بنى قيس سعيد خطابه على معارضة الأحزاب وكل القرارات والتحركات الصادرة عنها لكسب ثقة التونسيين ودفعهم لرفض كل ما هو صادر عن الأحزاب السياسية، لكن بمرور الوقت تبين أنه يقوم بنفس ما قامت به تلك الأحزاب أو أشد.

مثلًا كان شديد المعارضة لما يعتبره محاصصة حزبية والتعيينات السياسية في مناصب عليا من الدولة، لكن ها هو الآن بعدما أحكم سيطرته على كل السلطات في البلاد يعين أصدقاءه في مناصب كبرى بالدولة دون أن يكون لهم أي تجربة سابقة في العمل، ما عده العديد من التونسيين محاولة متواصلة من سعيد للتمكين وإحكام سيطرته على مفاصل الدولة وفرض مشروعه الغامض بالقوة، فيما يراه آخرون إعلان فشل من سعيد في إدارة الحكم.

استدعاء الأصدقاء

نهاية الأسبوع الماضي، عين الرئيس التونسي قيس سعيد، أربعة ولاة جدد في محافظات بن عروس (شمال) ومدنين وصفاقس وقفصة (جنوب)، فتم تكليف سعيد بن زايد بولاية مدنين، وعز الدين شلبي ببن عروس، وفوزي مراد بصفاقس، ونادر الحمدوني بقفصة.

تأتي تلك التعيينات بالمحافظات الأربعة، بعد قرابة 4 أشهر من إقالة ولاتها السابقين في يوليو/تموز، تزامنًا مع إقالة العديد من المسؤولين في الدولة بعد تعليق قيس سعيد نشاط البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة.

وقبل ذلك عين الرئيس قيس سعيد أحد أنصاره محافظًا لمحافظة بنزرت شمال البلاد، وهو سمير عبد اللاوي الذي شارك في الحملة الانتخابية التي أوصلت سعيد إلى قصر قرطاج، وهو ما أثار جدلًا كبيرًا في البلاد.

اختيار قيس سعيد لهؤلاء وتعيينهم في مناصب مهمة رغم عدم تمتعهم بأي خبرة في العمل الإداري والسياسي يعكس فشل سعيد في إدارة الحكم

قديمًا كان التونسيون يتوجهون لمحركات البحث أو منصات التواصل الاجتماعي للتعرف على المسؤولين الجدد في الدولة، لكن هذه المرة الأمر اختلف، فلا توجد معلومات كثيرة عن هؤلاء المحافظين إلا بعض الصور التي تجمعهم بقيس سعيد في أثناء حملته الانتخابية أو بعض التدوينات التي عبروا فيها صراحة عن دعمهم اللامشروط لسعيد.

حتى إنهم عديمو الخبرة ولا تجارب إدارية سابقة لهم، لها أن ترشحهم لأعلى منصب في المحافظات، لكن الميزة الوحيدة التي يمتلكها هؤلاء هي صداقتهم لقيس سعيد الذي كان سابقًا يندد بمثل هذه الممارسات ويستنكر على الأحزاب تعيين أتباعهم في مناصب مهمة بالدولة.

التمكين

يرى المحلل السياسي التونسي سعيد عطية أن الهدف من وراء هذه التعيينات، تمكن قيس سعيد من الحكم وإحكام سيطرته على كل دواليب الدولة، ويؤكد عطية في حديثه لنون بوست أن هذا الأمر أصبح ظاهرًا للعيان ولا أحد له أن ينكره.

يضيف محدثنا: "المؤكد أن العقلية هي نفسها تقود التعيينات، إذ إننا تحولنا من أحزاب مشتتة هنا وهناك تفرض التعيينات إلى تعيينات حزب قيس سعيد الكبير غير المهيكل ظاهريًا، لكن يبدو أنه متماسك ومترابط على أرض الواقع تقوده قيادات غير ظاهرة للعيان".

وفق عطية فإن الرئيس قيس سعيد يعمل بمبدأ "ينهى عن المنكر ثم يؤتيه"، فهو كثيرًا ما انتقد الأحزاب بخصوص التعيينات الحزبية بالولاءات ومحاولات التمكين داخل دواليب الدولة، لكن النهج بقي هو نفسه فعوضت تنسيقيات الرئيس مواليي الأحزاب داخل دواليب الدولة تدريجيًا.

هذه التعيينات وجدت رفضًا كبيرًا من الأحزاب، فقد اتهمت أربعة أحزاب تونسية، الرئيس قيس سعيد، بتعيين موالين له في مواقع مسؤولة، وهي تعيينات اعتبروها "تهدد عمل الدولة وتعمق الانقسام في المجتمع".

 

أصدرت 3 أحزاب هي: "التيار الديمقراطي والتكتل من أجل العمل والحريات والجمهوري" بيانًا مشتركًا، في حين أصدر "الحزب الدستوري الحر" بيانًا منفصلًا، وعبرت الأحزاب الثلاث الأولى عن استيائها من "خطابات سعيد المشحونة بالاتهامات لمعارضيه"، وفق تعبيرها.

وحذرت الأحزاب من أن "التفرد بالحكم، أفضى إلى انتهاج تعيينات قائمة فقط على الولاء دون اعتبار للكفاءة، كما أكدته قائمة المحافظين الأخيرة، ما يهدد عمل الدولة ويكرس عقلية الانتهازية والغنيمة والتملق، ويعمق الهوة بين الدولة ومواطناتها ومواطنيها"، بحسب قولها.

وفي بيان منفصل، حذر الحزب الدستوري الحر، من "عودة إلى مربع التعيينات بالولاءات والمحاباة والتحكم في مفاصل الإدارة"، كما ندد الحزب في بيانه بـ"توظيف رئيس السلطة القائمة لكل السلطات المجمعة بين يديه، لإرساء منظومة إدارية وسياسية في خدمة مشروعه الشخصي، عوضًا عن الانكباب على توفير الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمالية المتراكمة".

فشل في إدارة الحكم

اختيار قيس سعيد لهؤلاء وتعيينهم في مناصب مهمة من الدولة رغم عدم تمتعهم بأي خبرة في العمل الإداري والسياسي وقبلها تعيين نجلاء بودن رئيسةً لحكومته، يعكس فشل سعيد في إدارة الحكم وحالة العزلة السياسية والمجتمعية التي يعيشها.

تعيينات توضح أن سعيد لا يملك إلا الهروب للأمام، وفق العديد من التونسيين، في هذا الشأن يقول المحلل السياسي سليم الهمامي لنون بوست: "بعد مرور ما يزيد على أربعة أشهر من تنفيذ الانقلاب على المؤسسات الدستورية المنتخبة من الشعب التونسي، لم يستطع رئيس الجمهورية إنقاذ الوضع، حسب ما عبر عنه مرارًا وتكرارًا".

فشل قيس سعيد في تسيير الدولة رغم سيطرته على كل السلطات، من شأنه أن يعمق الأزمة التي تعيشها تونس في أغلب المجالات

يضيف الهمامي في حديثه "سعيد لم يقم أيضًا بأي تقدم لا على المستوى السياسي ولا الاقتصادي ولا الاجتماعي، ما أدى إلى تهاوي شعبيته وتراجع نسب القبول بما يسمى بالإجراءات الاستثنائية وفق ما بينته أكثر من نتيجة سبر آراء خلال الشهر الرابع للانقلاب".

"وضعية سيئة جدًا لرئيس الدولة لم يكن المنقذ منها إلا الإمعان في الشعبوية وانتهاج منهج الترضيات والعطايا، وقد تبين ذلك من خلال التعيينات الأخيرة للولاة، فقد تم تعيين ثلاثة ولاة دون أن يكون لهم أي خبرة ولا أي تعريف بهم سوى انتمائهم لتنسيقيات الرئيس ومشاركتهم في الحملة الانتخابية له"، وفق الهمامي.

يؤكد محدثنا أنه "بهذه التعيينات لم يضرب الرئيس مصداقيته وما عمل على إبرازه لعامة الشعب فقط، وإنما أمعن في الخطأ، إذ تحوم شبهات على أكثر من اسم، سواء كان ذلك بشأن نظافة اليد والاستقامة أم حتى بشأن الانتماء العقدي وصولًا إلى المستوى الدراسي".

يدل هذا الأمر، وفق سليم الهمامي، على "فشل سعيد في تسيير الدولة وذهابه نحو ترضية الحاشية وإرضاء الأنصار الأقربين قصد الحفاظ على الحاضنة الشعبية التي بدأت في الانفضاض والتفكك من حول بطانة الرئيس".

فشل قيس سعيد في تسيير الدولة رغم سيطرته على كل السلطات، من شأنه أن يعمق الأزمة التي تعيشها تونس في أغلب المجالات، خاصة أن سعيد لا ينوي الرجوع إلى المسار الدستوري وعودة المؤسسات الشرعية إلى العمل كما يطالبه بذلك أغلب الطيف السياسي في تونس.