حلً سلطان عمان، هيثم بن طارق، ضيفًا على أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على هامش زيارته للعاصمة القطرية الدوحة والتي من المقرر أن تستغرق يومين، عقدا خلالها جلسة مباحثات أولية لمناقشة العديد من الملفات المشتركة وبحثا سبل تعزيز التعاون في مختلف المجالات، في إطار العلاقات المثمرة والناجحة التي تشهدها البلدين خلال الأونة الأخيرة.

اختيار قطر لتكون الوجهة الثانية لسلطان عمان منذ توليه السلطة في يناير/كانون الثاني 2020، بعد زيارته الأولى للسعودية في يوليو/تمًوز الماضي، تعكس حجم ما تمثله العلاقات بين البلدين من أهمية ومكانة كبيرة لدى السلطات العمانية التي لم تدخر جهدًا لتعزيزها بين الحين والآخر على كافة المسارات.

وتعد العلاقات القطرية العمانية نموذجًا فريدًا، كونها واحدة من أقوى العلاقات الاستراتيجية بين بلدين في الشرق الأوسط، يتماشى ذلك مع السياسة الخارجية للبلدين والتي تضع التعاون مع المحيط الخليجي والعربي في صدارة أولويات دبلوماسيتهما.

نموذج فريد من نوعه

تستمد العلاقات بين قطر والسلطنة جذورها الأخوية من روابط التاريخ والجغرافيا التي تربط بين البلدين والشعبين، جعلت منهما شعبًا واحدًا في دولتين تفصلهما حدود جغرافية نظرية لا حضور لها اجتماعيًا وثقافيًا، وتعود تلك العلاقات إلى عام 1973 حين استقلت دولة قطر التي أصدرت مرسومها الأميري رقم (2) بتعيين أول سفير لها لدى السلطنة، في حين قدم أول سفير لسلطنة عمان أوراق اعتماده إلى أمير دولة قطر في عام 1974.

ومنذ ذلك الحين والعلاقات بينهما تشهد موجات مستمرة من التناغم والاندماج، تعزز بامتداد التداخل القبلي والمصاهرة والأخوّة، هذا بجانب التنسيق بين الدولتين في كل المجالات والتقارب في وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية، ما جعلهما نموذجا استثنائيًا في خارطة العلاقات الإقليمية التي تشهد تموجات من التغييرات والانقلابات أحيانًا.

وتعكس زيارة سلطان عمان أهمية كبيرة في أذهان السلطنة لتعميق العلاقات مع الدوحة، حسبما أشار سفير قطر لدى مسقط الشيخ جاسم بن عبد الرحمن آل ثاني الذي أوضح أن الزيارة تحمل دلالة لمتانة العلاقات الثنائية في مختلف الصُّعد، منوهًا في تصريحات لـ "الجزيرة" أنها ستعمل على تأسيس مرحلة ترضي طموحات الشعبين وستحمل في طيّاتها العديد من الرؤى والمشاريع التي ستسهم في تعزيز وتطوير العلاقات سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.

سجل التبادل التجاري بين قطر وعمان قفزة كبيرة في السنوات الأخيرة، مسجلًا نموًا بنسبة 240% خلال عامين

وأضاف أن العلاقات بين البلدين ذات أطر خاصة تدعمها جذور عميقة من صلات النسب والمصاهرة، تعززها تقاربات اقتصادية وتفاهمات سياسية ضاربة في عمق التاريخ، مرتكزة على بعض الثوابت الثقافية، كما لفت إلى أن الزيارة سيكون لها انعكاساتها على المستقبل الذي ينتظر تطوير العلاقات الثنائية على كافة الأصعدة والأوجه ولتأسيس مرحلة تعمل على إرضاء طموحات الشعبين.

أما نجيب بن يحيى البلوشي، سفير السلطنة لدى الدوحة، فيصف العلاقات بين بلاده وقطر بأنها علاقات أخوية قوية ومتجذرة عبر التاريخ والقائمة على الثقة والتعاون والاحترام المتبادل، لافتًا أنها تعد مثالاً يحتذى به، ونموذج في الاستمرارية والثبات بنفس الوتيرة الأخوية مع مواصلة التطلعات نحو مزيد من التعاون والتوسع في مختلف المجالات تحقيقاً لرؤى القيادتين الحكيمتين للبلدين.

وبعيدًا عن موجات المد والجذر التي كانت تنتاب العلاقات القطرية الخليجية خلال الأعوام الماضية، اتسمت العلاقات مع مسقط بخصوصية مغايرة، منتشية بالثبات والاستقرار، ويعود ذلك لما تتبناه السلطنة من دبلوماسية حكيمة إزاء العديد من الملفات والقضايا، وتميل إلى سياسة الحياد وعدم الانخراط إلى طرفي النزاع في أي مسائل عالقة في المنطقة.

ولعل الأزمة الخليجية كانت مرحلة فاصلة في تاريخ العلاقات بين البلدين، حيث رفضت مسقط الانجرار خلف دول الحصار، وبينما كانت تلك الدول الرباعية (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) تعلن القطيعة السياسية والاقتصادية مع الدوحة، فتح العمانيون أسواقهم ومساراتهم المختلفة لدعم أشقائهم القطريين، بخلاف الدور السياسي للسلطنة في إنهاء الخلاف والوصول إلى خطوة المصالحة التي تمت في قمة العلا بالسعودية مطلع العام الجاري.

ومما جعل تلك العلاقة أكثر قوة ذلك التناغم والتقارب في وجهات النظر حيال الكثير من الملفات، أبرزها الملف اليمني والخليجي والإيراني، مع تأكيد كلا البلدين على خصوصية كل منهما، واحترام السيادة والاستقلالية، وهو ما جنبهما الولوج في أي من مستنقعات الخلاف الذي وقعت فيه دول أخرى مجاورة.

علاقات اقتصادية متميزة

العلاقات المتميزة على المستوى السياسي والتاريخي والاجتماعي كانت لها انعكاساتها على البعد الاقتصادي، حيث تتميز العلاقات الاقتصادية بين البلدين بتصاعد كبير، وهو ما توثقه الأرقام الرسمية، إذ سجل التبادل التجاري بينهما قفزة كبيرة في السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من ملياري ريال خلال العام 2016، إلى 3.8 مليار ريال في 2017، قبل أن يصل إلى أكثر من 6.8 مليار ريال خلال العام الماضي، مسجلا نموا بنسبة 240% خلال عامين.

وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 350 شركة عمانية تعمل في قطر في العديد من القطاعات المتنوعة أبرزها الطاقة والصناعة، فيما تتوزع الاستثمارات القطرية على أكثر من 300 شركة عمانية في قطاعات مختلفة، فيما هناك قرابة 513 شركة عمانية قطرية مشتركة تعمل في كلا البلدين،  بحسب رئيس غرفة قطر، الشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني.

يذكر أنه في الأشهر الأولى للحصار زار وفد كبير يضم قرابة 120 رجل أعمال قطري السلطنة، وهي الزيارة التي كان لها صداها الكبير في تعزيز العلاقات والشراكة بينهما، الأمر الذي انعكس على المزاج الشعبي القطري الذي ثمًن هذا الموقف النبيل،  في الوقت الذي كانت معظم حدود قطر وأجوائها البرية والبحرية مغلقة بأمر من دول الحصار.

حالة الاحتفاء الإعلامي التي قوبلت بها تلك الزيارة التاريخية للسلطان هيثم، سواء من الجانب القطري أو العماني، تؤكد أن القمة المنتظرة بين زعيمي البلدين ستكون منعطفًا جديدًا في تاريخ العلاقات بينهما

ومنذ عام 2017 وحتى اليوم تشهد العلاقات الاقتصادية بين البلدين قفزات هائلة، ونموًا لافتًا في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والمواصلات والاتصالات والطاقة والسياحة والتعليم والانشاءات والخدمات المصرفية، هذا بجانب استثمارات القطاع الخاص والتي سجلت تطورًا غير مسبوق بلغت قرابة مليوني ريال قطري.

الكاتب والإعلامي القطري جابر الحرمي، في تصريحات له، تعليقا على تلك الزيارة، يشير إلى أن كلا البلدين يؤمنان بالحوار سبيلا لحل الأزمات، مستشهدًا بالملف اليمني والنووي الإيراني، فيما أعربت مساعدة وزير الخارجية القطري لولوة الخاطر عن تثمين بلادها للدور البنّاء الذي تضطلع به السلطنة في المنطقة لما فيه من الحكمة وخلق نوع من الاتزان الإقليمي.

وفي النهاية.. فإن حالة الاحتفاء الإعلامي التي قوبلت بها تلك الزيارة التاريخية للسلطان هيثم، سواء من الجانب القطري أو العماني، تؤكد أن القمة المنتظرة بين زعيمي البلدين ستكون منعطفًا جديدًا في تاريخ العلاقات بينهما، حيث بحث كل ما من شأنه توطيدها وفتح آفاق التعاون بما يتناسب مع طبيعة وقوة تلك العلاقات الاستثنائية بين الشقيقين.