مشجّعون سعوديون يحضرون حفل الموسيقى الإلكترونية MDL Beast Fest في بنبان بضواحي العاصمة السعودية الرياض عام 2019.

مشجّعون سعوديون يحضرون حفل الموسيقى الإلكترونية MDL Beast Fest في بنبان بضواحي العاصمة السعودية الرياض عام 2019.

ترجمة حفصة جودة

سيشهد المجال الجوي فوق مطار الرياض في المملكة العربية السعودية تدفُّق الطائرات الخاصة من لندن وبرلين ولوس أنجلوس في الفترة ما بين 16 و19 ديسمبر/ كانون الأول.

لن يكون هناك رجال أعمال أو موظفون ملكيون على متن هذه الطائرات، بل أكثر من 200 منسق أغانٍ وموسيقيين يرتدون ألوانًا مبهجة، حجزوا للعزف في Soundstorm، مهرجان الموسيقي الإلكترونية الذي يمتدُّ لـ 4 أيام، والذي قال عنه نشطاء حقوق الإنسان إنه جزء من حملة السلطات السعودية لتبييض سمعتها الدولية.

يقول هاشم هاشم، الناشط الإقليمي من منظمة العفو الدولية والمقيم في بيروت: "بعد حملة القمع الوحشية ضد النشطاء ومدافعي حقوق النساء وقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، تلقّت صورة السعودية ضربة تلو الأخرى، إنهم يحاولون جذب الأجانب بالظهور بمظهر المملكة التقدمية، لقد شهدنا أيضًا حفلات موسيقية وبطولة العالم لسباق السيارات Formula 1، وبطولات الغولف وأحداث رياضية أخرى".

باستخدام أضواء الليزر والكثير من أجهزة مكبّرات الصوت وآلات الدخان وكرات الديسكو العملاقة، سيبدو المهرجان كمشهد أقرب لحشود حفلة في الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا عنه في السعودية، ويكلّف تصريح الدخول لـ 4 أيام 399 ريالًا سعوديًّا (حوالي 106 دولارات).

العديد من عشاق موسيقى الـ Underground يتوقعون مبادئ معيّنة من منسقي الأغاني المفضّلين لديهم.

وقع أول حدث مشابه عام 2019، عندما حضر 400 ألف شخص المهرجان الموسيقي الراقص MDL Beast وفقًا للأرقام الرسمية، حيث تعرّض الفنانون والمؤثرون الذين حصلوا على أموال للترويج للمهرجان لانتقاد شديد.

هذا العام -مثل عام 2019- سيعزف معظم الفنانين في ما يُشار إليه على نطاق واسع بـ EDM scene، حيث يعزف منسّقو أغانٍ من أصحاب الملايين، مثل دافيد غيتا وتييستو، ريمكسات الهيب هوب بسرعة وإيقاع عاليَين كما هو شائع في الولايات المتحدة.

لكن هناك 30 منسق أغانٍ على الأقل من فئة الموسيقى الإلكترونية المسماة بـ Underground، وهو مصطلح يُستخدم لوصف موسيقى الهاوس والتكنو المسموعة بشكل متكرر في النوادي وحفلات المستودعات عبر أوروبا.

يرى أتباع هذه الموسيقى أنها من أنقى وأكثر أنواع موسيقى الرقص ذوقًا، لكنها تناسب رواد النوادي المنوَّمين مغناطيسيًّا في الحفلات الليلية الطويلة، إلى جانب هذه الأصوات البارعة هناك التزام بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وفقًا لعشّاق هذا الفن.

وعلى عكس منسّقي الأغاني من EDM scene، فإن العديد من عشّاق موسيقى الـ Underground يتوقعون مبادئ معيّنة من منسقي الأغاني المفضّلين لديهم، وهناك أمثلة كثيرة على أسماء معروفة في موسيقى الهاوس والتكنو التي نُبذت بسبب تصريحات جنسية أو معادية للمثليين، وقد قاطع العديد من الفنانيين المعروفين "إسرائيل" وتحدّثوا بشكل علني عن الظلم العالمي.

ترجع أصول موسيقى الهاوس والتكنو إلى مجتمعات السود والغيريين (الكوير)، الذين طوّروا هذه الأساليب في الحفلات الصاخبة في شيكاغو وديترويت ونيويورك في الثمانينيات والتسعينيات.

الحجز في مهرجان Soundstorm أوضح الفجوة الكبيرة بين القيم التي يحملها الكثيرون في تلك المسارح وأفعال كبار منسقي الأغاني.

بعد عقود من ذلك، لا تزال مسارح موسيقى الـ Underground الإلكترونية -بالنسبة إلى الكثير- مكانًا للتحرُّر الشخصي وحرية التعبير، فالعديد من أشهر منسقي أغانيها هم غيريون (كوير) بشكل علني، وأشهر نواديهم Berghain هو نادٍ للمثليين، ويستخدم مئات من هؤلاء الفنانين -بعضهم مشارك في الحفلة السعودية- وسائل التواصل الاجتماعي للانتصار لقضايا مثل النسوية ومناهضة العنصرية وحقوق مجتمع الميم.

عام 2020، استخدمت منسقة أغاني التكنو البلحيكية شارولت دي ويت -التي ستعزف في المهرجان السعودي- تويتر لإدانة العنف ضد المرأة في تركيا؛ في العام نفسه طلبَ لي بوريدج -منسق أغانٍ حجزَ أيضًا في المهرجان- من متابعيه التضامن والتعاطف مع المحتاجين في منشور طويل على فيسبوك، كما تتحدث منسقة الأغاني نينا كرافيز باستمرار عن حقوق المرأة.

هناك الكثير من الأمثلة على ذلك، لكن الحجز في مهرجان Soundstorm أوضح الفجوة الكبيرة بين القيم التي يحملها الكثيرون في تلك المسارح وأفعال كبار منسقي الأغاني.

تقول أنابيل روس، صحفية موسيقية تكتب عن التحيُّز والانتهاك الجنسي: "من المؤلم أن يقبل أشخاص من موسيقى الـ Underground المال من حكومة مسؤولة عن عدد من أفظع انتهاكات حقوق الإنسان في العالم".

دمى الملكية

دافع أحد منسقي الأغاني -مشارك في المهرجان- عن قراره، حيث قال إن مجموعته الموسيقية قد تلعب دورًا في تغيير المملكة المحافظة، فقد كتب جيف ميلز -منسق موسيقى التكنو- في منشور فيسبوك تمَّ حذفه: "وجود هذا الحدث الضخم ودعوة منسقي الأغاني للعزف دون قيود قد يصنع فارقًا".

بالمثل، تحدّثت الإعلامية الأسترالية المخضرمة، ستيسي بيغوت، بشكل إيجابي عن الفنانيين الدوليين الذين سيذهبون إلى السعودية، واعتبرت أن هذا طريقة لتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة.

الرسالة التي سيقدّمها الحدث هي الرسالة التي ترغب المملكة في توصيلها وليس التي يرغب منسقو الأغاني في عرضها.

وأضافت: "هناك ملايين من عشاق F1 الذين لا يعلمون أي شيء عن انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة حتى هذا الأسبوع، هذا الوعي أمر جيّد للنشطاء"، لكن نشطاء حقوق الإنسان قالوا إن منسقي الأغاني الذين سيعزفون في السعودية هم ببساطة دمى الملكية.

قالت دعاء دهيني، الباحثة في المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان (ESOHR): "الرسالة التي سيقدمها الحدث هي الرسالة التي ترغب المملكة في توصيلها، وليس التي يرغب منسقو الأغاني في عرضها".

كشفت الباحثة أن السعودية نفّذت 64 حكم إعدام في عام 2021، وهو ضعف عدد العام الماضي، 8 منهم على الأقل اتُّهموا بالخيانة العظمى أو جرائم سياسية مزعومة، من بينهم مصطفى الدرويش الذي أُعدم في الـ 26 من عمره لمشاركته في مظاهرات مناهضة للحكومة عندما كان عمره 17 عامًا، وتضيف دهيني: "أفضل طريقة للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية عدم الذهاب إليها، هذا ما تطالب به جماعات حقوق الإنسان".

انفجرت رنا أحمد -ناشطة سعودية ومؤلفة فرَّت إلى ألمانيا- من الضحك عندما سمعت الاقتراح القائل بأن منسقي الأغاني قد يكونون مسؤولين عن أي نوع من التغيير الاجتماعي في البلاد.

وتقول: "يستطيع محمد بن سلمان أن يدفع أي قدر من المال لأي أحد ليعزف الموسيقى أو يلعب رياضة، ناشطات حقوق المرأة يتعرّضن للاغتصاب في السجون لكن الزوّار لن يسمعوا ذلك من الحكومة، ثم يعتقدون أنهم سيساعدون المجتمع السعودي؟ إنه أمر محزن".

قد تدفع المملكة للفنانين رسومًا تبلغ 3 أضعاف رسومهم المعتادة.

في يوليو/ تموز، نشرت هيومن رايتش ووتش تقريرًا يسلّط الضوء على حجم التعذيب الذي عانى منه السجناء السياسيين في السجون السعودية، وقدّم التقرير أدلة على تعرُّض سجناء -مثل الناشطة لجين الهذلول- لمعاملة عنيفة من بينها الصعق بالكهرباء والضرب والجلد والتهديدات الجنسية، وكانت الهذلول قد خرجت من السجن في شهر فبراير/ شباط بعد 3 سنوات في السجن لكنها ما زالت ممنوعة من السفر.

قانون الصمت النادر

تواصلت "ميدل إيست آي" مع أكثر من 10 منسقي أغانٍ سيعزفون في المهرجان للتعليق، لكنهم إما رفضوا اللقاء وإما لم يعلّقوا إطلاقًا؛ في الظروف المعتادة يردّ هؤلاء الفنانون أو ممثلوهم عن الاستفسارات الترويجية في غضون ساعات، حيث يكونون متحمسين للترويج لحفلتهم القادمة.

لا يقضي منسقو الأغاني في مسارح الـ Underground أيامهم محاطين بالمرافقين الشخصيين، فأي شخص ذهب إلى نوادي برلين أو لندن لعدة سنوات يستطيع أن يحصل على رقم منسق الأغاني من أصدقاء الأصدقاء، لا يعكس ذلك وضعهم كأسماء مألوفة بل كمنسقين مناسبين اختارهم منسقو برنامج الحفل السعودي المعتادين على مسارح الـ Underground في أوروبا وأمريكا.

تُعرَف المملكة العربية السعودية بتقديمها رواتب عالية معفاة من الضرائب للعاملين الذين يقضون عامًا أو عامين في العمل بالمشاريع الثقافية في المملكة، لكن موريزو شميتز -وكيل حجز لبعض منسقي الأغاني- رفضَ التعليق على الأمر، كما لم يردَّ ألكيس جوكس الذي تمثّل وكالته الإعلامية شارلوت دي ويت، ووكالة Temporary Secretary التي تمثل ديكسون وموف دي، كما حُذفت العديد من منشورات جيف ميلز التي تردُّ على الانتقادات على فيسبوك.

لا تعلم رنا أحمد -الناشطة السعودية- إذا ما كان هؤلاء الفنانون قد وقّعوا على اتفاقيات بعدم الحديث، لكن من المحتمل أن تمنعهم عقودهم من الذهاب إلى أي مكان في الرياض دون مرافقيهم الحكوميين الرسميين.

لا يمكن سماع أصوات السعوديين الحقيقية لأن مدافعي حقوق الإنسان في السجن.

وتضيف: "لا يُسمح للزوار بالتواصل مع الأشخاص العاديين داخل المملكة، يتواصلون فقط مع العاملين في الحكومة".

الأموال المدفوعة

من المحتمل أن يكلِّف عرض المهرجان -الذي تموّله هيئة الترفيه العامة السعودية- ملايين الدولارات، ووفقًا لما قاله وكيل حجز في برلين -معتاد على هذا المجال- فإن المملكة قد تدفع للفنانين رسومًا تبلغ 3 أضعاف رسومهم المعتادة.

قدّر الوكيل أن منسقي أغانٍ أوروبيين، مثل ديكسون ونينا كرافيس وأميلي لينس، يحصلون على 28,138 دولارًا في عرض مدّته ساعتَين، وقد تستفيد وكالات الحجز من جيوب المملكة الممتلئة لمضاعفة رسوم فنانيهم وزيادة العمولة التي يحصلون عليها بنسبة 15%.

قد يحصل منسّقو الأغاني الأقل شهرة على القائمة، مثل موف دي وتوماس ميلكيور، في النوادي الأوروبية على أقل من 2,250 دولارًا، لذا ربما اعتبروا هذه الحفلة في المملكة كيوم من الربح السريع.

رفضَ نجوم من مجالات أخرى عروضًا للظهور في المملكة بمبالغ أكبر بكثير، فقد انسحبت نيكي ميناج من عقد قيمته 1.5 مليون دولار بعد ضغط جماعات حقوق الإنسان، كما رفضت عارضة الأزياء إميلي راتاجكوسكي دعوة مدفوعة للظهور في حفل MDL Beast عام 2019.

تبرّعت منصة Resident Advisor -منصة إلكترونية شهيرة لأخبار وأحداث الموسيقي الإلكترونية- بجميع المبالغ التي حصلت عليها من الحملة الإعلانية لحفل MDL Beast، عام 2019، لصالح لجنة الصليب الأحمر الدولية، وقدرها 33762 دولارًا.

تقول دهيني: "إن المشاركة في مثل هذا المهرجان يعني توصيل صوت وصورة الحكومة السعودية حتى لو كنت تعتقد أنك توصل شيئًا مختلفًا، فأنت مدعو من قبل الحكومة السعودية وليس السعوديين، لا يمكن سماع أصوات السعوديين الحقيقية لأن مدافعي حقوق الإنسان في السجن".

المصدر: ميدل إيست آي