو ما أصاب الشارع السوداني بالشلل، الأمر الذي زاد معه حدة الاحتقان إزاء قرارات البرهان الأخيرة.

مارس العسكر منذ انقلابهم كل أنواع الضغوط الممكنة، مغازلات وتهديد، ترهيب وترغيب، سعوا من خلالها إلى إحداث حالة من الانقسام في الصف الثوري المدني

إصرار الشارع على اختيار المدنية طريقًا وحيدًا لا يمكن التراجع عنه، رافضًا لموجات الضغط المستمرة، قوبل بدعم إقليمي ودولي، دفع العديد من القوى للدخول على خط الأزمة لئلا تتفاقم الأوضاع وتصل إلى طريق مسدود يكون له ارتدادته السلبية مستقبلًا.. كل هذا كان يصب في مصلحة الثوار وحراكهم.

الرهان على عنصر الزمن لم يسعف الجنرالات لتمرير انقلابهم، إذ كان واضحًا منذ البداية إجادة الثوار لسياسة النفس الطويل في التعاطي مع مطالبهم الديمقراطية، وهو ما كان عاملًا مؤثرًا في تقييم العسكر لتبعات ما أقدموا عليه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وأمام تلك الوضعية الثورية المتفجرة والحراك الذي لا يهدأ، أيقن الجنرالات أن المضي قدمًا في هذا الطريق على ذات النحو سيقود البلاد إلى آتون من الاحتراب الأهلي، بدأت إرهاصاته قبل يومين مع حصار منطقتي الشعبية والمزاد بمدينة بحري، الذي تم الانسحاب منهما قبل ساعات قليلة إثر تصاعد الاحتجاجات.

فشل نموذج العصا والجزرة

مارس العسكر منذ انقلابهم كل أنواع الضغوط الممكنة، مغازلات وتهديد، ترهيب وترغيب، سعوا من خلالها إلى إحداث حالة من الانقسام في الصف الثوري المدني، فكان استمالة بعض الفصائل والقوى والجماعات المسلحة على أمل تكوين حاضنة سياسية في مواجهة التحالف المدني.

وفي المقابل كانت الانتهاكات بحق الثوار، اعتقالات وحبس وقتل وتنكيل، تهديدات مستمرة، تحرشات ببعض المواطنين والقوى وزعماء بعض الأحزاب، وصل الأمر إلى حصار الشعبية واقتحام منازل سكانها وتحطيم أثاثها وتشريدهم في الشوارع، وفق ما ذكر بيان صادر عن "تجمع المهنيين السودانيين".

وبعد مرور أكثر من 25 يومًا على الانقلاب يبدو أن سياسة "العصا والجزرة" التي يتبعها البرهان فشلت فشلًا ذريعًا، وسط تحذيرات وانتقادات دولية وإقليمية للحيلولة دون خروج الوضع عن الإطار الآمن بما يهدد مصالح القوى الكبرى، فكان لا بد من الرضوخ والعودة خطوة للوراء.. وعليه كان هذا الاتفاق.

الكرة الآن باتت بكامل استدارتها في ملعب الشعب السوداني الذي أيقن أن الكلمة الأولى والأخيرة للشارع، وأن العسكر مهما كانت قوتهم فإنها لن تصمد كثيرًا أمام صخرة الثوار وصرختهم

اتفاق أم تسوية مؤقتة؟

تجدر الإشارة بداية أن ما تم الاتفاق عليه ليس إلا "تسوية مؤقتة" لتبريد الأجواء الساخنة، وهو ما يمكن استشرافه من خلال الغموض الذي يخيم على الاتفاق، فلا تفاصيل معلنة إلا أن حمدوك ربما يأتي رئيسًا للوزراء، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن رئيس الوزراء المقال ربما يرفض تلك التسوية إذا استشعر فيها سحب لكل صلاحياته والاستعانة به كـ"اسم فقط" لإرضاء المجتمع الغربي.

قبول العسكر بتلك المبادرة جاء بوساطة إقليمية ودولية، وفق ما أوردته بعض التسريبات التي كشفت عن زيارة وفد مصري لحمدوك في منزله، بعد اتصالات مكثفة بين القاهرة ومسؤولين عسكريين سودانيين، سبقتها مشاورات مع واشنطن وبعض العواصم الخليجية لإثناء البرهان عن المضي قدمًا في عسكرة نظام الحكم في بلاده.

لا توجد معلومات كافية عن التشكيل المزمع للحكومة الجديدة المؤقتة، وإن كانت بعض الأنباء ترجح أن تكون من التكنوقراط غير الحزبيين، وهو ما يعني الإطاحة بعناصر قوى التحالف والتغيير، الأمر الذي ربما يزيد من توتير الأجواء خاصة مع رفض القوى الثورية لهذا الحل.

"التجمع الاتحادي"، الشريك الرئيس في حكومة حمدوك المنحلة، يرى أن التوصل إلى أي اتفاق مع العسكر لا علاقة له بالواقع النضالي لجماهير الشعب السوداني، مؤكدًا خلال بيان له أن موقفه ينحاز لموقف الشارع وتصعيد النضال ضد المجلس الذي وصفه بـ"الانقلابي" حتى يسلم السلطة لحكومة مدنية خالصة.

الرأي ذاته أكده المجلس المركزي لتحالف قوى "إعلان الحرية والتغيير" الذي أوضح أنه غير معني بأي اتفاق يفضي إلى عودة حمدوك لتشكيل حكومة جديدة، منوهًا في بيان له أن "لا تفاوض ولا شراكة ولا شرعية للانقلابيين"، مطالبًا بتقديم قادة الانقلاب وفلول النظام البائد إلى المحاكمات الفورية.

الشارع.. كلمة السر

قبول العسكر بهذا الاتفاق، أيًا كان مسماه، مبادرة أو تسوية مؤقتة أو خريطة طريق، اعتراف ضمني بالهزيمة، حتى إن كان خدعة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، كونه يحمل شهادة واضحة على نجاح الشارع في إحداث الفارق وعرقلة الجنرالات عن تنفيذ مخطط الاستئثار بالسلطة بشكل كامل.

الرهان على وعي الشارع السوداني كان محل شك لدى كثير من المراقبين، خاصة بعد نجاح العسكر في إحداث الوقيعة وبث الفتنة بين القوى المشكلة للمكون المدني، ما سهل له القيام بانقلابه، غير أن الأيام التالية لما جرى ظهر 25 أكتوبر/تشرين كشف أن الشعب السوداني يعي جيدًا ماذا يريد، مستفيدًا من التجارب الإقليمية التي عاشت نفس الأجواء تقريبًا.

المتابع لتطورات المشهد في السودان خلال الأيام الماضية يلاحظ أن هناك علاقة طردية بين الحراك الثوري والتنكيل العسكري، فمع كل انتهاك جنرالي يقابل بتصعيد ثوري، فبينما كان الجنرالات يضيقون الخناق على السودانيين عبر أدوات القمع والاعتقال والقتل والتهديد، كان الثوار يزدادون إصرارًا وتحديًا، وهو ما تكشفه الأعداد المتصاعدة المشاركة في كل مليونية على حدة.

لا يثق الشارع السوداني كثيرًا في المكون العسكري، الذي أكد بداية الأمر عقب الإطاحة بنظام البشير في أبريل/نيسان 2019 أنه لا يطمع في الحكم، وأن وجوده لضمان الانتقال المدني الديمقراطي للسلطة، ثم سرعان ما تحول الوضع ليكشف عن وجهه الحقيقي ومساعيه للاستئثار بالسلطة وإحياء نظام الإنقاذ مرة أخرى بأدوات مغايرة.

ومن ثم فإن الاتفاق الذي تم إعلانه رغم ما يحمله من اعتراف بالهزيمة وإقرار بنصر الثوار فإنه لم يكن مطمئنًا للشارع بالصورة الكافية، وعليه كان الاستمرار في الحراك والفعاليات والمليونيات، واحدة تلو الأخرى، لإثناء العسكر عن عودتهم لثكناتهم ومحاكمة المتورطين في الانقلاب.

الكرة الآن باتت بكامل استدارتها في ملعب الشعب السوداني الذي أيقن أن الكلمة الأولى والأخيرة للشارع، وأن العسكر مهما كانت قوتهم فإنها لن تصمد كثيرًا أمام صخرة الثوار وصرختهم، لتبقى الأيام القادمة هي التحدي الأكبر فيما يتعلق بقدرتهم على الصمود والاستمرار والالتزام بسياسة النفس الطويل وعدم الانجرار نحو مستنقع العنف.