سياسيون تونسيون يضربون عن الطعام، وقد تحوّلَ الإضراب إلى أشبه بالمقهى السياسي (مصدر الصورة: صفحة مواطنون ضد الانقلاب)

سياسيون تونسيون يضربون عن الطعام، وقد تحوّلَ الإضراب إلى أشبه بالمقهى السياسي (مصدر الصورة: صفحة مواطنون ضد الانقلاب)

يخوض عدد من السياسيين والحقوقيين التونسيين إضراب جوع منذ أسبوع، احتجاجًا على "الحكم الفردي" الذي أرسى الرئيس قيس سعيّد دعائمه منذ انقلابه على دستور البلاد ومؤسسات الدولة الشرعية.

إضراب عن الطعام استطاع أن يحشر سعيّد في الزاوية ويزيد من عزلته، خاصة أنه تحوّل إلى مناسبة للنقاش والحوار بين مختلف الأطراف السياسية والنشطاء لتوحيد الصفوف، حتى يواجهوا المنهج التسلُّطي الذي يقوده سعيّد منذ 25 يوليو/ تموز الماضي.

تصعيد المعارضة

في شكل آخر من النضال، شبيه بما كان يحصل زمن بورقيبة وابن علي، قررت مجموعة من الشخصيات الحزبية والحقوقية الدخول في إضراب عن الطعام منذ يوم الخميس الماضي مناهضة للانقلاب، حيث وضعوا أمعاءهم بين أكفّهم مخاطرين بحياتهم.

جاء قرار خوض إضراب الجوع بعد سلسلة من التحركات المعارضة لقرارات الرئيس قيس سعيّد، إذ سبقَ أن خرجَ آلاف التونسيين، بدعوة من حراك "مواطنون ضد الانقلاب"، إلى الشوارع رفضًا لانقلاب قيس سعيّد الدستوري، كما نظّموا وقفات احتجاجية في العديد من العواصم الغربية.

فضلًا عن ذلك، بادرَ عشرات المحتجّين بدعوة من مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب"، إلى الاعتصام خلال يومَي 17 و18 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، لكن قوات الأمن منعتهم من نصب خيام الاعتصام في شارع الحبيب بورقيبة، وفرّقتهم بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع.

قرّر المضربون عن الطعام المخاطرة بحياتهم، بعد أن تيقّنوا من انسداد كل أوجه الحوار مع قيس سعيّد وحاشيته، إذ يصرُّ على مواصلة نهجه التسلُّطي وانقلابه الدستوري، رغم المخاطر المحدقة بالبلاد والضغط الداخلي والخارجي الممارَس ضده.

 

يرى الرئيس قيس سعيّد المعارضين كمجموعة من الخونة والعملاء والمخمورين والمنافقين، ودائمًا ما يصفهم بهذه الأوصاف رغبة منه في تشويههم وتأليب الرأي العام ضدهم، لكن لم يحصل ما أراده سعيّد، ففي كل مرة يُثبت معارضوه أنهم الأقوى في الشارع، رغم التضييقات الأمنية.

إن اضراب الجوع ليس جديدًا في تونس، فقد عرفته البلاد خلال حقبتَي الاستبداد قبل الثورة، وأشهر إضراب ذلك الذي تمَّ الإعلان عنه يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2005، إذ خاضَ مجموعة من المناضلين، على غرار حمّة الهمامي ونجيب الشابي وسمير ديلو ورؤوف العيادي ولطفي الحجي، إضرابًا عن الجوع قبيل انعقاد مؤتمر القمة العالمية للمعلومات بتونس، وكان شعارهم "الجوع ولا الخضوع".

لم يتخيّل أحد في تونس أن يأتي يوم ويعود فيه السياسيون إلى خوض إضرابات الجوع للحصول على أبسط حقوقهم ومناهضة الدكتاتورية، بعد أن أسقطت الثورة نظام ابن علي الاستبدادي، لكن جاء ذلك اليوم بعد أن قرر الرئيس قيس سعيّد الانقلاب على الدستور وغلق أبواب قصر قرطاج أمام الجميع، حتى أمام أنصاره.

 

منذ 25 يوليو/ تموز الماضي، يستأثر قيس سعيّد بمعظم السلطات في تونس، إذ علّق عمل مجلس نواب الشعب وأقال الحكومة وعدة مسؤولين، وحلَّ العديد من الهيئات وبدأ العمل بمراسيم رئاسية، كما عمدَ إلى التنكيل بمعارضين وسجن العديد من السياسيين والصحفيين، وحاكمَ رئيس البلاد الأسبق، المنصف المرزوقي، بعد أن طوّع جزءًا من القضاء خدمة لمصالحه.

قرارات سعيّد وتحركاته مثّلت انتكاسة كبرى للديمقراطية التونسية، ما جعل العديد من المستثمرين يعدلون عن الاستثمار في تونس، كما أوقف صندوق النقد مفاوضاته المالية مع السلطات التونسية قبل أن يقرر العودة بشروط مجحفة، وتراجع ترقيم البلاد السيادي، مع ذلك ما زال سعيّد يصرُّ على قراراته متحديًا الجميع.

حلقات نقاش

تجمّع المضربون عن الطعام في مقرّ حزب تونس الإرادة الذي يقوده الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، بمنطقة المنزه 6 بتونس العاصمة، للدفاع عن الديمقراطية التونسية، والوقوف في وجه انقلاب قيس سعيّد، وتحوّلَ الإضراب إلى أشبه بالمقهى السياسي.

أصبح مقرّ الإضراب مكانًا تتوافد إليه مختلف الشخصيات الحزبية والحقوقية والإعلامية في تونس، ومحطّ أنظار وسائل الإعلام المحلية والدولية، لنقل معاناة المضربين عن الطعام وحلقات النقاش التي تأسّست هناك.

جاء العديد من الشخصيات إلى مقرّ الإضراب للتعبير عن مساندتهم للمضربين، والحديث عن الوضع العام في البلاد وسُبل الخروج من الأزمة الحالية، ومنهم من ساندَ قيس سعيّد في أولى خطواته يوم 25 يوليو/ تموز الماضي، قبل أن يكتشفوا أن سعيّد خدعهم.

جاء المحامي بشير الصيد ذو التوجه القومي، أيضًا عياشي الهمامي اليساري، وعصام الشابي ونجيب الشابي وعياض اللومي ورياض الشعيبي وعبد اللطيف المكي وصافي سعيد، والعديد من الشخصيات السياسية الأخرى التي تنتمي إلى تيارات فكرية مختلفة، فضلًا عن شباب الأحزاب.

هذه الشخصيات كانت لها نقاشات ثرية فيما بينها بحضور العديد من الإعلاميين والمفكرين والمحامين، فيها تحدثوا عن أخطاء الماضي، وعن الحلول التي كان من المفترض أن يتمَّ اتخاذها وعن المسؤولين لما وصلت إليه البلاد.

تحدثوا أيضًا عن حاضر تونس والوضع المتأزِّم الذي وصلت إليه بعد انقلاب قيس سعيّد الدستوري وتفرُّده بالسلطة، وناقشوا سُبل التصدي لهذا النهج التسلُّطي الذي يقوده سعيّد وينذر بانهيار الدولة التونسية.

إنقاذ تونس

راهنَ سعيّد من البداية على تشظي منافسيه ومعارضي انقلابه، حتى يتمكن من السلطة ويستأثر بها ويفرض رؤيته لنظام الحكم، لكن يبدو أن حساباته بدأت تُخطئ، فالمعارضة في طريقها لبناء موقف موحَّد، حتى من ناصروه ليلة 25 يوليو/ تموز بدأ العديد منهم في مراجعة مواقفهم وأخذ موقف معارض من قرارات سعيّد.

نجح إضراب الجوع في جمع النخبة السياسية التونسية تحت سقف واحد، خاصة مع تنامي الأزمة السياسية في البلاد وغلق الرئيس كل أبواب الحوار مع الجميع دون استثناء.

لأول مرة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2005، تجتمع مختلف التيارات الفكرية من يساريين وقوميين وإسلاميين في مكان واحد، للتباحث حول موضوع واحد وهو سُبل إنقاذ تونس من الانهيار، ذلك أن الإجراءات التي اتخذها سعيّد قد دفعتهم جميعًا للتعاون معًا، ما يعني بداية عزل الرئيس وحشره في الزاوية، فالصورة بدأت تتضح للعديد من التونسيين.

تقتضي المرحلة الآن، وفق العديد من التونسيين، توحيد الصفوف والابتعاد عن الخلافات القديمة، لبناء تصور مشترَك يُنقذ البلاد من أزمتها، فقيس سعيّد لا يسمع لأحد ومصرّ على المضيّ قدمًا في مشروعه الغامض والمناوئ للمؤسسات والديمقراطية.