قفزت خلال الأيام الماضية من جديد قضية اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في لبنان إلى واجهة الأحداث والتطوّرات، على خلفية القرار الذي اتخذه وزير العمل اللبناني، مصطفى بيرم، وسمح بموجبه للاجئين بمزاولة بعض المهن والأعمال التي كانت ممنوعة عليهم.

غير أن هذا القرار أثار حفيظة بعض الشخصيات والقوى السياسية اللبنانية على خلفية عنصرية من ناحية واستغلالية من ناحية ثانية، فقامت بحملة إعلامية سياسية ضده في محاولة لثنيه عن قراره أو تفريغ القرار من مضمونه، وفي أفضل الحالات استغلال هذا القرار من أجل استثارة هواجس أو "خلقها" عند بعض المكوّنات، تحت عنوان الحقوق الوطنية أو الطائفية أو المذهبية في بلد يقوم نظامه السياسي على التوزيع الطائفي والمذهبي، ومن ثم استغلال قلق وهواجس الناس في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة مطلع العام القادم.

اللاجئون وسوق العمل اللبناني

يستضيف لبنان أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين بسبب احتلال الكيان الاسرائيلي لفلسطين المحتلة اعتبارًا من العام 1948، وتهجير قسم كبير من أهالي فلسطين إلى البلدان المجاورة ومنها لبنان، حيث استقبل أعدادًا من أهالي شمال فلسطين المحتلة الذين توزّعوا في حينه على مخيّمات أُنشئت خصيصًا لهم، وأبرزها وأهمّها مخيم عين الحلوة بالقرب من مدينة صيدا والذي يُعدّ عاصمة الشتات الفلسطيني، فضلًا عن مخيمات أخرى في بيروت وصور وطرابلس والبقاع.

وقد بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حوالي 400 ألف لاجئ في وقت من الأوقات، غير أن هذا الرقم تراجعَ كثيرًا في السنوات الأخيرة بسبب الحالة البائسة وشبه الحصار الذي يعيشه اللاجئون في المخيمات، وبسبب الإجراءات المجحفة بحقّهم والتي تمنعهم من العمل في أغلب القطاعات، وقد أدّى ذلك إلى هجرة آلاف العائلات الفلسطينية من لبنان إلى أوروبا وأميركا ودول الخليج.

وأظهر آخر إحصاء رسمي لبناني فلسطيني أجرته الدوائر المعنية في لبنان منذ أكثر من سنتين، أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان داخل المخيمات وخارجها لا يتجاوز في أحسن حالاته 175 ألف لاجئ، وما من شكّ أن الأزمة الاقتصادية العاصفة التي يعيشها لبنان منذ أكثر من عامين تقريبًا، أدّت إلى موجة هجرة أخرى للبنانيين والفلسطينيين والسوريين من لبنان، وبالتالي من المؤكّد أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تراجع حتى عن رقم 175 ألف. 

أمّا بالنسبة للاجئين السوريين الذين هجّرتهم الحرب الأخيرة التي عصفت بسوريا، جرّاء استخدام النظام الحل الأمني والعسكري لقمع ثورة الشعب السوري، فإن مفوضية اللاجئين سجّلت في وقت سابق وجود قرابة مليون لاجئ سوري في لبنان عدا الأعداد غير المسجّلة، وهم يتوزّعون على مخيمات عشوائية في شمال لبنان وفي منطقة البقاع الشمالي والأوسط، وفي منطقة حاصبيا ومرجعيون قرب الحدود السورية من جنوب لبنان، فضلًا عن انتشار واسع خارج المخيمات في أغلب المدن اللبنانية.

هناك أعداد كبيرة من العمّال المصريين الذين يعملون في قطاع محطات الوقود، والهنود والبنغلاديشيين والسريلانكيين الذين يعملون في قطاع جمع وكنس القمامة.

وأما عن سوق العمل الذي يعمل فيه اللاجئون، فإنه من المعروف أن اللاجئ الفلسطيني المقيم في مخيمات صيدا وصور يعمل بشكل أساسي في بساتين الحمضيات المنتشرة على الساحل اللبناني، فضلًا عن أعمال أخرى يمكن أن يزاولها أي لاجئ خارج الإطار المسموح به قانونًا، كالعمل في محلات السمانة أو الميكانيك أو غيرها من الأعمال المتواضعة، في حين يتركّز عمل اللاجئ السوري بشكل أساسي في قطاع البناء والزراعة. 

والجدير ذكره أننا عندما نتحدث عن أعداد اللاجئين، فإننا نتحدث عن عائلات ولا نتحدث عن أفراد، بمعنى آخر ليس كل هذه الأعداد منخرطة في سوق العمل اللبناني، بل جزء منها من القوى المستهلكة.

كما تجدر الإشارة إلى أن هناك أعدادًا كبيرة من العمّال المصريين الذين يعملون في قطاع محطات الوقود، والهنود والبنغلاديشيين والسريلانكيين الذين يعملون في قطاع جمع وكنس القمامة، وأعداد كبيرة من الإثيوبيات والفلبينيات والسريلانكيات العاملات في المنازل، وأعداد هؤلاء في هذه القطاعات لا يقلّ عن أعداد العاملين من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين.

والفارق أن هؤلاء المذكورين يرسلون ما يجنونه من أموال إلى ذويهم في الخارج، ما يشكّل نزيفًا من الدورة الاقتصادية اللبنانية، في حين أن اللاجئين الفلسطينيين والسوريين ينفقون ما يجنونه داخل لبنان كجزء من الدورة الاقتصادية العادية، فضلًا عن أنهم يرفدون هذه الدورة بما يصلهم من منح مالية من الهيئات والمنظمات الراعية للجوء. 

قانون العمل اللبناني

لقد حرم القانون اللبناني ابتداءً اللاجئ الفلسطيني بشكل أساسي من حقّ التملُّك، فهو لا يستطيع أن يتملّك مسكنًا في لبنان تحت عنوان رفض التوطين والقلق منه، في حين أنه بإمكان الفرنسي أو الأمريكي أو صاحب أية جنسية أن يتملّك مسكنًا في لبنان، وقد لجأ بعض اللاجئين الفلسطينيين ممّن حصل على جنسية أوروبية أو غيرها إلى تملُّك مسكن له أو لذويه من خلال الجنسية التي اكتسبها، فهو محروم كلاجئ فلسطيني من حق التملُّك.

كما أن اللاجئ السوري محروم من حق العمل في الوظائف العامة التي تعود للدولة، فهذا القطاع حكر على اللبنانيين، بل بالأصحّ حكر على أزلام السلطة الممسكة بالقرار في البلد، كما أن هناك قطاعات أخرى ممنوعة على اللاجئ كالعمل في مهن الصيدلة والهندسة والطب والمحاماة وغيرها من المهن الحرّة التي تديرها النقابات، أيضًا محروم من مهن أخرى لا تتبع لنقابات وهي غير عامة.

وكل هذا يجري تحت عنوان رفض التوطين، وحتى لا يتحوّل اللاجئ الفلسطيني إلى مواطن لبناني، مع أنه بالمعنى الاقتصادي والمالي والاجتماعي هو مواطن لبناني لأن الكثير من أبناء اللاجئين وُلدوا في لبنان ودرسوا في مدارسه وعاشوا جوار اللبنانيين، حتى بات هناك امتزاج كبير على مستوى المصاهرة بين اللبنانيين والفلسطينيين. 

أمّا فيما يخصّ القرار الذي اتخذه وزير العمل اللبناني، فقد سمح لهم بالعمل في أكثر من 70 مهنة، كالطب والصيدلة والهندسة والمحاماة ورئاسة تحرير الصحف وغيرها، وقد كانت هذه المهن تحديدًا محرّمة عليهم قبل القرار، ما ترك جوًّا من الارتياح في أوساط اللاجئين.

وأكّد الوزير مصطفى بيرم أن القرار جاء ليلبّي الحاجة الإنسانية من ناحية، وتأمين مستلزمات سوق العمل من ناحية ثانية في ظل الهجرة التي تجري من لبنان للأدمغة بسبب الضائقة الاقتصادية والمالية، وفقدان الليرة اللبنانية لأكثر من 90% من قيمتها أمام العملات الأجنبية الأخرى. 

حملة تشكيك واستغلال سياسي

فور أن أعلن وزير العمل عن إصدار قرار السماح للاجئين الفلسطينيين بالعمل في هذه القطاعات، انطلقت حملة تشكيك بالقرار واتهام للوزير بالعمل على توطين الفلسطينيين، وقادَ هذه الحملة بشكل أساسي رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، الذي اعتبر أنّ القرار عبارة عن توطين مقنّع للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وحرمان اللبناني من فرص عمل لصالح اللاجئ، وشاركَ في هذه الحملة شخصيات سياسية أخرى أقلّ وزنًا ووسائل إعلام مسحوبة على هذا الجو. 

خطوة وزير العمل جيدة، على أن الأفضل والأحسن أن يبادر المجلس النيابي إلى سنّ قانون يسمح بذلك مرة واحدة وإلى الأبد

في المقابل، رحّبت قطاعات واسعة من القوى السياسية اللبنانية بالقرار، واعتبرته خطوة بالاتجاه الصحيح، ووضعت بعض القوى اللبنانية تصريحات النائب باسيل في إطار التحريض من أجل استثارة الرأي العام المسيحي تحديدًا، من أجل استغلاله في الانتخابات النيابية المقبلة بعد إخافته و"خلق" هواجس لديه من هذه الخطوة، واعتبرت هذه القوى أن هذا التصرف رخيص من قبل النائب باسيل، ويعبّر عن عنصرية دفينة تجاه اللاجئ الفلسطيني في لبنان. 

من جهتها رحّبت الفصائل الفلسطينية بالقرار، وشدّدت من جديد على رفض التوطين في لبنان، وعلى التمسُّك بحق العودة إلى فلسطين المحتلة، وأن جُلّ ما تريده وتتمناه في لبنان هو الحصول على الحقوق المدنية المشروعة التي تجعل اللاجئ يعيش بكرامة ليس إلّا. 

على كل حال، يعدّ قرار وزير العمل بالسماح للاجئين بالعمل في قطاعات كانت محرّمة عليهم خطوة جيدة، على أن الأفضل والأحسن أن يبادر المجلس النيابي إلى سنّ قانون يسمح بذلك مرة واحدة وإلى الأبد من أجل منع الاستغلال الرخيص كل مرة لهذا الموضوع، ومن أجل الانتهاء من العنصرية البغيضة التي تحرّك بعض الشخصيات المسكونة بحب الزعامة ولو على حساب القيم والحقوق.