رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك

رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك

قال مصدران مقرّبان من رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، أمس الثلاثاء 21 ديسمبر/ كانون الأول 2021، إنه أبلغ مجموعة من الشخصيات القومية والمفكّرين اجتمع معهم بأنه يعتزم التقدم باستقالته من منصبه خلال وقت قصير، في مفاجأة أربكت حسابات المشهد السوداني المعقّد بطبيعة الحال، لما يترتّب على هذه الخطوة حال تنفيذها من تداعيات سلبية على الأجواء الغائمة منذ أشهر.

يأتي هذا التطور بعد ساعات قليلة من إنهاء حمدوك تكليف إبراهيم محمد إبراهيم من منصب مدير عام الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، والذي عيّنه رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، بعد انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وإعادة تعيين المدير السابق لقمان أحمد محمد مديرًا عامًّا للهيئة.

وتزامنًا مع تلك التسريبات، ذكرت مصادر أن حمدوك عقد لقاء فجر اليوم مع رئيس مجلس السيادة في القصر الجمهوري، تناول فكرة الاستقالة ودوافعها، فيما توجّهت بعض الشخصيات السياسية والحزبية والقَبَلية لمقرّ القيادة العامة لمقابلة حمدوك والتوسُّط لإثنائه عن هذا القرار، الذي ربما يذهب بالبلاد إلى نفق جديد من الفوضى.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يلوّح فيها حمدوك بالاستقالة، ففي 1 ديسمبر/ كانون الأول 2021 أعلن رئيس الوزراء أنه لن يبقى في منصبه إن لم يتمَّ الالتزام بالاتفاق السياسي الموقّع بينه وبين المؤسسة العسكرية في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ملوّحًا بالتنحي عن وظيفته حال التراجع أو التباطؤ في تنفيذ ما تمَّ الاتفاق عليه.

ويعاني رئيس الوزراء، الذي عادَ لمنصبه بعد وضعه قيد الإقامة الجبرية لمدة شهر تقريبًا، من عزلة سياسية وجماهيرية منذ إبرام الاتفاق، حيث اعتبره الشارع الثوري شريكًا أساسيًّا في الانقلاب، الأمر الذي دفعه لمغازلة السودانيين من خلال بعض الإجراءات التي تندرج تحت المسار الثوري ومدنية الدولة، والتي يسعى من خلالها لتبرئة ساحته من التورُّط في الانقلاب، فهل يقدم على الاستقالة فعلًا؟

خلاف مع العسكر

وبحسب المصادر التي نقلت عنها وسائل إعلام سودانية، فإن سبب الاستقالة المرتقبة يعود إلى "خلافات حول التعيينات والإقالات للموظفين بالخدمة العامة، حيث اعترض حمدوك على تدخلات المكوّن العسكري"، وأن خلافًا دبَّ بين حمدوك والمكوّن العسكري حول قرار رئيس الحكومة الخاص بإعادة لقمان أحمد لمنصب مدير هيئة التلفزيون السوداني، بعد استبعاده خلال الفترة الماضية.

كانت إعادة لقمان -بحسب المصادر- مطلبًا رئيسيًّا لحمدوك، في الوقت الذي اعترض فيه المكوّن العسكري الذي تمسّك بأن يكون مدير هيئة التلفزيون خاضعًا في عمله لسلطة إدارة التوجيه المعنوي التابعة للجيش السوداني، وقد أدّى هذا الخلاف إلى توسيع الفجوة بين المدنيين والجنرالات، والتي يبدو أنه قد آن الأوان لخروجها للعلن رغم محاولة التستُّر والإخفاء.

وكان البرهان قد صرّح قبل أيام بأن كافة القرارات التي اتّخذها رئيس الوزراء، والمتمثلة في إقالة بعض الولاة وتعيين آخرين، تمّت بتنسيق بين الطرفَين بعد عدة مشاورات، وأنها ليست بصورة انفرادية كما فُهم من تصريحات حمدوك، الأمر الذي حاولَ من خلاله نفي أي خلافات من شأنها وضع العسكر في موقف حرج أمام الشارع الثائر والمجتمع الدولي.

وذهبت المصادر ذاتها إلى أن هناك أسبابًا أخرى دفعت حمدوك للتلويح بالاستقالة، أبرزها أنه لا يشعر بقدرته على إحداث توافق سياسي، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية الرافضة للاتفاق السياسي المبرم في الشهر الماضي، وهي الاحتجاجات التي زادت من عزلة رئيس الوزراء وأفقدته حاضنته السياسية التي بات يبحث عنها عبر مسارات أخرى، إما بمغازلة الشارع بإجراءات ثورية وإما بما يُثار بشأن تدشين اتفاق وإما بوثيقة جديدة لدعم حكومته المنتظرة وتعزيز عملية الانتقال للمسار الديمقراطي، تنفيذًا لوثيقة أغسطس/ آب 2019.

هل يستقيل فعلًا؟

فشلُ حمدوك في برهنة تصريحاته التي حاول من خلالها طمأنة السودانيين بشأن مبررات قبول عودته مرة أخرى لمنصبه، وأنها كانت من أجل حقن دماء الشعب وتلبية طموحاته في الحفاظ على مكتسبات الثورة، ودفع الخطى نحو الانتقال الديمقراطي وتسليم السلطة للمدنيين؛ وضعَهُ في مأزق حقيقي واختبار صعب لمصداقيته التي باتت على المحكّ.

وفي ضوء ذلك، قد يرى البعض أن الاستقالة هنا ربما تكون الحل الأسهل لرئيس الوزراء للخروج من تلك الدوامة السياسية التي أفقدته الكثير من رصيده الشعبي، لا سيما بعدما اتُّهمَ بأنه بات أداة في أيدي العسكر لتنفيذ مخططاتهم، بينما كان في السابق يتمتّع بثقل سياسي كبير لما له من حضور إقليمي ودولي.

هناك من يعتبر أن التلويح بورقة الاستقالة يندرج تحت بند تعزيز الضغوط الممارَسة على البرهان وفريقه، لقبول شروط حمدوك في اختيار حكومة تكنوقراطية من المدنيين

الاستقالة ستضعه في صف الفريق الثاني الموالي للثورة، وتبرّئه سياسيًّا من التواطؤ مع العسكر، باعتبار أن ما حدث كان خطأ يستوجب الاعتذار عنه والقفز سريعًا من مركب المنقلبين، خاصة أن إقدامه على هذه الخطوة سيضع الجنرالات في موقف حرج للغاية أمام المجتمع الدولي الذي يحظى حمدوك بدعمه وتأييده.

وفي الناحية المقابلة، هناك من يعتبر أن التلويح بورقة الاستقالة يندرج تحت بند تعزيز الضغوط الممارَسة على البرهان وفريقه، لقبول شروط حمدوك في اختيار حكومة تكنوقراطية من المدنيين، وأن تكون موالية للمسار الثوري الديمقراطي، وأن تخرج من عباءة العسكر، في ظلّ تشبُّث الجنرالات بفرض كلمتهم والهيمنة على السلطة الانتقالية بما يضمن بقاءهم فوق هرم الحكم لنهاية الفترة الانتقالية.

ماذا لو استقال؟

سيزداد الوضع تعقيدًا بالفعل حال تقديم حمدوك استقالته، التي من المتوقع أن تُشعل الأجواء أكثر ممّا هي عليه، إذ إن الاستقالة كخطوة تعني قطع الصلة بصورة شبه نهائية بين المدنيين والعسكر، وهو ما ينذر بتصعيد محتمَل بين المؤسسة العسكرية والشارع الثائر منذ أيام، ما قد يُدخل البلاد في أتون من المواجهات العنيفة.

بقاء حمدوك في السلطة، رغم الانتقادات التي يواجهها، بمثابة رمانة ميزان وقناة اتصال -حتى إن كانت معطَّلة نسبيًّا- بين أضلاع السلطة الانتقالية المتناحرة، وضمانة رئيسية لوجود وساطات إقليمية ودولية، وعليه إن استمراره في منصبه هدف استراتيجي لكافة القوى، أولهم المكوّن العسكري.

الوضع الملتهب الذي فرضته الاستقالة الملوَّح بها من قبل رئيس الوزراء، دفعت رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش للخروج بتصريحات تحمل صفة التهديد من جانب، والحفاظ على مكاسب المكوّن العسكري من جانب آخر، حين أشار إلى أن "القوات المسلحة السودانية حاضرة لمنع انجرار البلاد إلى ما يريده المتربّصون"، على حدّ قوله.

وعليه كان التحرك العاجل من بعض الشخصيات الوطنية ومن البرهان نفسه، الذي بادر بعقد لقاء مع حمدوك فجر اليوم لبحث الاستقالة وتداعياتها على الوضع الداخلي في البلاد، مع ترجيح دخول بعض القوى السياسية على خطّ الأزمة ضمن جهود نزع فتيل الأزمة، وهو ما يمكن قراءته في تصريحات رئيس الوزاء الأخيرة بشأن عقد لقاءات مع القوى والأحزاب قبيل تشكيل الحكومة المرتقبة.

بقاء حمدوك في السلطة، بمثابة رمانة ميزان وقناة اتصال بين أضلاع السلطة الانتقالية المتناحرة، وضمانة رئيسية لوجود وساطات إقليمية ودولية

يعلم حمدوك جيدًا تبعات خطوة الاستقالة، وما يمكن أن يتمخّض عنها بشأن ترتيبات المشهد، ومن ثم من المستبعَد أن يلجأ لهذا الخيار إلّا حين تغلق أمامه كافة النوافذ، ويصبح وجوده في منصبه ورقة في خدمة العسكر وخنجر في ظهر الثورة، حينها سيكون أول من يقفز من المركب، وهو ما لا يتمنّاه السواد الأعظم ممّن يُمني النفس باستقرار نسبي يقود إلى انتقال سلس للسلطة إلى المدنيين.

رئيس الوزراء المكبَّل بقيود العسكر يحاول قدر الإمكان ممارسة كافة أنواع الضغط واللعب بآخر أوراقه السياسية في مواجهة تعنُّت البرهان وجنوده، راميًا الكرة في ملعب المكوّن العسكري لإدارة المباراة بالشكل اللائق وسط تلك الضغوط القوية التي يواجهها، في ظل التصعيد الاحتجاجي المتصاعد يومًا تلو الآخر، والترقُّب الدولي لما ستؤول إليه الأوضاع وسط استماتة عسكرية للتشبُّث بالسلطة حتى آخر رمق.

لا يمكن لحمدوك الاستمرار في لعبة "شد الحبل" مع العسكر دون حاضنة سياسية وشعبية تقف خلفه وتدعمه في كافة قراراته وتحركاته، وهو ما يراهن عليه خلال الأيام القادمة، ومن ثم يبقى استمرار الحراك الثوري الضاغط على البرهان العصا السحرية التي يمكن من خلالها خلخلة الانقلاب والإسراع بتفكيك ترسانته.