مساعي سعيد متواصلة لإخضاع القضاء

مساعي سعيد متواصلة لإخضاع القضاء

ليلة 25 يوليو/تموز الماضي، أكد الرئيس التونسي أنه سيضع يده على القضاء إلى جانب تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة. ظن سعيد أن الأمر سهل، لكن السيطرة على القضاء لم تكن سهلة، فقد رفض القضاة إخضاع سلطتهم المحمية بموجب الدستور ولكيلا تعود تونس إلى عهد ما قبل الثورة، زمن "قضاة التعليمات".

لم يتوقف الرئيس التونسي عند هذا الحد، فمساعي السيطرة على القضاء المدني متواصلة، رغم تأكيد القضاة المتكرر على استقلاليتهم وكونهم سلطةً لا تتبع لأحد ولا قوة تعلُو عليها إلا قوة القانون وسلطته. مساعي سعيد تُخفي ورائها أهدافًا عدةً، فصحيح أنه يُريد تدجين القضاء وتطويعه، لكن هل هذا فقط هدفه؟

مساعي السيطرة متواصلة

يبدو أن الرئيس قيس سعيد غير راضٍ عن نتائج قراراته الانقلابية نهاية يوليو/تموز الماضي، فهو إلى الآن يسعى للسيطرة على القضاء والتشكيك في عمل البرلمان وتشويه العديد من الشخصيات والأحزاب وتوجيه التهم إليهم دون يقدم بين يدي ذلك إثبات أو دليل.

هذه المرة ركز خطابه على القضاء، محاولًا بكل جهده التشكيك في عمل الجهاز وتشويهه، ومن جملة ما قاله أمس إن القضاء وظيفة وليس سلطة قائمة بذاتها مستقلة عن الدولة، ففي عهد سعيد لا وجود لثلاث سلطات مستقلة عن بعضها بل توجد سلطة واحدة تحت يديه فقط.

جاء ذلك، خلال استقباله كل من يوسف بوزاخر رئيس المجلس الأعلى للقضاء ومليكة المزاري رئيسة مجلس القضاء العدلي وعبد السلام مهدي قريصيعة الرئيس الأول للمحكمة الإدارية ومحمد نجيب القطاري رئيس مجلس القضاء المالي، وأضاف سعيد أن القرارات والأحكام تصدر باسم الشعب التونسي.

لا يُعتبر استغلال القضاء التونسي لأغراض سياسية وليد اليوم، فقد بدأ مع دولة الاستقلال

مساعي السيطرة على القضاء تظهر من خلال تأكيده المتكررة على أنه لا يوجد أحد فوق القانون مهما كان موقعه ومهما كانت ثرواته، إذ شدد في لقائه الأخير مع القضاة على أن النيابة العامة يجب أن تؤدي دورها، مضيفًا "من غير المقبول إطلاقًا أن يتم التحريض على الانقلابات وعلى إنشاء ميليشيات ويبقى المحرّضون في الداخل والخارج دون أي ملاحقة جزائية".

في حديثه أمس مع ممثلي القضاة، ركز سعيد على النزاعات الانتخابية، فقد أكد أن التقرير الذي وضعته محكمة المحاسبات والخاص بالانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة لا يمكن أن يظل دون أثر بل يجب ترتيب النتائج القانونية عليه في مستوى صحة الانتخابات، واعتبر سعيد أن كل التشريعات التي وضعها مجلس النواب "لا شرعية ولا مشروعة"، مستشهدًا في نفس الوقت بإحدى مواد القانون الانتخابي التي تمنع التمويل الأجنبي.

هو لا يستطيع حل البرلمان، لذلك يعمل على إسقاط قوائم عديدة حتى يتخلص منه ويقول إن الأمر تم بصفة قانونية، ويأمل سعيد أن يخضع القضاء لضغوطاته ويُسقط قوائم حركة النهضة رغم أنه لم يثبت تلقيها أي أموال أجنبية خلال الانتخابات الأخيرة أو خارجها.

خدمة لمصالحه

يسعى سعيد للضغط على القضاء لإخضاعه لسلطته هو، فهو يرى أن السبيل للتخلص من البرلمان يتمثل في إسقاط بعض القوائم، حتى إن لم يثبت القضاء صحة الادعاءات الموجه لها، فجزء من تقرير دائرة المحاسبات كافٍ للإدانة ولا فائدة من مواصلة إجراءات التقاضي.

يرى سعيد أن البرلمان وإن كان مجمدًا ما زال حجر عثرة أمام إرساء برنامجه الغريب على أرض الواقع، خاصة أن مجلس نواب الشعب التونسي ما زال معترفًا به في كل الدول ويمثل تونس في العديد من المناسبات آخرها اجتماع برلمانات العالم في العاصمة الإسبانية مدريد.

يحاول سعيد جاهدًا إثبات أن البرلمان سبب كل مشاكل تونس، ناسيًا دوره كرئيس في تأزيم الوضع في البلاد طيلة فترة حكمه، ناسيًا أيضًا دوره في تشكيل الحكومات التي جاءت بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2019، فإلياس الفخفاخ وهشام المشيشي كانا باقتراحات منه، حتى أغلب الوزراء كانوا من جماعته.

يخشى سعيد فتح تحقيق جدي في التهم الموجهة ضده، لذلك يستبق الأمر ويضغط على القضاة ويشكك في عملهم

كانت مهمة البرلمان تشريعية، لكن مهمة الرئيس والحكومة تنفيذية، ومع ذلك لم ينفذ سعيد التعهدات التي تعهد بها للتونسيين، فحتى لقاحات فيروس كورونا وضعها جانبًا ولم يأمر باستخدامها إلا بعدما أقال الحكومة، حتى يخرج على التونسيين في ثوب المنقذ.

هدف سعيد من وراء الضغط على القضاء وتعدي السلطة التنفيذية على السلطة القضائية وسلطات المحاكم، ليس إسقاط البرلمان فقط، بل أيضًا استغلاله للتنكيل بخصومه السياسيين وتوظيفه لخدمة أجنداتها السياسية.

لا يُعتبر استغلال القضاء التونسي لأغراض سياسية وليد اليوم، فقد بدأ مع دولة الاستقلال، إذ عمل الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة على إخضاع القضاء لسلطته بهدف الانفراد بالحكم وإضعاف خصومه الذين تعددت توجهاتهم، نفس الأمر بالنسبة للرئيس الراحل زين العابدين بن علي الذي كرس القضاء لضرب خصومه السياسيين على رأسهم الإسلاميون.

الخوف من المحاسبة

لكن من المهم جدًا الحديث عن خشية الرئيس قيس سعيد من القضاء، فالرئيس التونسي يخاف المحاسبة، خاصة أنه لم يترك مخالفة إلا وارتكبها، فقد تعدى على الدستور الذي أقسم على حمايته وخان العهود التي قدمها للتونسيين، فضلًا عن اعتماده تشويه الخصوم وسبهم وثلبهم دون دليل.

ليس هذا فحسب، فسعيد يخشى أن يفتح القضاء ملف حملته الانتخابية، خاصة أن تقرير محكمة المحاسبات بشأن رقابة الحملات الانتخابية في انتخابات سنة 2019 وبالخصوص الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، كشف وجود 30 صفحة غير رسمية لفائدة حملة قيس سعيد بها 3.045.566 مشترك، تضم 120 مشرفًا (85 من تونس و24 من فرنسا و2 من الولايات المتحدة).

نتذكر قول المدير التنفيذي لحزب ''الشعب يريد'' نجد الخلفاوي، في تصريح لوسائل إعلام تونسية، بعد أشهر من فوز سعيد بالرئاسة، إن دولة أجنبية مؤثرة دعمت حملة قيس سعيد في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الماضية، وأكد الخلفاوي ''لولا هذا الدعم لما كان قيس سعيد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية''، لكن يبدو أن الرئيس قيس سعيد نسي هذا الأمر أو تغافل عنه.

يمكن التذكير أن القانون الانتخابي التونسي يعتبر تلقي أو البحث عن دعم أجنبي جريمة انتخابية يعاقب عليها القانون، ويجبر الأحزاب والجمعيات على كشف حساباتها المالية ومصادر تمويلها، ويمكن لهيئة الانتخابات في حال ثبوت التهمة إسقاط المرشح المُدان لخرقه القانون الانتخابي.

ويمنع القانون الانتخابي التونسي أيضًا استخدام الصفحات الفيسبوكية الممولة (أي التي يتم دفع أموال لشركة فيسبوك حتى تمكنهم من الدعاية الانتخابية والوصول إلى أكبر عدد من التونسيين للتأثير عليهم في عملية التصويت)، باعتبار أن هذه الممارسة تدخل في إطار التمويل الأجنبي الذي يمنعه القانون الانتخابي التونسي.

يخشى سعيد فتح تحقيق جدي في إجراءاته الاستثنائية ومخالفات عديدة قد تدينه، لذلك يستبق الأمر ويضغط على القضاة ويشكك في عملهم، فإن استجابوا له فهم وطنيون يحبون الخير لتونس وإن رفضوا ضغوطاته وعملوا بموجب القانون فهم خونة في نظره.