أثارت استقالة وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، الكثير من الجدل

أثارت استقالة وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، الكثير من الجدل

"قررت التخلي عن موقعي الوزاري.. رفضت الاستقالة في السابق لأقول إن لبنان لا يستحق هذه المعاملة، نحن اليوم أمام تطورات جديدة، الرئيس الفرنسي ماكرون ذاهب للسعودية، وسيفتح موضوع إعادة العلاقات مع لبنان مع سمو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان"، بهذه الكلمات أسدل وزير الإعلام اللبناني المستقيل جورج قرداحي، الستار على أزمة تصريحاته الأخيرة بشأن الحرب في اليمن التي أغضبت السعودية وحلفاءها، وبسببها سُحب سفراء الخليج من بيروت وأوقف الدعم المقدم للدولة اللبنانية.

الاستقالة التي تقدم بها قرداحي خلال مؤتمره الصحفي الذي عقده الجمعة 3 ديسمبر/كانون الأول 2021 وإن طوت صفحة أزمة التصريحات السابقة - مؤقتًا - فإنها أثارت أزمة جديدة تتعلق بدوافع هذه الخطوة التي جاءت بعد قرابة 40 يومًا على بث "الجزيرة" لتصريحاته التي أثارت كل هذه الضجة، فلم يستجب خلالها لضغوط رئيس الدولة ورئيس الحكومة اللذين حثاه على تقديم استقالته من أجل مصلحة بلادهما التي لا تتحمل أي هزات اقتصادية في الوقت الراهن.

الاستقالة التي جاءت بعد ساعات قليلة من طلب فرنسي بتقديمها قبيل زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون للسعودية، في ضوء جولة خليجية لمدة يومين (الجمعة والسبت 3 و4 ديسمبر/كانون الأول الحاليّ) تضم مع المملكة كل من الإمارات وقطر، أثارت الكثير من التساؤلات عن دوافعها.. فهل جاءت رضوخًا لضغط سعودي أم فرنسي؟ لماذ أجل قرداحي هذا القرار حتى زيارة ماكرون للخليج؟

لأجل من؟

أحدثت الاستقالة بعدما باتت رسمية إثر قبولها من الرئاسية اللبنانية، انقسامًا حادًا لدى الشارع اللبناني، بين من يراها رضوخًا للضغوط السعودية التي تمارسها على البلاد منذ بداية الأزمة، وآخرين اعتبروها استجابةً للتدخلات الفرنسية وتماشيًا مع الطلب المقدم للإسراع بتلك الخطوة تزامنًا مع جولة ماكرون الخليجية.

الفريق الأول يرى أن تصعيد السعودية ومعها بعض الدول الخليجية ضد بيروت من خلال سحب سفرائها وتعليق الدعم والتلويح بورقة المنح والعطايا، كان السلاح الأكثر تأثيرًا في تلك الأزمة، وصاحب القول الفصل في الدفع نحو الاستقالة، فمنذ الساعات الأولى لبث تصريحات قرداحي كانت المطالب الخليجية واضحة، تقديم اعتذار رسمي، وهو ما لم يحدث من الوزير المستقيل.

ومع مرور الوقت تجاوزت الأمور نطاق الاعتذار لتصل إلى ضرورة تقديم الوزير استقالته إرضاءً للخليج الذي يمثل الداعم الأول للبنانيين، وذلك خشية على المصالح المشتركة بين الطرفين، خاصة أن قطاعًا كبيرًا من أبناء لبنان يعملون في السعودية والإمارات تحديدًا، ويمثلون ضلعًا أساسيًا في الاقتصاد الوطني اللبناني.

هناك من يرى أن إعلاء مصلحة لبنان لم يكن المحرك الأساسي للوزير في أثناء تقديم استقالته، فالأمر لو كان كذلك فلماذا لم يتم التقدم بها وقت الأزمة رغم المناشدات التي طالبته بها، فيما استجاب سريعًا للطلب الفرنسي

الفريق الآخر يعتبر الاستقالة في هذا الوقت استجابةً للضغوط الفرنسية، في محاولة لمنح ماكرون ورقة ضغط جيدة تثقل زيارته الخليجية وتعيده للشرق الأوسط بعد تراجع كبير خلال الآونة الماضية، فهي بمثابة "هدية على طبق من ذهب" تمنح للرئيس الفرنسي لتحقيق زيارته أكبر قدر من الأهداف المحددة لها سلفًا، سواء على المستوى الاقتصادي أم السياسي.

أنصار هذا الفريق يذهبون إلى أن تلكؤ قرداحي في إعلان استقالته رغم الضغوط الخليجية طيلة الشهر الماضي وتأجيلها حتى زيارة ماكرون الخليجية تشير بشكل واضح أن الكلمة هنا كانت لباريس وليس للرياض، متسائلين: لماذا لم يستجب الوزير لمطالب الرئيس ورئيس الحكومة بشأن الاستقالة لتبريد الأجواء الساخنة مع الخليج، ثم فجأة ودون سابق إنذار يعلنها في هذا التوقيت؟

يذكر أن قرداحي بعد مطالبة المملكة له بالاعتذار في أعقاب تصريحاته الأخيرة، أكد أنه لن يعتذر كونه لم يرتكب خطأ، وردًا على دعوات الاستقالة نوه أنه لن يقدم على هذه الخطوة، إعلاءً لسيادة بلاده واستقلالية قرارها، لكن يبدو أن المطلب الفرنسي لا يمس السيادة اللبنانية والاستجابة له لا تعني الرضوخ لإملاءات خارجية.. هكذا كان يعتقد قرداحي.

مصلحة لبنان أم مصالح شخصية؟

القراءة الأولية للاستقالة أنها جاءت لأجل إعلاء مصالح الوطن، وهو ما أشار إليه قرداحي في تصريحاته التي قال فيها: "لا أقبل أن استخدم كسبب لأذية اللبنانيين وأن يقع الظلم على أهلي اللبنانيين في الخليج، مصلحة بلدي وأحبائي فوق مصلحتي الشخصية"، وهو الرأي الذي ذهبت إليه مؤسستي الرئاسة والحكومة اللبنانيتين.

الرئاسة اللبنانية في بيانها التي أعلنت فيه توقيع مرسوم قبول استقالة وزير الإعلام، الذي حمل الرقم 8519، تاريخ 3 ديسمبر/كانون الأول 2021، قالت: "الرئيس عون جدد خلال تسلمه كتاب استقالة وزير الإعلام، تأكيد حرص لبنان على إقامة أفضل العلاقات مع الدول العربية، متمنيًا أن تضع الاستقالة حدًا للخلل الذي اعترى العلاقات اللبنانية الخليجية".

رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، في أول تعليق له على هذه الخطوة قال إنها "كانت ضرورية بعد الأزمة التي نشأت مع السعودية وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي"، لافتًا في بيان له أن هذه الخطوة "من شأنها أن تفتح بابًا لمعالجة إشكالية العلاقة مع الأشقاء في المملكة ودول الخليج، بعد تراكمات وتباينات حصلت في السنوات الماضية".

مؤكدًا في الوقت ذاته أن بلاده حريصة على تعزيز علاقتها بالدول العربية والإصرار على التمسك بها والمحافظة عليها، منوهًا في الوقت ذاته أنهم حريصون على "النأي بالنفس عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وفي أي نزاع عربي-عربي"، داعيًا الدول العربية إلى "الوقوف بجانب لبنان في هذه المحنة"، ومشددًا على أن "الحكومة ترفض كل ما من شأنه الإساءة إلى أمن دول الخليج واستقرارها"، معربًا عن أسفه إزاء تصريحات الوزير المستقيل وأن تطوى تلك الصفحة وبدء أخرى جديدة على أساس قاعدة الاحترام المتبادل.

وفي المقابل هناك من يرى أن إعلاء مصلحة لبنان لم تكن المحرك الأساسي للوزير في أثناء تقديم استقالته، فالأمر لو كان كذلك فلماذا لم يتم التقدم بها وقت الأزمة رغم المناشدات التي طالبته بها، فيما استجاب سريعًا للطلب الفرنسي، في إشارة إلى وجود مصالح أخرى غير المصلحة اللبنانية، في إشارة إلى فرنسا صاحبة النفوذ الكبير في الداخل اللبناني، أو حتى إيران وميليشياتها المسلحة (حزب الله) التي تحفظت قبل ذلك على رد الفعل السعودي من التصريحات الخاصة بالحرب العبثية في اليمن، وأعلنت عن كامل دعمها لقرداحي في تلك الأزمة.

من المطالبة بالاعتذار إلى الاستقالة

تعود الأزمة إلى مساء 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 حين بثت إحدى منصات شبكة "الجزيرة" ضمن برنامج "برلمان شعب" مقابلة لقرداحي، أدلى فيها بتصريحات عن الحرب اليمنية، معتبرًا خلالها أن "الحوثيين في اليمن يدافعون عن أنفسهم ضد ما قال إنها اعتداءات السعودية والإمارات"، داعيًا إلى ضرورة وقف "الحرب العبثية والمؤذية" هناك.

أحدثت التصريحات جدلًا كبيرًا لدى الشارع الخليجي تحديدًا، ما دفع الوزير لتوضيح ملابسات ما حدث، منوهًا أن تلك المقابلة سجلت في 5 أغسطس/آب الماضي، أي قبل شهر من تعيينه وزيرًا، لافتًا إلى أن ما قاله كان عن قناعة كاملة، بهدف محبة السعودية والإمارات، والحفاظ على الشعب اليمني وحقن دمائه، لكنها المبررات التي لم تقنع حكومات الخليج.

وفي اليوم التالي للمقابلة نشر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بيانًا تبرأ فيه وحكومته من تصريحات قرداحي، مؤكدًا حرص بلاده على نسج أقضل العلاقات مع السعودية، ورافضًا التدخل في شؤونها الداخلية من أي جهة أو طرف، وهو موقف الرئيس عون الذي أوضح أن تلك التصريحات لا تمثل الدولة اللبنانية وأن بيروت "حريصة على أطيب العلاقات مع الدول العربية والخليجية".

وفي الـ27 من الشهر ذاته رفض مجلس التعاون الخليجي في بيان له تلك التصريحات مطالبًا الوزير اللبناني بالاعتذار، ليرد حزب الله ببيان في اليوم التالي يعلن فيه دعمه الكامل لقرداحي، منددًا بما وصفه بالحملة "الظالمة" التي تقودها السعودية والإمارات ومجلس التعاون الخليجي ضده، هذا في الوقت الذي تصاعدت فيه دعوات ساسة لبنانيين وعرب للوزير بتقديم استقالته لتبريد الأزمة وهو ما رفضه بشدة حينها.

وردًا على هذا الموقف قررت كل من السعودية والإمارات والكويت والبحرين استدعاء السفراء اللبنانيين لدى كل منها، وأبلغتهم احتجاجها على تلك التصريحات، فيما أوقفت المملكة وارداتها للبنان، وطالبت الدوحة - التي استنكرت بدورها تلك التصريحات - لبنان إلى المسارعة بـ"إجراءات عاجلة وحاسمة" لرأب الصدع مع الأشقاء، بينما دعت مسقط الجميع إلى ضبط النفس والحوار.

بينما كان أنصار قرداحي يرون في رفضه تقديم استقالته خطوة بطولية تحسب له، إذ بهم يفاجأون به معلنًا تقديمها طواعية بعد طلب فرنسي بذلك

وبعد هدوء نسبي خلال الأسبوع الأول، عاودت الأزمة اشتعالها مرة أخرى عقب تسريب مكالمة مسجلة للوزير في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، هاجم فيها السعودية مرة أخرى، متحدثًا عن الحرب اليمنية، مضيفًا "لا أحد يمكنه إجباري على الاستقالة، لكنهم يبتزوننا بالرعايا اللبنانيين الموجودين في الخليج، وأنهم سيمنعونهم من إجراء تحويلات للأموال أو نطردهم من البلد، لكنني ما زلت أدرس الموضوع، فالأمر لا يتعلق بي فقط، هناك رئيس جمهورية ورئيس حكومة، ولم تُحسم الأمور حتى الآن".

بعدما وصلت الأمور إلى تلك المرحلة، عاود الرئيس ورئيس الحكومة وتيار كبير من النخبة في الداخل، مناشدة قرداحي بتقديم استقالته التي رفضها مرة أخرى، وسط دعم سياسي واضح من حزب الله وطهران، ملمحًا أن مصلحة بلاده تقتضي التمسك بسيادتها وعدم الخضوع لأي ابتزازات خارجية.

وبينما كان أنصار قرداحي يرون في رفضه تقديم استقالته خطوة بطولية تحسب له، إذ بهم يفاجأون به معلنًا تقديمها طواعية بعد طلب فرنسي بذلك، تمهيدًا لحمل تلك الاستقالة داخل حقيبة ماكرون خلال جولته الخليجية التي يسعى من خلالها لتقديم أوراق اعتماد بلاده مجددًا كلاعب أساسي في المنطقة بعد سنوات من التراجع بسبب سياساته الخاطئة.

وفي الأخير.. ربما تُرضي الاستقالة غرور السعودية التي طالبت أكثر من مرة بالاعتذار، وفي الوقت ذاته تغازل فرنسا وتقدم لها هدية على طبق من فضة لتعزيز نفوذها الإقليمي (ربما يكون لها تداعياتها على الصالح اللبناني مستقبلًا)، هذا بخلاف تجنيب السلطات المزيد من الحرج، وتدفئة العلاقات الباردة مع الخليج صاحب نصيب الأسد في دعم بيروت، لكن في مقابل ذلك فإنها وضعت سيادة الدولة اللبنانية على المحك.