محتجون يعبرون الجسر باتجاه القصر الرئاسي بوسط العاصمة الخرطوم.

محتجون يعبرون الجسر باتجاه القصر الرئاسي بوسط العاصمة الخرطوم.

خرج السودانيون في أكثر من 20 مدينة سودانية أمس الأحد في تظاهرات عارمة تطالب بإسقاط انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وتسليم السلطة للمدنيين وإعادة العسكر إلى ثكناتهم، ومحاسبة المتورِّطين في مقتل الثوار منذ اندلاع الشرارة الأولى للثورة في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018 وحتى اليوم.

جاءت الاحتجاجات استجابة لدعوة تنسيقيات لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين لإحياء الذكرى الثالثة للثورة التي أطاحت بنظام عمر البشير بعد 30 عامًا من الحكم، والتي كان على رأسها إنهاء الوجود العسكري السلطوي في البلاد، وإفساد المشهد السياسي للمدنيين بعد إقصاء دام لـ 3 عقود كاملة.

وفي سابقة هي الأولى منذ اندلاع التظاهرات عقب انقلاب عبد الفتاح البرهان، اجتاز المحتجّون الحواجز الأمنية على المداخل المؤدية لوسط الخرطوم، ووصلوا إلى البوابة الجنوبية للقصر الرئاسي، فيما عزّزت قوات الأمن الشرطية من تواجدها وأطلقت القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

وأسفرت المواجهات بين الأمن والمشاركين في التظاهرات عن إصابة 123 إصابة متنوعة، منها 121 بولاية الخرطوم وإصابتان بولاية كسلا، بحسب البيان الصادر عن وزارة الصحة السودانية على صفحتها على فيسبوك، فيما وثّقَ نشطاء حالات إغماء وإصابات خطيرة على منصات التواصل الاجتماعي.

كتب تجمع المهنيين على صفحته على فيسبوك يقول: "لاحت بشائر النصر، الثائرات والثوار يعبرون الحواجز ويقتحمون محيط القصر الجمهوري"، داعيًا جميع الثوار للالتحاق بالتجمع في محيط القصر وإغلاق كل الطرق المؤدية للقصر بالمتاريس، في إشارة إلى النجاحات التي حققتها مليونية الأمس... فهل تكون بداية النهاية للانقلاب العسكري؟

 

حشود ضخمة

استعدادًا لمليونية 13 ديسمبر/ كانون الأول، شارك المتظاهرون في عدة فعاليات استباقية على مدار اليومَين الماضيَين، حيث خرج المئات في تظاهرات في مختلف أنحاء البلاد، وإن تمَّ التركيز أكثر على الخرطوم والشوارع والجسور القريبة والمؤدية إلى القصر الجمهوري، وهي الوقفات التي كانت لا تتجاوز ساعات قليلة ويتمُّ تفريقها بقوات الشرطة المنتشرة في مختلف مناطق العاصمة.

وفي المقابل استبقت السلطات السودانية تلك الفعاليات بإعلانها إغلاق الجسور التي تربط بين الخرطوم ومدينتَي الخرطوم بحري وأم درمان طيلة اليوم، ما عدا جسرَي الحلفاية وسوبا، وهي الخطوة التي كان يؤمل معها عرقلة المتظاهرين من دخول العاصمة باتجاه القصر الرئاسي، لكنها سرعان ما فشلت أمام الحشود الغفيرة التي عبرت تلك الجسور واستطاعت أن تحيط بالقصر.

الثورة تستقبل عامها الرابع، وسط إصرار لا يفتر على المقاومة والمضيّ قدمًا في طريق الانتقال الديمقراطي والحفاظ على مكتبساتها التي يحاول العسكر اختطافها يومًا تلو الآخر.

وفي مساء السبت، أول أمس، وصلت جموع كبيرة من المواطنين القادمين من مدن الأقاليم المختلفة للمشاركة في هذه المليونية، قابلهم في نفس الاتجاه آخرون من المدن القريبة من العاصمة في مواكب سيرًا على الأقدام، فيما هيّأت لجان المقاومة لهم منازل ومدارس ومقارّ أحزاب لاستضافتهم والبيات فيها وتلبية مطالبهم.

عشرات القوى الثورية والأحزاب السياسية دعمت تلك المليونية التي تعدّ العاشرة من نوعها منذ إجراءات البرهان الأخيرة، وذلك تحت شعار واحد يلتفّ حوله الجميع، شعار اللاءات الثلاثة "لا شراكة، لا تفاوض، لا مساومة مع العسكر"، من أجل بسط الحريات والعدالة وسيادة القانون عبر حكم مدني كامل الأركان.

أوْلَى الثوار لهذا الموكب تحديدًا أهمية كبرى، فبجانب أنه يتزامن مع الذكرى الثالثة للثورة، إلا أنه يأتي في إطار تعزيز وسائل الضغط المستخدَمة لإسقاط الانقلاب وإجبار البرهان على التراجع عن قرارته، وعليه نظّمت لجان المقاومة السودانية مواكب دعائية تمثّلت في ركوب دراجات هوائية، لتطوف أرجاء العاصمة لمناشدة المواطنين بالمشاركة في التظاهرة.

 

القوات المسلحة تشكِّك

من الواضح أن الأعداد الغفيرة التي شاركت في تلك المليونية، رغم التحذيرات واستراتيجية الترهيب والتنكيل التي تمارسها المؤسسة الأمنية، فاقت كافة التوقعات، وهو ما يمكن قراءته في التعليقات الواردة من قبل القوى الموالية للعسكر، والتي تحاول قدر الإمكان التشكيك في حجم تلك الجموع التي أجبرت الشرطة على الانسحاب أمامها على بُعد أمتار قليلة من القصر الرئاسي.

وفي السياق ذاته، وفي أول تعليق رسمي على المظاهرات، قال المستشار الإعلامي لرئيس مجلس السيادة، العميد الطاهر أبو هاجة، إن "تلك التظاهرات رفعت شعارات مختلفة مما يؤكد اختلاف الأجندة والرؤى"، مؤكدًا أن النبرة الخلافية والعدائية الصارخة يمكن أن تعيق التحول الديمقراطي السلس.

توهّمَ البرهان أن الاتفاق الذي أبرمه مع حمدوك وإعادته لمنصبه مرة أخرى سيُهدِئ من المدّ الثوري المتصاعد، وفتح قنوات اتصال مع القوى الثورية، بعدما اشتدّت حبال الضغط عليه، داخليًّا وخارجيًّا، لكنه فوجئ بردٍّ غير متوقع.

وألمح أبو هاجة في بيان له نشرته وكالة الأنباء السودانية، أن اتفاق حمدوك-البرهان الموقّع في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، "هو الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه الرؤى السياسية الانتقالية، ومن الأفضل والأفيد للقوى المختلفة أن توحِّد برامجها واستراتيجيتها لإنجاح الفترة الانتقالية وتحقيق التحول الديمقراطي".

وأكّد أن القوات المسلحة والقوات الأمنية لم ولن تفرِّط في أمن البلاد القومي، ملمّحًا إلى أن جهات كثيرة -لم يسمّها- تحلم أن ترى السودان ممزقًا ليس إلى دويلات وإنما ممسوحًا من الخارطة، على حدّ قوله.

حمل البيان مغازلة دبلوماسية للشارع الثائر، حين أوضح أن القوات المسلحة منحازة لخيارات الشعب وإرادته السياسية وتطلعاته نحو مسار ديمقراطي عبر انتخابات حرة ونزيهة، قادرة على حماية هذا الحلم، منوِّهًا في الوقت ذاته أنه من الضروري أن يسعى الجميع للحفاظ على المصالح العليا بعيدًا عن هوى النفس والمصالح الحزبية الضيقة.

 

تصعيد مطلوب لاسترداد الثورة

التجارب والخبرات التي عايشها السودانيون خلال الأشهر الماضية، والطعنات التي تلقّوها في ظهر الثورة، دفعتهم إلى اليقين بأن الشارع هو الضمانة الحقيقية لبقاء ثورتهم على قيد الحياة، وأن التمسُّك بالشوارع والميادين هو الحل الوحيد للحفاظ على مكتسبات الثورة، وأن التفاوض -إن وُجد- لن يكون إلا وهُم في حراكهم حتى تتحقق كافة مطالبهم، التي يأتي على رأسها عودة العسكر إلى ثكناتهم وتسليم السلطة للمدنيين وفق الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس/ آب 2019.

وعليه جاء التصعيد الثوري واستمرار المدّ الاحتجاجي الذي لا يتوقف مهما كانت الوعود التي يحصلون عليها من الجنرالات، إذ تأتي مليونية الأمس ضمن الفعاليات التي تطالب بإزالة المكوّن العسكري وتسليم السلطة للمدنيين والقصاص من قتلة الثوار، ضمن برنامج "ديسمبر" التصعيدي الذي أعدّته تنسيقيات لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين ضد إجراءات البرهان، والذي يتضمّن 5 مسيرات، الأولى كانت في 6 من الشهر، والثانية في 13 منه، فيما تأتي الثلاث الأخرى في أيام 19 و25 و30 منه.

وها هي الثورة تستقبل عامها الرابع، وسط إصرار لا يفتر على المقاومة والمضيّ قدمًا في طريق الانتقال الديمقراطي والحفاظ على مكتبساتها التي يحاول العسكر اختطافها يومًا تلو الآخر، رغم الثمن الغالي الذي دفعه الشعب، مئات القتلى وآلاف المصابين ومثلهم من المعتقلين، متشبثة بالأمل في مواجهة مخططات اليأس عبر فرض الأمر الواقع بالقوة.

 

الكثير يعوِّل على تظاهرات 13 ديسمبر/ كانون الأول في أنها ستكون علامة فارقة في نضال الشعب لهزيمة الانقلاب كما ذهب المكتب التنفيذي لقوى الحرية والتغيير، فيما اعتبرها حزب الأمة أنها تأكيد واضح لا يقبل الشك على أن الديمقراطية عائدة حتمًا، وأن عهد الدكتاتورية والانقلابات قد ولّى إلى غير رجعة، كما جاء في نص البيان الصادر عنه.

توهّم البرهان أن الاتفاق الذي أبرمه مع حمدوك وإعادته لمنصبه مرة أخرى سيُهدِئ من المدّ الثوري المتصاعد، وفتح قنوات اتصال مع القوى الثورية، بعدما اشتدّت حبال الضغط عليه، داخليًّا وخارجيًّا، لكنه فوجئ بردٍّ غير متوقع، إذ قوبل اتفاقه برفض شعبي جارف، وشعار بات الهتاف الرسمي للمتظاهرين "لا شراكة - لا مساومة - لا شرعية".

بالفعل نجحت المليونية في تحقيق أهدافها المرحلية، لكن - وكما قلنا سابقًا - فإنه رغم الزخم الثوري وتأثيره الواضح في خلخلة الانقلاب وزلزلة الأرض من تحت أقدام الانقلابيين، لكنه وحده لن يكون كافيًا خلال المرحلة المقبلة لتغيير المشهد وإعادة بوصلته الثورية مرة أخرى، وعليه كان التحرك لتدشين حاضنة سياسية لرعاية الحراك الثوري ورسم خارطته بمنهجية تقود إلى خلع العسكر من فوق السلطة.

وهذا ما يتمّ الحديث بشأنه مؤخرًا، اتفاق سياسي أشبه بوثيقة جديدة تجمع كافة القوى لدعم حكومة حمدوك المتوقع تشكيلها قريبًا، بما يضمن التحول نحو المسار الديمقراطي المنشود، وممارسة المزيد من الضغوط -بجانب الوسائل الأخرى- على الجنرالات لإعادتهم لثكناتهم وتسليم السلطة لمدنيين.