يبدو أن العام الجديد 2022 سيكون امتدادًا للحراك الثوري المتصاعد خلال العامين الماضيين، وأن ما يقال بشأن استقبال السودانيين عامًا أكثر هدوءًا ليس إلا أمنيات تداعب المراقبين للمشهد الذي ترتفع درجة حرارته في الوقت الذي يتوقع البعض انخفاضها.

ويُلحم الثوار عامهم الجديد بالذي لملم أوراقه ورحل، باستمرارية التصعيد والفعاليات الاحتجاجية التي باتت سمة الشارع الأبرز منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الذي قام به قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأطاح من خلاله بمكتسبات ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018.

وتشهد الساحة السودانية حاليًّا حالة من الثراء السياسي جراء خروج بعض المبادرات التي من شأنها خفض منسوب التصعيد وحلحلة الأزمة، وهي المبادرات التي تعكس وجهة نظر مقدميها، بما يضعها على مسارات ربما تكون متناقضة أحيانًا، الأمر الذي يدعو للتساؤل عما إذا كانت حلًا للأزمة أم تكريسًا للانقسام.

يأتي هذا الحراك الدبلوماسي في وقت أمهل فيه رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك (الذي تشير بعض التسريبات إلى وضعه للإقامة الجبرية للمرة الثانية رغم نفي مكتبه ذلك) القوى السياسية يومًا واحدًا للوصول لاتفاق يخرج البلاد من أزمتها السياسية الحاليّة، قبيل تقديم استقالته التي لوح بها أكثر من مرة بسبب الفشل في التوصل إلى اتفاق بين القوى السياسية يمهد نحو تشكيل حكومته المرتقبة.

3 مبادرات لتحريك المياه الراكدة

المبادرة الأولى طرحتها القوى المنضوية تحت لواء "قوى الحرية والتغيير- الميثاق الوطني" وهي المجموعة التي ناصرت العسكر في انقلاب أكتوبر/تشرين الأول، وتضمنت 13 بندًا لتكملة الفترة الانتقالية، كان على رأسها الاحتفاظ بالشراكة بين العسكريين والمدنيين في إدارة المرحلة القادمة حتى إجراء الانتخابات.

ومن بين البنود التي تضمنتها الوثيقة المقترحة إعادة تشكيل مجلس السيادة وخفض عدد أعضائه ودمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش، وتحديد موعد لنقل السلطة للمدنيين، لكنها قوبلت بالرفض من القوى المدنية الثورية، باعتبار أنها تشرعن بقاء العسكر في السلطة وهو ما يتعارض مع المطلب الأساسي لتلك القوى المتمثل في عودة الجنرالات لثكناتهم وتسليم السلطة بالكامل للمدنيين.

المبادرة الثانية قدمها عدد من الأكاديميين من مديري الجامعات السودانية، وأطلقوا عليها "وثيقة برنامج وطني" للخروج من الأزمة التي تواجه عملية الانتقال الديمقراطي، واعتمدت في مضمونها على الاستحقاقات الدستورية والإجراءات القانونية وذلك عبر صياغة وثيقة تجمع كل القوى السياسية السودانية بهدف إيجاد حل منطقي للأزمة، وفق وكالة الأنباء الرسمية التي لم تذكر عدد رؤساء الجامعات مقدمي المبادرة.

والمبادرة بحسب مدير جامعة الأحفاد قاسم بدري، أحد المشاركين في صياغتها، هي "دراسة الواقع السوداني السياسي والاقتصادي والاجتماعي، خاصة أن مديري الجامعات استشعروا مؤشرات غير حميدة تستدعي التدخل السريع لخروج البلاد من عنق الزجاجة"، لافتًا إلى أنها وجدت تأييدًا من مجلسي السيادة والوزراء والقوى السياسية الحية المشاركة في الثورة (لم يذكرها) ولجان المقاومة.

أما المبادرة الثالثة فقدمها "تجمع المهنيين السودانيين" ونشرها على صفحته على فيسبوك، وأطلق عليها "الميثاق السياسي لاستكمال ثورة ديسمبر"، وتنص في ديباجتها على إسقاط المجلس العسكري وسلطته بشكل تام وتشكيل سلطة انتقالية مدنية مدتها 4 سنوات، تتألف من مجلس سيادة مدني شرفي ومجلس وزراء لا يتجاوز أعضاؤه 20 شخصًا من الكفاءات الثورية يتم اختيارهم بواسطة رئيس الوزراء.

ومن أبرز البنود الـ13 التي تضمنها هذا الميثاق الذي أرسله التجمع لقوى الثورة ولجان المقاومة والقوى النقابية والأجسام المطلبية وحركات الكفاح المسلحة، تشكيل مجلس تشريعي مدني مكون من القوى الثورية، بناء وهيكلة القوات النظامية وتفكيك وتسريح كل المليشيات، خاصة قوات الدعم السريع، على أن يكون رئيس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة، بجانب تصفية جهاز الأمن والمخابرات العامة وتفكيكه وكشف ملفاته وتشكيل مفوضية لصياغة الدستور وأخرى للانتخابات وثالثة للتعداد السكاني.

استمرار التصعيد

وفي الجهة الأخرى من الصورة، هناك حراك ثوري متواصل وسط إصرار على المضي فيه حتى تحقيق مطالبه وتخلي العسكر عن السلطة، فقد أعلنت عدد من لجان المقاومة في الخرطوم الخروج في مظاهرة اليوم، وذلك عشية عقد اجتماعين لمجلسي السيادة والدفاع لبحث الأزمة السياسية في السودان، فيما أغلقت السلطات جميع الكباري بالعاصمة باستثناء كباري شمبات والحلفايا وسوبا.

وهدفت اللجان من خلال تلك التظاهرة التي تتزامن مع الإعلان عن المبادرات السياسية إلى التعبير عن رفض قرارات رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان التي أصدرها في 25 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فضلًا عن رفض الاتفاق السياسي الموقع بين البرهان وحمدوك في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

العقبة الأبرز في تلك المبادرات أنها جاءت انعكاسًا لأيديولوجيات الجهة الصادرة عنها، بعيدًا عن مصلحة البلاد العليا التي تتطلب التوافق بين القوى

وشهدت الساعات الأولى من صباح اليوم خروج جموع غفيرة من السودانيين في تظاهرات متفرقة في بعض المناطق، وإن تمركزت بصورة أكبر في العاصمة الخرطوم التي تشهد زخمًا ثوريًا كبيرًا خلال الشهر الأخير، وكانت لجنة أطباء السودان قد أعلنت عن مقتل 5 أشخاص خلال تظاهرات الخميس الماضي التي شارك فيها عشرات الآلاف، فيما أصيب نحو 297 متظاهرًا و49 فردًا من قوات الشرطة.

وكان رئيس الوزراء قد منح وفد أطراف "اتفاقية جوبا" للسلام، مهلة حتى مساء اليوم الأحد، للتوصل إلى اتفاق يخرج البلاد من أزمتها، بحسب مصدر في قوى الحرية والتغيير، الذي أشار في تصريحاته لـ"الجزيرة" أن مكونات "قوى الحرية والتغيير-مجموعة الميثاق الوطني" ستلتقي رئيس مجلس السيادة والقوى السياسية الأخرى، بغية الوصول إلى اتفاق يدعم رئيس الوزراء للاستمرار في منصبه.

وفي سياق متصل نفى مكتب رئيس الوزراء ما أثير بشأن وضع حمدوك قيد الإقامة الجبرية للمرة الثانية بسبب تصاعد الخلاف مع البرهان ومجلسه السيادي الذي يرأسه، مغردًا على حسابه على تويتر بأنه يتمتع بكامل حريته في التحرك والاجتماع والتواصل.

وفي بيان له دعا مجلس السيادة إلى معالجة الأزمة الحاليّة في البلاد بالحوار والتوافق للخروج برؤية موحدة وتسريع تشكيل حكومة التكنوقراط المتعثرة، مؤكدًا على "المضي قدمًا في بسط الحريات وحرية التظاهر والتعبير السلمي، والالتزام بما هو متعارف عليه دوليًا من التظاهر، مع الحفاظ على سلطة القانون وهيبة الدولة، وتوضيح حدود الصلاحيات والأطر بين المواطنين وسلطات الأجهزة الشرطية والأمنية"، داعيًا إلى ضرورة الكشف عن المتورطين في حالات القتل من الأطراف كافة وتقديمهم للمحاكمة.

حلحلة أم تكريس للانقسام؟

القراءة الأولية للمبادرات المعلن عنها تنذر باستمرار الوضع على ما هو عليه، إذ تكرس حالة الانقسام بين القوى السياسية، فالفريق الذي يطالب باستمرار الشراكة بين العسكر والمدنيين من الصعب إقناعه بالرؤية التي تطالب بإطاحة الجنرالات عن المشهد تمامًا، وتقديم المتورطين منهم في جرائم قتل للمحاكمات.

العقبة الأبرز في تلك المبادرات أنها جاءت انعكاسًا لأيديولوجيات الجهة الصادرة عنها، بعيدًا عن مصلحة البلاد العليا التي تتطلب التوافق بين القوى، فمجموعة الميثاق الوطني المنبثقة عن تحالف الحرية والتغيير تسير في عكس الاتجاه الذي يسير فيه تجمع المهنيين السودانيين المتمسك بتسليم السلطة كاملة للمدنيين وإبعاد البرهان ورفاقه عن دائرة الحكم جملةً وتفصيلًا.

الإرهاصات الأولى للعام الجديد تشير إلى أنه لن يختلف كثيرًا عن العام الذي رحل، إصرار على التصعيد لحين إسقاط الانقلاب من جانب المدنيين، واقتتال من أجل ترسيخ أركان الجنرالات وتهيئة الساحة لاستمرار حكمهم من جانب البرهان

هذا بخلاف فقدانها للجدول الزمني والظرفي لكيفية تطبيقها، إذ جاءت فضفاضة غير محددة، وهو ما يجعلها لا تعدو كونها بيانات وتصريحات إعلامية لا ترتقي لمستوى التطبيق الفعلي، الأمر الذي سيكون له مردوده العكسي على ردود الفعل حيالها بصفة عامة.

كما أنها في الوقت ذاته تفتقد للشرعية السياسية والدعم الحزبي والكياني من القوى كافة، وهو ما يحولها إلى مبادرات فردية أكثر منها جماعية، لتبقى قوة وثقل الجهة صاحبة المبادرة هي العامل الأبرز، خاصة تلك التي تمتلك رصيدًا شعبيًا كبيرًا يؤهلها لفرض مبادرتها مقارنة بنظيراتها الأخرى.

التحرك الفردي لدى القوى السياسية المختلفة في تقديم خطة للخروج من المأزق الحاليّ يجهض كل تلك المحاولات التي تتطلب التوحد من أجل أن تكون ذات تأثير فعال يجبر الجميع على احترامه والتعاطي معه بجدية أكثر، مع الوضع في الاعتبار  ضرورة مراعاة عامل الشارع الذي لا شك أنه سيكون العامل الفصل في تغليب كفة عن غيرها.

وعليه فإن المستفيد الأبرز من هذا التناحر والتنافس في تقديم أوراق الخروج من المأزق هو المكون العسكري الذي يكسب المزيد من الوقت لترسيخ أركانه رغم الضغوط التي يواجهها في الداخل والخارج على حد سواء، هذا في الوقت الذي يكتفي فيه المجتمع الدولي ببيانات التحذير والإدانة، في انتظار من ينتصر في معركة تكسير العظام تلك بين المدنيين والعسكر.

الإرهاصات الأولى للعام الجديد تشير إلى أنه لن يختلف كثيرًا عن العام الذي رحل، إصرار على التصعيد لحين إسقاط الانقلاب من جانب المدنيين، واقتتال من أجل ترسيخ أركان الجنرالات وتهيئة الساحة لاستمرار حكمهم من جانب البرهان، لتستمر المعركة التي يبدو أن صاحب النفس الأطول هو من سيحسم نتائجها.