تحتفل قطر، اليوم السبت 18 ديسمبر/كانون الأول بالعيد الوطني للبلاد، تحت شعار "مرابع الأجداد... أمانة"، وسط أجواء من التناغم مع دول الجوار الخليجي والعربي، في أعقاب طي صفحة الأزمة الخليجية التي اندلعت في 2017، وإغلاق ملفها عقب المصالحة في قمة "العلا" بالسعودية مطلع العام الحالي.

ويتزامن الاحتفال هذا العام مع احتضان الدولة الخليجية لكأس العرب، تلك البطولة التي أحيتها قطر بعد سبات دام طويلًا، والتي استطاعت من خلالها جمع فرق ومنتخبات 16 دولة عربية فوق التراب القطري، وذلك بعد أيام قليلة من إنهاء المشاركة في القمة الخليجية الـ42، التي عقدت في الرياض في 14 ديسمبر/كانون الأول الحالي، وتعد تكريسًا إضافيًا لأجواء التضامن وإزالة الخلافات.

حالة من الزخم السياسي والاقتصادي والرياضي، يتبعها زخم إعلامي غير مسوق، يتزامن مع اليوم الوطني للبلاد، بينما تفتح البلاد أبوابها أمام زوراها من كافة أنحاء العالم لاستضافة أحداث لا تتكرر كثيرًا، أبرزها الاستعداد لبطولة كأس العالم لكرة القدم، الأمر الذي يجعل الاحتفال به هذا العام ذو خصوصية تختلف كثيرًا عما كان عليه خلال السنوات الماضية.

ويمثل اليوم الوطني القطري الذكرى السنوية لتولي مؤسس دولة قطر، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، الحكم في عام 1878، هذا اليوم الذي يجعل منه الأبناء والأحفاد فرصة لاستعادة بطولات وذكريات وتاريخ الآباء والأجداد، وأدوارهم في بناء دولة قطر الحديثة، وسط إصرار على التمسك بتراث البلد وتقاليده من خلال طقوس الاحتفالات التي تعم الأرجاء في ذلك اليوم.

كسر العزلة

يأتي الاحتفال هذا العام بعد إنهاء عزلة دامت قرابة 4 سنوات، تعرضت فيها قطر لحصار من ثلاث دولة خليجية (السعودية والإمارات والبحرين) بجانب مصر، ومعهم بعض الدول المتعاطفة معهم في إفريقيا، تلك الفترة التي عانى فيها القطريون من أزمات اجتماعية طاحنة بسبب القيود التي فرضت حينها على أبناء العائلة الواحدة.

شهد هذا العام زيارة ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، للدوحة في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الجاري، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ 2017، والتي تحمل الكثير من الدلالات، هذا بخلاف المشاركة في قمة الرياض الأخيرة، والتي ركزت في بيانها الختامي على مبدأ الدفاع المشترك والتعاون البنًاء بين دول مجلس التعاون.

ومن الرياض إلى القاهرة، حيث أُضيء برج القاهرة بالعاصمة المصرية، مساء أمس الجمعة، بألوان علم دولة قطر احتفاء بيومها الوطني، وهي الخطوة التي لم تشهدها القاهرة منذ سنوات، ومنها إلى برج خليفة في دبي الذي زُين بالعلم القطري، وسط أجواء احتفالية وتبادل التهاني مع قادة وزعماء الدول.

زخم سياسي

تشهد قطر حالة من الزخم السياسي في الأونة الأخيرة، اتساقًا مع دبلوماسيتها الناجحة في تحقيق أهداف عدة في وقت قصير، حيث فرضت نفسها كلاعب أساسي في العديد من الملفات، أبرزها الملف الأفغاني، حيث تحولت الدولة إلى عاصمة للعمل الدبلوماسي والإنساني لافغانستان بعد سقوط حكومة أشرف غني تزامنًا مع الانسحاب الأمريكي، ودخول حركة "طالبان" كابول في أغسطس/آب الماضي، كما قامت بدور الوساطة بين طالبان والإدارة الأمريكية للتفاهم بشأن إدارة المشهد خلال الفترة المقبلة.

الحضور ذاته تكرر على المستوى الفلسطيني، إذ كانت الدوحة بجانب القاهرة، اللاعبين الأبرز على الساحة أثناء وعقب الحرب التي شهدتها غزة مؤخرًا، واستطاعت سحب البساط من تحت بعض العواصم العربية – الخليجية تحديدًا- التي كانت حاضرة وبقوة في المشهد خلال السنوات الماضية.

ورغم أنه ليس بجديد، إلا أن تعميق الدوحة علاقتها بأنقرة على هامش زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للدوحة في السادس من ديسمبر/كانون الأول الجاري، كانت رسالة واضحة على ثبات دبلوماسيتها والحفاظ على مرتكزاتها مع الحلفاء أيا كانت المستجدات والتطورات، وهو ما يكسبها احترامًا على كافة المستويات.

ملفات إقليمية أخرى عززت فيها الدوحة حضورها خلال العام الحالي، أبرزها الملف الليبي والسوداني، هذا بجانب النجاحات التي حققتها على المستوى الإفريقي، فضلًا عن تعزيز علاقاتها مع المغرب وبعض دول آسيا، والحفاظ على المسافة الهادئة مع طهران بما يسمح لها بإمكانية لعب دور مستقبلي في المنطقة.

وعلى المستوى الداخلي فقد شهدت البلاد أول انتخابات تشريعية في تاريخها، في مناخ سياسي حديث العهد بالقطريين، تلك التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وبلغت نسبة المشاركة فيها 63%، لاختيار 30 عضوًا في المجلس النيابي، فيما عين أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد، 15 عضوًا آخربن وفقًا للدستور.

الدبلوماسية الرياضية

قبل عام من الآن، تعرضت قطر لحملات تشويه بشأن قدرتها على استضافة كأس العالم المقررة العام المقبل، هذا بجانب رفض بعض الأندية المنتمية لدول الحصار إيفاد لاعبيها لقطر للمشاركة في أي حدث رياضي، لكن اليوم تستضيف الدولة الصغيرة مساحة فوق ترابها بطولة تلم شمل العرب وتجمع معظم المنتخبات العربية.

وكان على رأس الفرق المشاركة في تلك البطولة التي حظي حسن تنظيمها بإشادة واسعة، منتخبات الدول المحاضرة لقطر سابقًا، هذا بجانب استضافة البلاد لنهائي السوبر الإفريقي المقرر إقامته بين الأهلي المصري والرجاء البيضاوي المغربي 22 من الشهر الجاري.

وفق كل هذا وبعده، قرب الانتهاء من الاستعدادات الخاصة للحدث الرياضي الأكبر والأبرز والأهم عالميًا، مونديال 2022، وسط تفاؤل كبير بقدرة القطريين على تنظيم بطولة مميزة، في ظل ما قدمه كأس العرب من مؤشرات جيدةـ كونه بروفة عملية على إمكانية الخروج بتنظيم مونديالي هائل، لتدحض به الدوحة سهام التشكيك التي تعرضت لها خلال الأونة الأخيرة.

ونجحت قطر من خلال دبلوماسيتها الرياضية في حصد العديد من المكاسب السياسية، وهو ما يمكن قراءته في ردود الفعل العربية إزاء حفل افتتاح البطولة العربية التي حرصت الدوحة من خلاله على تقديم رسائل سياسية تؤكد فيها على قيمة العروبة ومكانة التوحد والأخوة، والبعد عن الخلافات التي تشتت الكيان العربي وتبث فيه سموم الشقاق، وهي الرسائل التي لاقت استحسان الجميع.

نجاح اقتصادي

حققت قطر فائضًا في الموازنة العامة قدره 4.9 مليار ريال (1.3مليار دولار) خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، مقارنة بعجز بلغ 4.2 مليار ريال خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، بحسب بيانات وزارة المالية القطرية التي أشارت إلى أن البلاد سجلت إيرادات بإجمالي 47 مليار ريال، مقابل مصروفات بلغت 46.1 مليار ريال خلال الربع الثالث من 2021.

الإيرادات النفطية شهدت هي الأخرى ارتفاعا قياسًا بالعام الماضي، حيث ارتفعت هذا العام بنسبة 35%، فيما حقق الربع الثالث من العام الحالي حوالى 29.3 في المائة من المقدر تسجيلها في 2021، رغم نموها سنويًا في نفس الفترة بنسبة 20.6 في المائة، أما الإيرادات غير النفطية فحققت ارتفاحا قدره 31%.

ورغم جائحة كورونا التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي؛ حقق الناتج المحلي الإجمالي لقطر خلال الربع الثاني من هذا العام نموًا بنسبة 4%، على أساس سنوي، كما سجل الناتج المحلي بالأسعار الثابتة نحو 161.637 مليار ريال (44.4 مليار دولار) في الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو/ حزيران الماضي، مقارنة بـ 155.453 مليار ريال (42.7 مليار دولار) في الربع الثاني من 2020، بحسب بيانات وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القطرية.

وبعيدًا عن الإنجازات المحققة على أكثر من مسار، داخليًا وخارجيًا، تأتي احتفالات هذا العام لتجدد التأكيد على التمسك بالهوية والتراث، وهو ما يمكن الوقوف عليه من خلال الشعار المتخذ لاحتفالات هذا العام، "مرابع الأجداد.. أمانة"، والمستمد من أحد أبيات المؤسس، ويعكس الارتباط الوثيق بين القطريين وبيئتهم منذ القدم، تلك التي تربوا فيها وتعايشوا معها، حتى شكلت جزءًا من وجودهم وأثرت بشكل واضح في بناء شخصيتهم ورسم هويتهم.