تستمر زيارة تبون لتونس يومَين (أرشيفية)

تستمر زيارة تبون لتونس يومَين (أرشيفية)

يصلُ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اليوم إلى تونس، في زيارة رسمية تستمرُّ ليومَين، يلتقي خلالها الرئيس التونسي قيس سعيّد، وهي الزيارة الخارجية الثانية للرئيس الجزائري منذ توليه الحكم نهاية عام 2019، حيث سبقتها زيارته الأولى في فبراير/ شباط 2020 إلى المملكة العربية السعودية.

زيارة من شأنها أن تقدِّمَ دعمًا دبلوماسيًّا كبيرًا لسعيّد، في ظل العزلة التي يعيشها منذ انقلابه الدستوري ليلة 25 يوليو/ تموز الماضي وتجميد البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، فضلًا عن الدعم الاقتصادي، إذ تزامنت الزيارة مع تقديم الجزائر قرضًا لتونس بقيمة 300 مليون دولار، لكن لسائل أن يسأل عن ماهية أهداف تبون من الزيارة.

جرعة أمل لسعيّد

تندرج هذه الزيارة، وفق الرئاسة الجزائرية، في إطار "تمتين علاقات الأُخوّة المتجذِّرة بين الشعبَين الشقيقَين وتوسيع مجالات التعاون والارتقاء به إلى مستوى نوعي يجسِّد الانسجام التام والإرادة المشترَكة لقيادتَي البلدَين وشعبيهما".

فيما قالت الرئاسة التونسية إن الزيارة "ستشكّل مناسبة متجدّدة لمزيد تعزيز روابط الأُخوّة التاريخية وعلاقات التعاون والشراكة، وترسيخ سنّة التشاور والتنسيق القائمة بين القيادتَين في البلدَين حول القضايا الإقليمية والدولية الراهنة".

وتمثل زيارة تبون جرعة أمل لقيس سعيّد بعد توسُّع دائرة معارضي إجراءاته في الداخل والخارج، ففي الداخل لم يعد يدعمه إلا بعض "الدكاكين الحزبية" التي تبتغي امتيازات من وراء هذا الدعم، وحتى ثقة أنصاره تراجعت بعد تيقُّنهم من عدم وجود أي تغيير مرتقب.

خارجيًّا يعيش سعيّد في عزلة منذ توليه كرسي الرئاسة نهاية عام 2019، وزادت هذه العزلة عقب انقلابه الدستوري وعلى مؤسسات الدولة ليلة 25 يوليو/ تموز الماضي، فلا يوجد أي نظام داعم له، حتى الإمارات والسعودية اللتين كانتا من أوائل المهلّلين لإجراءات سعيّد سرعان ما تراجعتا وأبدتا بعض التحفُّظ.

تحقّقت بعض أهداف قيس سعيّد، فماذا عن أهداف عبد المجيد من وراء هذه الزيارة التي جاءت بعد تأجيل متكرر؟

زيارة تبون لتونس تمثِّل جرعة أمل لسعيّد، ذلك أنها حملت معها قرضًا بقيمة 300 مليون دولار، في وقت تواجه فيه البلاد أسوأ أزمة مالية منذ استقلالها عام 1956، نتيجة الأزمة السياسية التي تسبَّب فيها سعيّد، إذ تجدُ الحكومة التونسية صعوبة في الاقتراض من الخارج لتعثُّر مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي بخصوص برنامج إصلاح اقتصادي، وخفضًا متواليًا للتصنيف السيادي للبلاد.

كما تجد صعوبة أيضًا في الاقتراض من السوق المحلية، بعدما ارتفع حجم اقتراضها الداخلي عام 2021 إلى 8.1 مليار دينار (نحو 2.8 مليار دولار)، من 5.5 مليار دينار (1.89 مليار دولار) مقدَّرة في قانون الموازنة بداية العام.

وسبق أن دعا الرئيس قيس سعيّد التونسيين إلى التوجُّه نحو آلية "التقشف"، ودعاهم أيضًا إلى معاضدة جهود نظامه والتبرُّع لميزانية الدولة، رغم أنه أكّدَ في بداية انقلابه أن تونس غنية وأن البرلمان سبب المصائب وبزواله تزول مصائب البلاد.

تحجيم دور الإمارات

تحقّقت بعض أهداف قيس سعيّد، فماذا عن أهداف عبد المجيد من وراء هذه الزيارة التي جاءت بعد تأجيل متكرِّر؟ تُعتبَر هذه الزيارة دعمًا صريحًا ومباشرًا من تبون لسعيّد، بعد أشهر من مسك العصا من الوسط، لكن لماذا هذا التحول؟

من الواضح أن تبون يخشى أن تجبرَ الأزمة الاقتصادية لتونس الرئيسَ قيس سعيّد إلى الذهاب نحو المحور الإماراتي لطلب المساعدة، حتى يموِّل ميزانية الدولة الفارغة ويسكت الشباب الغاضب والرافض لإجراءاته الانقلابية.

زيارة تبون لسعيّد تؤكد أهمية تونس للجزائر وخشية نظامها من سقوطها في يد الحلف الإماراتي، وقد ظهر هذا خاصة في تنسيق الجزائر الكبير مع تركيا في هذا الموضوع، حيث يُذكر أنه كان للطرفَين الجزائري والتركي نفس خريطة الطريق بليبيا للوقوف ضد التمدُّد الإماراتي تحت لواء ميليشيات خليفة حفتر.

 

تُبيّن عدة مؤشرات أن هذه المرحلة بتونس سيكون فيها اللاعب الرئيسي الجزائر، التي لا تريد أن ترى نموذج ليبيا آخر في المنطقة، ولا تريد رؤية خليفة حفتر آخر، فالجزائر متيقنة أن سيطرة الحلف الإماراتي على تونس ستكون نتائجه وخيمة على الجزائر وعلى المنطقة ككل.

يؤكد هذا الأمر أن الجزائر تواصل الوقوف ضد أي مشروع إماراتي بتونس والمنطقة، لأنها متأكدة من أن ذلك يعني الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، وهو ما لا يُريده عبد المجيد تبون، فهو يخشى على حكمه الذي يسعى إلى توطيد أُسُسه.

يرى النظام الجزائري أن الحلف الإماراتي يريد لخبطة الأوضاع مجددًا في شمال أفريقيا بعد فشله في ليبيا، فهذا الحلف يسعى بما أوتي من جهد إلى زعزعة الوضع في المنطقة خدمةً لمصالحهم، وهو ما ترفضه الجزائر.

وسبق أن أظهرت وسائل الإعلام الإماراتية، فضلًا عن قيادة البلاد، فرحًا كبيرًا بعد انقلاب قيس سعيّد على دستور بلاده ومؤسسات الدولة الشرعية، فرحة جاءت بعد سنوات من المساعي الحثيثة لدولة الإمارات للإطاحة بالتجربة الديمقراطية في تونس، خشية أن تصل إليها رياح الحرية ويتأثر شعبها ويحصل ما لا تتوقعه.

ترجّح عدة تقارير إمكانية التجاء قيس سعيّد إلى قبول تطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، في ظل عجزه عن إيجاد حلول لاقتصاد البلاد المتعثِّر.

على امتداد السنوات التي تلت الثورة، أمدّت الإمارات حلفاءها في تونس بالمال وسخّرت دكاكينها الإعلامية للترويج لحلفائها وبثّ الفوضى في البلاد، واستهداف البرلمان والحكومة والعمل على إسقاطهما وتغيير دستور فبراير/ شباط 2014، كما سخّرت دبلوماسيتها للترويج لهم خارجيًّا.

خشية التطبيع

لا تخشى الجزائر النظام الإماراتي فقط، وإنما تخشى أيضًا التطبيع، فالجزائر متأكدة من أن سيطرة الحلف الإماراتي سيكون تمهيدًا لتطبيع علني تونسي مع الكيان الإسرائيلي، وهو ما لا تريده بعدما باتت حدودها الغربية مع المملكة المغربية تحت سيطرة السلام المغربي الإسرائيلي.

يؤكد هذا الأمر أن الجزائر متيقنة من أن ترك نظام قيس سعيّد بمفرده، يعني توطينًا آخر للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، فهي لا تريد أن ترى وجودًا إسرائيليًّا على الحدود الشرقية، وظهرت مؤخرًا تسريبات تتحدث عن أن تونس ستكون المحطة المقبلة للتطبيع.

 

ترجّح عدة تقارير إمكانية قبول قيس سعيد بتطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، في ظل عجزه عن إيجاد حلول لاقتصاد البلاد المتعثِّر، ولسائل أن يسأل كيف يطبِّع رئيس قال إن "التطبيع خيانة عظمى.. وكل من يتعامل مع كيان محتل شرّد شعبًا كاملًا طيلة أكثر من قرن من الزمن، هو خائن، ويجب أن يُحاكم بتهمة الخيانة العظمى"؟

لكن هذا الكلمات كانت خلال الدور الثاني من المناظرة الانتخابية التي خاضها سعيّد ضد منافسه آنذاك نبيل القروي، وقد كانت هذه تصريحات للتسويق الإعلامي وكسب تأييد التونسيين فقط، بينما الفعل عكس ذلك، فالكلام قبل الجلوس على كرسي الحكم ليس كما بعده.

يخشى العديد من التونسيين أن تقبل تونس بتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بذريعة الحاجة إلى إنقاذ وإنعاش الاقتصاد الذي يوشك على الانهيار، وقد زادَ هذه المخاوف موقفُ قيس سعيّد الهزيل من موجة التطبيع العربية خلال السنتَين الأخيرتَين.