فلسطينية تلتقط صورة لأحد أفراد قوات الأمن الإسرائيلية الذي كان بصدد التقاط صورة لها دون إذن في أحد شوارع القدس، 16 كانون الأول/ ديسمبر 2017.

فلسطينية تلتقط صورة لأحد أفراد قوات الأمن الإسرائيلية الذي كان بصدد التقاط صورة لها دون إذن في أحد شوارع القدس، 16 كانون الأول/ ديسمبر 2017.

ترجمة وتحرير: نون بوست

يعيش 4.8 مليون من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة واقعيْن متزامنيْن مختلفيْن إلى حد كبير. في العالم الحقيقي، تشبه حياة الفلسطينيين في غزة أو الضفة الغربية حياة الأسرى محاصرين من قبل نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية. وهم يخضعون إما لحكم حماس المصنفة منظمةً إرهابية من قبل الولايات المتحدة، أو للسلطة الفلسطينية وهي حكومة غير منتخبة ديمقراطيًا أحكمت قبضتها على السلطة لمدة 12 سنة من خلال تخويف النشطاء الديمقراطيين. في كلتا الحالتين، يمثل الفلسطينيون في نهاية المطاف أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي تحرم المتهمين من حق الوصول إلى محامي أثناء الاستجواب. ونتيجة لذلك، تبلغ نسبة إدانة الفلسطينيين ما يقارب 100 بالمئة.

أما في العالم الافتراضي، يمكن للفلسطينيين تخطي نقاط التفتيش، والتواصل مع  أفراد عائلاتهم الذين تفصلهم عنهم على أرض الواقع الأسلاك الشائكة ونقاط التفتيش والمدافع الرشاشة.

يمكنهم في العالم الافتراضي مشاركة قصصهم مع المراقبين والمتعاطفين حول العالم، وأن يعتبروا أنفسهم مواطنين في دولة فلسطين ذات سيادة: دولة اعترفت بها 138 دولة واعتُرف بها في عام 2012 كدولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة. تمثل فلسطين الرقمية تجسيدا لوعد الإنترنت المتفائل والمنسي إلى حد كبير بإعطاء صوت لمن لا صوت لهم وتسليط الضوء على أحلك أركان العالم.

لكن الفلسطينيين مهددون بالحرمان حتى من حقهم في استعمال الإنترنت، في ظل الجهود التي تبذلها ثلاث قوى، أولها جهاز الشرطة والمراقبة الموسع لدولة "إسرائيل"، الذي يتم استخدامه لتتبع وترهيب وسجن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بسبب منشوراتهم على الإنترنت. والقوة الثانية هي عبارة عن شبكة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي تستخدمها الحكومة الإسرائيلية لاستهداف المحتوى المؤيد للفلسطينيين في جميع أنحاء العالم. والقوة الثالثة - والأكثر إثارة للدهشة - هي منصات مواقع التواصل الاجتماعي الأمريكية، التي أبدت استعدادًا لإسكات الأصوات الفلسطينية تجنبًا للجدل السياسي والضغط المحتمل من الحكومة الإسرائيلية.

تُظهر هذه القوى كيف يمكن لحكومة ديمقراطية ظاهريًا أن تقمع حركة شعبية على الإنترنت بموافقة مديرين تنفيذيين ذوي انتماءات ليبرالية - ظاهريا - في وادي السيليكون. لكن من المحتمل أن لا تقتصر القواعد التي يقع تطبيقها حاليًا على الفلسطينيين على الشرق الأوسط لوقت طويل، ذلك أنها قد تعتمد أيضا ضد مجتمعات النشطاء في جميع أنحاء العالم.

صورة
طلاب لاجئون فلسطينيون في مدرسة الشاطئ الابتدائية، وهي مدرسة تابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، في مخيم للاجئين في قطاع غزة سنة 2007.

كان الفلسطينيون من أوائل الشعوب التي تحمست لانتشار استعمال الإنترنت. كان لدى أقل من 2 بالمئة من الفلسطينيين إمكانية الوصول إلى الإنترنت في سنة 2001، وقد ارتفعت هذه النسبة إلى 41 بالمئة بحلول سنة 2011، ليصبحوا بذلك من بين أكثر الأشخاص اتصالاً بالإنترنت في الشرق الأوسط رغم الضوابط الصارمة المفروضة عليهم والحصار الدوري الذي يعرقل حياتهم اليومية، وسيطرة "إسرائيل" شبه الكاملة على المعدات وشبكة الإنترنت في فلسطين.

بالنسبة للشباب الفلسطينيين، مكنتهم مواقع التواصل الاجتماعي من توفير طريقة للتفاعل مع هويتهم الثقافية واستكشاف التاريخ المشترك الذي وقع التلاعب به قبل ولادتهم. كما مكّنهم العالم الرقمي من تنظيم احتجاجات ضد الاحتلال الإسرائيلي وتسليط الضوء على الممارسات القمعية وتعرض المدنيين العزل للرصاص والقنابل الإسرائيلية.

لكن يبدو أن بروز صوت الفلسطينيين في العالم الرقمي خلال منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يُشعر الحكومة الإسرائيلية بقلق متزايد. استثمر جيش الاحتلال الإسرائيلي بشكل كبير في قدراته للتأثير على الإنترنت، وقام بتجنيد المدونين ومصممي الجرافيك وتعزيز وجوده على منصات مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب. وخلال أوقات النزاع، نظم طلاب الجامعات الإسرائيلية غرف هاسبارا، حيث اجتمعوا لإنتاج محتوى مؤيد لـ"إسرائيل" وصدّ التحيز المناهض لـ"إسرائيل" في وسائل الإعلام الدولية. (هاسبارا تعني "شرح" بالعبرية.)

لم يكن ذلك كافيًا للتأثير على الرأي العام العالمي الذي ظل ينتقد بشدة "إسرائيل" خلال حربي 2012 و2014 في غزة. وأسفر نظام القبة الحديدية للدفاع الصاروخي، الذي استُخدم حديثًا في هذه النزاعات، عن سقوط أعداد متفاوتة من القتلى بين صفوف المدنيين: قُتل تسعة مدنيين إسرائيليين (وفقًا للجيش الإسرائيلي) مقارنة بعدد قتلى يترواح بين 800 و1800 فلسطيني، الكثير منهم أطفال. وقد تهاطل على مواقع التواصل الاجتماعي وابل من الأدلة العميقة على معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال.

كان لموجة المراقبة والاستجواب والاعتقالات تأثير واضح ومخيف على حق الفلسطينيين في التعبير عن آرائهم في المجال الرقمي. فلا يستطيع الفلسطينيون معرفة متى يمكن أن تصنف الخوارزميات التنبؤية الإسرائيلية الدعوة إلى التضامن الوطني على أنها تحريض

في سنة 2015، اتخذت الإنترنت في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بعدًا جديدًا. أطلق عدد من الشبان الفلسطينيين المتأثرين بدعاية حماس وغيرها من المنظمات الإسلامية والغاضبين بشأن مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع لقتلى وضحايا جرائم الاحتلال الإسرائيلي، حملة عفوية دون تأطير أو قيادة سميت بـ "انتفاضة السكاكين"، حدث خلالها أكثر من 300 محاولة طعن وإطلاق نار وهجوم دهس في "إسرائيل" وفلسطين على مدار سنة، مما أسفر عن مقتل 34 مدنيا، 31 منهم إسرائيليون وثلاثة أجانب وخمسة عناصر أمن إسرائيليين. وقد رد الجيش والشرطة الإسرائيلية بقتل أكثر من 150 مهاجمًا فلسطينيًا مشتبهًا بهم إلى جانب العشرات من مثيري الشغب والمتظاهرين.

بعد ذلك، حولت قوات الأمن الإسرائيلية انتباهها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وأنشأت شبكات من حسابات فيسبوك مزيفة لتسهيل المراقبة واعتقلت أكثر من 300 فلسطيني بسبب نشاطهم على فيسبوك بتعلة أنهم يشاركون منشورات "تحرض على العنف والإرهاب". وفي سنة 2016، أصدرت "إسرائيل" قانونًا صارمًا جديدًا لمكافحة الإرهاب وسّع تعريف التحريض على العنف ليشمل تنظيم أي مظاهرة "تضامن" وتصنيفها ضمن الممارسات الإرهابية أو المنظمات الإرهابية.

بسبب الصلاحيات الموسعة لهذا القانون، تم تجريم حملات تأييد أو رفع العلم الفلسطيني تضامنا مع القضية الفلسطينية. كما مكّن هذا القانون الجيش الإسرائيلي من اعتقال الفلسطينيين بسبب المحتوى الذي شاركوه عبر الإنترنت - حتى من يعيشون في المنطقتين "أ" و"ب" من الضفة الغربية الخاضعة للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقات أوسلو.

حتى مع تراجع "انتفاضة السكاكين" لم تخف وتيرة الاعتقالات. ووفقًا للأرقام التي جمعها المركز العربي لتطوير الإعلام الإجتماعي "حملة" اعتُقل ما يقارب ألفي فلسطيني من قبل مسؤولي الأمن الإسرائيلي بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنة 2017. وتقول السلطات الإسرائيلية إن هذه الاعتقالات هي نتيجة استنتاجات الشرطة التنبؤية القائمة على الذكاء الاصطناعي، التي تستخدم التنميط النفسي لاعتقال المشتبه بهم الذين قد يرتكبون أعمال عنف في المستقبل.

وتصر السلطات الإسرائيلية على أن هذه التكنولوجيا ساهمت في التصدي لمئات الهجمات الإرهابية، لكن من المستحيل التحقق من صحة مثل هذه المزاعم. بسبب منطق الاحتلال الرهيب، الذي يضع أمن المواطنين الإسرائيليين على حساب حقوق الفلسطينيين، يظل المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون متحمسين لتعقب واحتجاز أكبر عدد ممكن من الأشخاص.

كان لموجة المراقبة والاستجواب والاعتقالات تأثير واضح ومخيف على حق الفلسطينيين في التعبير عن آرائهم في المجال الرقمي. فلا يستطيع الفلسطينيون معرفة متى يمكن أن تصنف الخوارزميات التنبؤية الإسرائيلية الدعوة إلى التضامن الوطني على أنها تحريض. ولا يمكنهم معرفة ما إذا "الإعجاب" بأي منشور تابع للهيئات السياسية الفلسطينية قد يُفسر على أنه دعم للإرهاب. ولا يمكنهم معرفة متى يمكن اعتبار مجموعة جديدة كيانًا إرهابيًا. (خلال شهر تشرين  الأول/ أكتوبر، صنفت الحكومة الإسرائيلية ستّ منظمات فلسطينية كبيرة لحقوق الإنسان ضمن خانة "الإرهاب"، مهددة بشكل مفاجئ الآلاف من عمال الإغاثة والمنتفعين منها بخطر قانوني). وفي حالة حدوث الاعتقالات، يعلم الفلسطينيون أنه سيقع إبعادهم عن عائلاتهم وإرسالهم إلى السجن لشهور أو سنوات.

صورة
متظاهر فلسطيني يحتج على حظر فيسبوك حسابات فلسطينية أمام مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، غزة في 29 أيلول/ سبتمبر 2016.

تمتد جهود "إسرائيل" لحظر الخطاب المؤيد للفلسطينيين إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. في السنوات الأخيرة، مارست الحكومة الإسرائيلية والمنظمات المساندة لها ضغوطًا هائلة على فيسبوك وشركات التكنولوجيا الأخرى لتبني تعريف جديد وواسع لمعاداة السامية. ويربط هذا التعريف، الذي نشره التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست في سنة 2016، الانتقادات الموجهة لـ"إسرائيل" بخطاب الكراهية المعادي لليهود، بما في ذلك حق الأمة في "تقرير المصير" وأي معارضة للمعايير التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية". وإذا وقع اعتماده من قبل منصات التواصل الاجتماعي، فإن مثل هذا التعريف الواسع من شأنه أن يقيد بشدة المحتوى الذي ينتقد سياسة الحكومة الإسرائيلية.

أثار تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست جدلاً كبيرا داخل المجتمع اليهودي. ومن الواضح أن شركات التكنولوجيا لم تتخذ ما يكفي من الإجراءات للحد من إنكار الهولوكوست والتعصب الأعمى المعادي لليهود، وهذا ما يوضحه الارتفاع الحاد في أعمال العنف والإرهاب القائمة على معاداة السامية في السنوات الأخيرة. في الوقت نفسه، تصدى بعض اليهود لحركة ربط الصهيونية - الحركة القومية اليهودية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وتمثل الأيديولوجية التأسيسية لـ"إسرائيل" - باليهودية ككل.

وخلال شهر حزيران/ يونيو، أصدر أكثر من 200 باحث يهودي إعلان القدس حول معاداة السامية، الذي يهدف إلى الاعتراض على تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست من خلال التمييز بين الانتقادات الموجهة لـ"إسرائيل" والصهيونية وبين الهجمات على الشعب اليهودي. وكتبوا أنه من المهم محاربة معاداة السامية مع ضمان "فتح النقاش حول مستقبل "إسرائيل" وفلسطين" الذي يعتبر قضية شائكة.

تتمثل الخطوة الأقوى والأكثر فاعلية في أن تلتزم شركات وسائل التواصل الاجتماعي بتطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19، لسنة 2012، والذي يعترف بدولة فلسطين المستقلة ويمنحها صفة دولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن عواقب فتح مثل هذا النقاش قد تكون وخيمة، حيث أن تبني تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست على نطاق واسع من شأنه أن يعيق مناقشة التاريخ الفلسطيني، بدءا من الطرد القسري لأكثر من 700 ألف فلسطيني من منازلهم على يد العصابات الصهيونية في أواخر الأربعينات، وارتباط الثقافة الفلسطينية الحديثة بالحرمان الذي يعيشه قطاع غزة والضفة الغربية منذ 53 سنة تحت الاحتلال الإسرائيلي. ومن خلال حظر بعض الانتقادات الموجهة ل"إسرائيل"، ستتقلص مساحة التعبير عن الآراء المؤيدة للفلسطينيين وحقهم في تقرير المصير.

ومثلما تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى إعادة صياغة أدبيات النقاش على منصات التواصل الاجتماعي، فقد أنشأت أيضا مؤسسات جديدة لمراقبة المنصات بشكل مباشر. ومنذ سنة 2015، أدارت وزارة العدل الإسرائيلية وحدة إلكترونية أصدرت عشرات الآلاف من طلبات إزالة المحتوى إلى فيسبوك وتويتر ويوتيوب، ادعت فيها أنها تحرض على العنف أو تدعم الإرهاب.

من الناحية الفنية، لا تعتبر هذه الطلبات ملزمة قانونا، وبالتالي لا يتم تتبعها في تقارير الشفافية التي تستخدمها شركات التكنولوجيا للكشف عن أوامر الرقابة الحكومية الرسمية. مع ذلك، فقد امتثلت شركات منصات التواصل الاجتماعي لطلبات الوحدة الإلكترونية في حوالي 90 بالمئة من الحالات.

من الناحية العملية، تمتلك الوحدة الإلكترونية الإسرائيلية قدرا هائلا من النفوذ. ورغم أنها تعمل تحت إشراف الحكومة، إلا أنها غير مقيدة بالقوانين الإسرائيلية التي تضمن حرية التعبير. يمكن لهذه الوحدة أن تستهدف أي مستخدم للإنترنت - سواء كان مواطنا إسرائيليا أو فلسطينيا أو طرفا محايدا في أي مكان في العالم - وتشن ضده حملة قمع خفية لا يمكن للمراقبين في الخارج رصدها.

في شهر نيسان/ أبريل، قضت محكمة العدل العليا الإسرائيلية بأن ممارسات الوحدة الإلكترونية لا تنتهك القانون الإسرائيلي، متذرعة بالطبيعة "الطوعية" لهذه الطلبات. وقد مهد هذا القرار الطريق لتوسيع جهود الرقابة السرية.

صورة
نساء فلسطينيات يلتقطن صورة أمام مبنى في حي الرمال بمدينة غزة استهدفته غارات جوية إسرائيلية، في 23 آيار/ مايو.

في ظل اعتماد الفلسطينيين بشكل متزايد على المنصات الرقمية للدفاع عن قضيتهم - وبما أن الحكومة الإسرائيلية أصبحت تنظر إليه باعتباره تهديدا أمنيا - فقد فشلت شركات منصات التواصل الاجتماعي إلى حد كبير في اتخاذ موقف محايد. تمارس الحكومة الإسرائيلية حملات ضغط تتضمن وسائل قانونية وأخرى غير قانونية، بطرق لا يمكن للمديرين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا تجاهلها.

ويفتقر الفلسطينيون في المقابل إلى الوسائل القانونية التي تضمن لهم الدفاع عن موقفهم، في ظل الانقسام السياسي بين حماس والسلطة الفلسطينية. لا يمكن إصدار مذكرات استدعاء أو أوامر من الشرطة لمنصات التواصل الاجتماعي، ولا يمكن التأثير على القوانين واللوائح الجديدة. وبغض النظر عن مدى قدرة الفلسطينيين على الإقناع في خضم دفاعهم عن حقهم في التعبير، فإنهم لا يملكون الوسائل القانونية للقيام بذلك.

على سبيل المثال، شاركت القيادة العليا في فيسبوك في جلسات استشارية مع مسؤولي الأمن الإسرائيليين منذ سنة 2016، بينما عُقد أول اجتماع رفيع المستوى مع السلطة الفلسطينية في سنة 2021 بعد حملة ضغط استمرت فترة طويلة. الجدير بالذكر أن قطاع التكنولوجيا في "إسرائيل" يمنح قوة ناعمة للجلسات الاستشارية لا يمكن إنكاره، ويُعدّ فرع فيسبوك في تل أبيب مركزا إقليميا مهما للشركة، وهو واحد من مكتبين فقط لفيسبوك في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

النتيجة هي تحيز منهجي ضد الفلسطينيين في ممارسات تعديل المحتوى التي تتبعها شركات التواصل الاجتماعي. كان هذا التحيز واضحا في شهر أيار/ مايو الماضي عندما استخدم الفلسطينيون الشبكات الاجتماعية للتنديد بالمساعي الإسرائيلية للاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة.

على امتداد أكثر من شهر من الاحتجاجات في الشوارع، وردود الشرطة الانتقامية، وثق موقع "حملة" حوالي 700 حالة حذف أو حظر لمحتويات مؤيدة للقضية الفلسطينية، غالبا دون سابق إنذار أو تفسير مناسب، في "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تويتر" و"يوتيوب" و"تيك توك".

بالنسبة للنشطاء الفلسطينيين الذين اعتمدوا على شبكات التواصل للدفاع عن قضيتهم بعيدا عن الرقابة، فقد عمقت عمليات حجب المحتوى معاناتهم. وأوضحت الكاتبة والباحثة الفلسطينية مريم البرغوثي في مقال كتبته في شهر حزيران/ يونيو لمنظمة "ريست أوف وورلد" أن "الكثير من قوتنا تأتي من قدرتنا على أن نوصل أصواتنا. لقد شعرت أننا نتعرض للهجوم من جميع الجهات التي رفضت السماح لنا بمجرد التعبير عن واقعنا".

مع اشتداد الأزمة في أيار/ مايو -حيث أطلقت حماس وابلا من الصواريخ أسفرت عن مقتل 14 مدنيا إسرائيليا، وردت "إسرائيل" بعمليات جوية وبرية أدت إلى مقتل نحو 156 فلسطينيا- أصبحت الفرق في التعامل بين المحتوى الرقمي الفلسطيني والإسرائيلي أكثر وضوحا، فقد كان يُنظر لأي محتوى باللغة العربية ينشره مستخدم فلسطيني على أنه تمهيد لعمل إرهابي محتمل.

ووفقا لتقرير أصدرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، حُذفت منشورات أحد مستخدمي "إنستغرام" بعد أن نشر سلسلة من العناوين الرئيسية لصحيفة "نيويورك تايمز" حول الضربات الجوية الإسرائيلية ومصادرة الأراضي، بسبب حث متابعيه على "عدم التنازل مطلقا" عن حقوقهم بموجب القانون الدولي. كما حُذف محتوى مستخدم آخر على "إنستغرام" بسبب نشر صورة للأضرار التي أحدثتها القنابل الإسرائيلية في غزة (تعليقه على الصورة: "هذه صورة لمبنى عائلتي قبل أن تقصفه الصواريخ الإسرائيلية، وكان المبنى يحتوي على ثلاث شقق"). في الوقت ذاته، ظل خطاب الكراهية المعادي للفلسطينيين باللغة العبرية  موجودا بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي.

انتبهت بعض الأطراف داخل شركات التواصل الاجتماعي الكبرى إلى هذا الانحياز الرقمي ضد الفلسطينيين. في شهر أيلول/ سبتمبر، دعا مجلس الإشراف على محتوى "فيسبوك" إلى إجراء تحقيق مستقل في ممارسات تعديل المحتوى فيما يتعلق بالمنشورات المؤيدة للفلسطينيين لتحديد ما إذا كانت قد "طُبقت دون تحيز" (التزم "فيسبوك" بإجراء التحقيق). وأعرب مجلس الإشراف عن قلقه من أن المنظمات الحكومية -مثل الوحدة الإلكترونية في إسرائيل- ربما تكون قد أثرت بشكل سري على قرارات الإشراف على محتوى فيسبوك.

إذا أخذ فيسبوك هذه المخاوف والتوصيات غير الملزمة على محمل الجد، فقد تتخذ شركات التواصل الاجتماعي الأخرى خطوات مماثلة لإعادة تقييم نهجها في التعامل مع المحتوى الفلسطيني.

مع ذلك، يبدو تأثير هذه الإجراءات محدودا، حيث أن موقف مجلس الرقابة في فيسبوك لا يوفر الدعم الكافي للفلسطينيين الذين تستهدفهم أجهزة الرقابة الإسرائيلية المتطورة.

تتمثل الخطوة الأقوى والأكثر فاعلية في أن تلتزم شركات وسائل التواصل الاجتماعي بتطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19، لسنة 2012، والذي يعترف بدولة فلسطين المستقلة ويمنحها صفة دولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة. يمارس الفاتيكان، الذي تعترف به شركات وسائل التواصل الاجتماعي، صلاحياته على الصعيد الدولي بموجب قرار مماثل من الأمم المتحدة.

من شأن مثل هذا الإجراء أن يعطي للفلسطينيين نوعا السيادة الرقمية، ويضمن لهم حرية التعبير الإلكتروني والقدرة على اتخاذ الإجراءات القانونية الضرورية بعيدا عن الوساطة الإسرائيلية.

سوف يجسد ذلك روح اتفاقيات أوسلو ومبادرات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة، والتي سعت كل منها إلى رسم خارطة طريق نحو دولة فلسطينية مستقبلية. كما أن هذه الخطوات ستكرس التزام شركات التواصل الاجتماعي بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة أن فيسبوك صادقت مؤخرا على سلسلة من المعاهدات الدولية ومعايير حقوق الإنسان. (رفض فيسبوك طلبًا من فورين بوليسي للإفصاح عن موقفه الحالي بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية).

حماية السيادة الرقمية تقع في المقام الأول على عاتق الشعب الفلسطيني نفسه، ويجب منحه القدرة على اتخاذ الإجراءات القانونية الضرورية لحماية حقوقه.

من الناحية العملية، فإن اعتراف شركات التواصل الاجتماعي بدولة فلسطين على مستوى رقمي من شأنه أن يعزز حماية المحتوى الفلسطيني، ولن تكون الحكومة الإسرائيلية قادرة بعد الآن على إصدار طلبات إزالة المحتوى التي تعامل الفلسطينيين كأقلية عنيفة ومشتتة.

ولن يستطيع المسؤولون التنفيذيون لشركات التواصل في تلك الحالة مواصلة اجتماعاتهم المنتظمة مع مسؤولي الأمن الإسرائيليين وتجاهل ممثلي السلطة الفلسطينية. كما سيضمن الفلسطينيون أن لا تكون أصواتهم الرقمية - وهي الوسيلة الفعالة الوحيدة للدفاع عن قضيتهم  - تحت سلطة قوة أجنبية معادية.

بينما تواصل "إسرائيل" اعتبار المحتوى الفلسطيني تهديدا للأمن القومي، وتطلق عليه تهمة "الإرهاب" بشكل عشوائي أكثر من أي وقت مضى، فإن الحاجة إلى حماية هذا المحتوى تبدو أكثر إلحاحا.

بالطبع، لا يعد النهج السياسي لوحده الحل الأمثل للقضية. إذا حصلت السلطة الفلسطينية لوحدها على المزايا الرقمية، فقد تستخدمها لتكثيف رقابتها على النشطاء والمعارضين. لا ننسى أن ثلاثة أرباع الفلسطينيين كانوا أصغر من السن القانوني للإدلاء بأصواتهم في آخر انتخابات فلسطينية حرة سنة 2006.

ورغم أن الفلسطينيين لهم مطالب مشروعة معترف بها دوليًا للاستقلال، إلا أنهم يفتقرون إلى حكومة ديمقراطية تمثلهم فعليا. لذلك، فإن حماية السيادة الرقمية تقع في المقام الأول على عاتق الشعب الفلسطيني نفسه، ويجب منحه القدرة على اتخاذ الإجراءات القانونية الضرورية لحماية حقوقه.

إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جذرية، فإن المستقبل يبدو قاتما. لطالما كانت منصات التواصل الاجتماعي حليفا للنشطاء والمستضعفين، لكن بالنسبة لقضية تقرير المصير للشعب الفلسطيني، يبدو أن العكس هو الصحيح حاليا.

أنشأت الحكومة الإسرائيلية آليات فعالة لقمع المحتوى الفلسطيني، وفي سعيها لتقليل المخاطر القانونية والسياسية، تكفلت شركات التكنولوجيا بالباقي. نتيجة لذلك، أصبحت المساحة الرقمية المتاحة للقضية الفلسطينية ضيقة للغاية، حتى في ظل تزايد عدد الفلسطينيين المتصلين بشبكة الإنترنت أكثر من أي وقت مضى.

المصدر:  فورين بوليسي