نشرت صحيفة "التلغراف" البريطانية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2020 تحقيقًا مطولا عن مرشحي رئاسة المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، وكان على رأسهم المرشح الإماراتي، اللواء أحمد ناصر الريسي، الذي أفُردت له مساحة كبيرة نسبيًا، وفي نهاية التحقيق حذرت الصحيفة من فقدان المنظمة مصداقيتها إذا ما تم انتخابه رئيسًا.

ورغم التحذيرات التي أطلقتها وسائل إعلام وعشرات المنظمات الحقوقية من ترشيح الريسي المتهم بالإشراف على التعذيب وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، فوجئ الجميع بتغريدة نشرها الإنتربول على حسابه الرسمي على تويتر، الخميس 25 أكتوبر/تشرين الأول، تعلن انتخاب المرشح الإماراتي رئيسًا للمنظمة لأربع سنوات قادمة.

 ويأتي اختيار الريسي - رغم علامات الاستفهام المحاطة به -  لرئاسة المنظمة الدولية تتويجًا لجهود دبلوماسية وضغوط مادية قامت بها الإمارات لتصعيد مرشحها على رأس هذا الكيان الشرطي العالمي، ما أثار الكثير من المخاوف بشأن احتمالية استغلال هذا المنصب لتبييض وجه الدولة الخليجية دوليًا بجانب إساءة استخدامه للانتقام من المعارضة والنشطاء، الأمر الذي يضع سمعة المنظمة على المحك ويشكك في نزاهتها وحيادتها بحسب ميثاقها العام.

يذكر أن الإنتربول منظمة حكومة دولية تضم 194 دولة كأعضاء، وتهدف إلى مساعدة وتبادل المعلومات والتنسيق بين أجهزة الشرطة في الدول الأعضاء، بما يمهد الطريق نحو القبض على الهاربين من العدالة ومساعدة الضحايا في الكشف عن المجرمين والقتلى والقبض عليهم وتسليمهم للقضاء في بلادهم.

مخاوف من استغلال المنصب

تصاعدت مخاوف الكثير من الحقوقيين، قبل وعقب الإعلان عن اختيار الريسي رئيسًا للمنظمة، بشأن الاستغلال السيئ لتلك المكانة الدولية، في تصفية الحسابات الشخصية والانتقام من المعارضة والنشطاء وكل من يغرد خارج السرب الإماراتي، خاصة وأن هناك سوابق عدة في هذا الشأن.

ويواجه سجل الإمارات في تعاملها مع الإنتربول انتقادات مثيرة للجدل، أبرزها استخدام إشعارات المنظمة الحمراء لاستهداف الأفراد على الشيكات المرتجعة، ورغم أن هذا الأسلوب شائع في العديد من دول الخليج، إلا أن النشاط الإماراتي أكثر كثافة، الأمر الذي قد يجعل الإنتربول شكلاً من وكالةٍ لتحصيل الديون الدولية، بحسب المنتقدين لرئاسة مسؤول إمارتي تلك المنظمة.

تلك المخاوف عبًر عنها عضو البرلمان الألماني عن حزب الخضر، كاي غيرينغ، حين أشار إلى أن "دولة قمعية تنتهك حقوق الإنسان الأساسية ومبادئ سيادة القانون بهذا الشكل لا يجب أن يُسمح لها بامتلاك نفوذ في أهم منظمة للشرطة في العالم".

وحذر البرلماني الألماني من الاستخدام المحتمل لأوامر الاعتقال الدولية، المسماة "الإشعارات الحمراء"، من قبل أجهزة الأمن الإماراتية، والتي تمكنها من استهداف واعتقال معارضيها السياسيين، لا سيما وأنها تعتقل بالفعل عددًا من النشطاء الحقوقيين البارزين من بينهم الناشط والمدون أحمد منصور، الذي يقبع في السجون الإماراتية منذ سنوات.

وتبذل الدولة الخليجية جهودًا حثيثة للتوغل داخل الكيانات والمنظمات الدولية لتحقيق هدفين رئيسيين، الأول يتعبق بتبييض سمعتها المشوهة حقوقيًا، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، والثاني لضمان عدم استهدافها قضائيًا أو سياسيًا من قبل تلك المنظمات التي تخترقها عبر نفوذها المالي والسياسي.

منصب شرفي

تجدر الإشارة إلى أن منصب "رئيس الإنتربول" منصب شرفي في المقام الأول، فرئيس المنظمة الذي يعين لأربع سنوات يتولى مهامه بدوام جزئي وبأسلوب تطوعي غير مكلف بأجندة أو خطة عمل محددة، ولديه دور فخري بشكل خاص، وقد تولى هذا المنصب منذ عام 2018 الكوري الجنوبي كيم جونغ يانغ الذي انتخب بعد اعتقال سلفه الصيني منغ هونغوي في نهاية 2018 في بلاده.

وعن مخاوف استغلال هذا المنصب لتحقيق مصالح سياسية تخدم الأنظمة الديكتاتورية، أوضحت الحكومة الألمانية على لسان المتحدث وزارة الخارجية الألمانية، أندريا ساسي، أن الريسي شأنه شأن جميع المسؤولين في هيئة إنفاذ القانون الدولية ويجب أن يتصرف وفقًا لسيادة القانون، موضحة أن أعضاء المنظمة جميعهم "مطالبون بالالتزام بالقيم الأساسية للمنظمة، مثل مبادئ الحياد والعمل وفقًا لسيادة القانون، على سبيل المثال. تلك المبادئ المنصوص عليها في دستور الإنتربول".

وعن صلاحيات رئيس الإنتربول، قللت المتحدثة باسم الخارجية الألمانية من أهمية هذا المنصب، قائلة إنه سيضطلع بصفته رئيسًا ورئيًسا للجنة التنفيذية بـ"واجبات تمثيلية"، مؤكدة على أن القيادة التنفيذية للإنتربول ستظل مع أمينها العام، المسؤول الألماني، يورغين شتوك، الذي سيظل في منصبه حتى عام 2024.

 

"إنه مسؤول عن التعذيب. كيف يمكن لشخص مثله أن يمثل أبرز منظمة شرطية في العالم؟ إنه أمر سخيف!".. الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز

المال.. بوابة الإمارات نحو النفوذ

سعت الإمارات خلال السنوات الأخيرة لتعزيز نفوذها داخل المنظمة عبر السخاء المادي والدعم المالي غير المسبوق، حتى باتت أكثر الدول الأعضاء من حيث حجم التبرعات للإنتربول، ففي عام 2017 قدمت الدولة الخليجية مساهمة قدرها 50 مليون يورو لدعم حزمة من مشروعات المنظمة التي تهدف إلى مكافحة الجريمة العالمية.

هذا الدعم المقدم سمح لأبو ظبي بالإشراف على المشروعات التي تمولها، ففي 18 مارس/ آذار 2017 نشر موقع "24" الإماراتي، خبرًا تحت عنوان "سيف بن زايد يطلع على برامج الإنتربول الممولة من الإمارات" وبداخله صورة تجمع بين وزير الداخلية الإماراتي والأمين العام الحالي للمنظمة، الألماني يورغن شتوك.

وفي العام التالي وبالتحديد في 18 نوفمبر/تشرين الثاني استضافت دبي الدورة 87 للجمعية العامة للإنتربول، حينها أعرب الأمين العام عن سعادته لاستضافة الإمارات للدورة، معربًا عن شكره للسلطات الإماراتية، متعهدًا بتعزيز التعاون بين البلد النفطي والمنظمة العالمية.

والأعوام الماضية عززت أبو ظبي من حضورها عبر تمويلها ورعايتها للعديد من الفعاليات والأنشطة التي تقوم بها المنظمة في أكثر من مكان، الأمر الذي ساعد على تدشين علاقة قوية بين شتوك ومسؤولين إماراتيين على رأسهم المفتش العام بوزارة الداخلية، أحمد ناصر الريسي، وكان ذلك إيذانا بدور جديد للرجل داخل المنظمة.

أحمد منصور

الريسي.. سجل حقوقي مشين

في رصيد رئيس الإنتربول الجديد سجل حقوقي مشين، إذ يواجه تهم التعذيب المباشر والتنكيل بالمعتقلين، وهو ما دفع الكثير من المسؤوليين الأوروبيين وبعض الكيانات الحقوقية والبرلمانية للتحذير من تعيينه في هذا المنصب في ضوء ضلوعه في الكثير من الجرائم.

وقبل انتخابه بيومين دعا مسؤولان فرنسيان، لوران ووكيه رئيس منطقة أوفيرن رون ألب، وبرونو برنار رئيس مدينة ليون، وزير الداخلية جيرالد دارمانان إلى "اليقظة" إزاء احتمال وصوله إلى رئاسة الإنتربول، إذ يقع المقر العام للمنظمة في مدينة ليون الفرنسية، لافتين إلى أن الريسي تستهدفه دعوى تعذيب رفعها ضده مشتكون بريطانيون ومنظمة غير حكومية تمثل معارضًا سياسيًا رهن الاحتجاز في الإمارات حاليًا.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020 عبرت 19 منظمة غير حكومية -بينها هيومن رايتس ووتش- عن قلقها من احتمال اختيار المسؤول الإماراتي، معتبرة أنه "عضو في مؤسسة أمنية تستهدف بشكل منهجي المعارضة السلمية"، ومن ثم فهو غير مؤهل لهذا المنصب الذي يحتاج إلى سيرة حقوقية بيضاء.

الانتقادات التي تعرض الريسي تجاوزت حاجز الحقوقيين والنشطاء إلى المواطنين العاديين، لكن هذه المرة ليس من مواطنين إماراتيين، سواء داخل المعتقلات التي أشرف على تعذيبهم أو من الملاحقين قضائيًا وشرطيًا خارج البلاد، وإنما من مواطنين غير إماراتيين كانوا معتقلين في سجون الدولة الخليجية، أبرزهم أستاذ العلوم السياسية وخبير الشؤون الأمنية البريطاني، ماثيو هيدجز، الذي اعتقل في مطار دبي في مايو/ أيار عام 2018، وحُكم عليه في نوفمبر/ تشرين الثاني من نفس العام بالسجن المؤبد، ولكن بعدها بأيام صدر بحقه عفو.

في مقابلة له مع " DW عربي" كشف هيدجز أنه تعرض للترهيب النفسي داخل سجون الإمارات، وأن السلطات الأمنية هناك أخبرته أن لا أحد يعلم مكان احتجازه وليس هناك خيار آخر أمامه، كما حُرم من النوم ما تسبب له في مشاكل صحية ونفسية أبرزها نوبات هلع، ما دفعه للتفكير في الانتحار.

الأكاديمي البريطاني الحاصل على درجته الأكاديمية من جامعة برادفورد ودرجة الماجستير من جامعة اكستر متخصصتين في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، وصاحب التحليلات الشهيرة بشأن موضوعات تتعلق بالدفاع والأمن وسياسات الخليج والشؤون الدولية والقدرات العسكرية، والذي كان متواجدًا بالإمارات لمهمة بحثية علمية ضمن مجال اختصاصته، اعتبر انتخاب الريسي للإنتربول فضيحة بحد ذاتها: "إنه مسؤول عن التعذيب. كيف يمكن لشخص مثله أن يمثل أبرز منظمة شرطية في العالم؟ إنه أمر سخيف!"

لم يكن هيدجز الواقعة الوحيدة على وحشية رئيس الإنتربول الجديد، فهناك ضحايا أخرين كثر، منهم البريطاني، علي عيسى أحمد، الذي أعتقل خلال مباراة كرة القدم بين منتخبي العراق وقطر التي أقيمت في 22 يناير/كانون الثاني 2021 ضمن مباريات كأس أمم أسيا التي استضافتها الإمارات في ذلك الوقت.

كان اعتقال عيسى بسبب ارتداءه قميص قطر خلال المباراة، حيث طالبه الأمن بخلعه، ففعل، لكن في اليوم التالي فوجئ بتتبعه من قبل بعض أفراد الأمن، حيث قاموا بإيقاف سيارته وأجبروه على الصعود إلى الجزء الخلفي من سيارته، وكبلوا يديه، ومزقوا قميصه، وانهالوا عليه طعنا بالسكاكين في ذراعه وصدره، ووضعوا كيسًا بلاستيكيًا على وجه.

وبعد توقيت دام لفترة، كان فيها تحت إشراف الريسي، وعقب عودته لبريطانيا قال المعتقل البريطاني خلال حوار أجرته معه صحيفة "الغارديان" إنه تعرض للتعذيب الجسدي والنفسي على يدي الشرطة الإماراتية، قائلا “كنت على يقين بأنني أموت، وفكرت بالانتحار على أن أدعهم يقتلونني”.

وعند سؤال جريدة "التلغراف" عن شعوره عندما سمع أن الريسي مرشح لقيادة الإنتربول رد قائلًا “لا أستطيع أن أصدق أنني بحاجة إلى مطالبة الشرطة الدولية بعدم انتخاب الشخص المسؤول في النهاية عن تعذيبي ليصبح رئيسًا لهم، ما عانيت منه في الإمارات كان صادماً للغاية وسيخيفني مدى الحياة”.

 

تجدر الإشارة إلى أن مخاوف استغلال المنظمة لتحقيق مآرب سياسية لأنظمة الحكم الشمولية في العالم، مخاوف شرعية ولها ما يعززها من سوابق كثيرة

سمعة الإنتربول على المحك

العديد من المنظمات الحقوقية دقَّت ناقوس الخطر بشأن ترشيح الريسي، حيث حذر تحالفٌ من 19 منظمة، في رسالةٍ مشتركة، من أن تعيين المسؤول الإماراتي "سيحلق الضرر بسُمعة الإنتربول ويتناقض بصورةٍ كبيرة مع روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ورسالة المنظمة نفسها".

وفي رسالة مشتركة، خاطب 3 نواب أوروبيين (بينهم رئيسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي "ماري أرينا")، رئيسة المفوضية الأوروبية، "أورسولا فون دير لاين"، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، قائلين: "نحن مقتنعون بشدة بأن انتخاب اللواء الريسي سيسيء إلى مهمة وسمعة الإنتربول وسيؤثر بشكل كبير على قدرة المنظمة على أداء مهمتها بفعالية".

وفي رسالة لوزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين، قال لوران ووكيه، رئيس منطقة "أوفيرن-رون-ألب"، وبرونو برنار، رئيس مدينة ليون، حيث المقر العام للإنتربول، إن "ترشيحًا تشوبه شكاوى يمكن أن يشكل خطرًا حقيقيًا وقد ينزع الشرعية عن المؤسسة وإقامتها في ديمقراطيتنا"، وفق وكالة الأنباء الفرنسية.

في ضوء ما سبق، تجدر الإشارة إلى أن مخاوف استغلال المنظمة لتحقيق مآرب سياسية لأنظمة الحكم الشمولية في العالم، مخاوف شرعية ولها ما يعززها من سوابق كثيرة، أبرزها مساعي كل من روسيا والصين لتوظيف هذا الكيان الدولي للانتقام من بعض المعارضين واستهداف المارقين عن الإرادة السلطوية هناك، ولعل تلك التجارب هي المحرك الأساسي لمناشدات الجماعات الحقوقية من تكرار التجارب السابقة.

ففي نوفمبر 2016 انتخب نائب وزير الأمن العام، ومدير خفر السواحل الصيني، منغ هونغوى،  رئيسًا للإنتربول، حينها ابتهجت السلطات الصينية إزاء ما يمكن أن يضفيه هذا المنصب من قوة إلى النظام التعسفي في البلاد، وبالفعل أصدر الإنتربول تحت رئاسة هونغوي مذكرة حمراء باعتقال غو وينغي وهو ملياردير صيني يقيم في الولايات المتحدة ويهاجم باستمرار النظام الشيوعي.

غير أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، لم ترد على هذا الطلب، ومع مرور الوقت أعلن رئيس الإنتربول انسحابه من الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، وهو ما أغضب النظام الذي توقع أن المنصب الذي كان يسعى من خلاله للانتقام من المنشقين عنه ما عاد يمثل له مصدر قوة، فكان الانقلاب عليه وإخفاءه ثم الإعلان عن اعتقاله بزعم تورطه في قضايا فساد.

روسيًا.. تكررت الواقعة مع تعيين الجنرال ألكسندر بروكوبشوك، وهو من قدامى المسؤولين في وزارة الداخلية الروسية، في منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة عام 2016، وكان هذا المنصب هو الأول من نوعه منذ انضمام روسيا إلى المنظمة قبل نحو ربع قرن.

قوبل هذا التعيين بحملة انتقادات واسعة، محذرة من مساعي موسكو استغلال هذا الموقف لاستهداف المعارضين والمنشقين، ففي بيان مشترك عن بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي قالوا فيه “إن روسيا من أهم البلدان التي تستخدم إشعارات نظام الإنتربول الأحمر من خلال إرسال إشعارات الاعتقال إلى جميع الدول الأعضاء وقد استخدمت روسيا نظام الإشعار الأحمر لمضايقة المنشقين الروس والأمريكيين الناقدين وغيرهم من الأفراد المعارضين لعدوان الكرملين، وشبه المسؤولون الأمريكيون انتخابه بـ “وضع ثعلب مسؤولاً عن حظيرة الدجاج”.

وفي الأخير.. فإن السنوات الماضية كشفت وبصورة واضحة كيف تحولت منظمة الإنتربول إلى مصدر نزاع بين الدول الكبرى والأنظمة الديكتاتورية، وهو الأمر الذي يجعل من مراقبتها الإعلامية والمجتمعية من كافة المؤسسات المدنية والحقوقية، الإقليمية والدولية، هدفًا محوريًا للحيلولة دون تحول المؤسسة المنوط بها الحفاظ على الأمن والثأر للضحايا من المجرمين إلى معتقل يضم سجناء الرأي والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان خدمة لأهواء وأجندات خاصة.