منذ الخميس الماضي، ربما ليس هناك موضوع أكثر تداولًا ورواجًا تحت تصنيف: السياسي، الشأن المصري، بقدر قضية القبض على جاسوس مصري في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يتجسس على واشنطن، وإنما يتتبع معارضي النظام في الخارج.

رغم كونها ليست الأولى من نوعها، فإن هذه القضية نالت اهتمامًا واسعًا على مواقع التواصل، لأسباب من بينها على الأرجح، إلى جانب المفارقة في ضبط جاسوس يتتبع أبناء وطنه لصالح حكومة بلاده، أن السلطات الأمريكية كشفت هوية ذلك الشخص، خلافًا للقضايا الأخرى.

ما القصة؟

يتيح القانون في مظهر من مظاهر خصوصية الديمقراطية الأمريكية لبعض وكلاء الدول الأجنبية العمل لخدمة مصالح بلادهم في الولايات المتحدة، شريطة أن يكون هذا العمل الذي يتقاطع مع الدبلوماسي والسياسي والقانوني، تحت أعين السلطات الأمريكية، عبر توثيق الهويات والأهداف وشبكة العلاقات والتحويلات المالية، لتفادي الإضرار بمصالح الأمن القومي الأمريكي، مع ترك هامش حرية للعمل الدبلوماسي العابر للحدود، وذلك حسبما يوضح مايكل دريسكول مساعد مدير مكتب المدعي العام الأمريكي.

ما حدث بالضبط، أن السلطات المصرية في القاهرة وفي السفارة المصرية بنيويورك جندت، منذ عام 2014، أحد الأمريكيين من حاملي الجنسية المزدوجة، مصري أمريكي، بحيث يقدم خدمات دبلوماسية وأمنية وسياسية للنظام المصري، رفيعة المستوى، دون توثيق تلك الأعمال لدى السلطات الأمريكية.

معظم الأعمال التي قام بها الجاسوس المصري لدى الولايات المتحدة، تتعلق في الأساس بتعقب المعارضين في معقل الجالية المصرية هناك، نيويورك، حيث تقع السفارة المصرية، من خلال جهود ميدانية على الأرض، باستخدام نفوذه الوظيفي والعلاقات لدى المؤسسات الأمريكية.

ورغم عمله تلك المدة، أي نحو خلال 7 أعوام تقريبًا، فإن السلطات الأمريكية لم تتمكن من الإيقاع بذلك الجاسوس، بشكل رسمي، إلا قبل ساعات، عبر القبض عليه بواسطة مكتب التحقيقات الفيدرالي وإحالته للمحاكمة، كما أشار بيان وزارة العدل الأمريكية.

من هو الجاسوس؟

كما ذكرنا وخلافًا لوقائع سابقة، فقد أفرجت السلطات الأمريكية عن الهوية الكاملة لذلك الشخص، الاسم والسن والعنوان، ما أتاح للنشطاء والباحثين لاحقًا تعقب المزيد من البيانات الشخصية عنه، عبر ما يعرف بالأدوات مفتوحة المصدر.

وفقًا لبيان الحكومة الأمريكية فإن الشخص المعني يدعى بيير جرجس، وهو، كما يظهر من الاسم، مسيحي مصري (أقباط المهجر) يحمل جنسية الولايات المتحدة، وقد اصطدم الرجل (39 عاما) المقيم في مانهاتن بنيويورك، فيما يبدو، بالبيروقراطيّة القانونية الأمريكية التي لا تسمح بكثير مما قد يسمح به الساسة رفيعو المستوى من تجاوزات ضد مصالح البلاد.

عبر استخدام الأدوات مفتوحة المصدر، وثق عدد من الصحفيين المصريين بعضًا من مواضع ظهور جرجس في الشأن العام، التي كان أبرزها استضافته في وسيلة إعلام رسمية تابعة للنظام خلال الاحتفالات القومية بذكرى ثورة 23 يوليو/ تموز عام 1952، في لقاء مصور من سفارة مصر بنيويورك، أثنى خلاله على القيادة السياسية والجيش.

بحسب البيانات الأمريكية، فقد برز جرجس ميدانيًا بوضوح خلال عامي 2018 - 2019 من جهة اتصاله مع المسؤولين المصريين في القاهرة والسفارة المصرية في نيويورك، الذين طالبوه حينئذ بالتركيز في التعامل مع جهاز أمني واحد دون غيره، وترتيب لقاءات بين مسؤولين مصريين ونظراء لهم في مانهاتن لأغراض أمنية، منها حضور تدريبات جهاز الشرطة المحلي في المدينة.

كما يبدو، فإن جرجس كان ضالعًا في الأنشطة الدبلوماسية التي تتكثف دومًا في مشهد استقبال السيسي، في نيويورك، سبتمبر/أيلول من كل عام، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يواظب السيسي على حضورها، في ظل تفاعل ملحوظ من مؤيديه في المدينة، الذين يظهر عليهم الطابع المسيحي بوضوح.

للمفارقة، فقد تزامن خروج ذلك البيان من الحكومة الأمريكية إلى الإعلام، مع حضور السيسي قداس عيد الميلاد في الكاتدرائية الجديدة بالعاصمة الإدارية، الذي أثنى خلاله على العلاقة بين النظام والبابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وأهم شخصية قبطية في مصر.

اتكأ جرجس في أدائه تلك المهام، مراقبة المعارضين في الخارج والتنسيق لزيارات أمنية متبادلة في مانهاتن ودعم النظام في نيويورك، على موقعه الوظيفي المرموق كنائب لرئيس بنك كابيتال وان، أحد أبرز المصارف الأمريكية، وانخراطه في أنشطة جماعات شرطية في نيويورك، إلى جانب علاقاته الوطيدة مع أحد الأجهزة الأمنية في الداخل المصري.

ليست الأولى

مطلع العام الماضي، حكمت محكمة ألمانية أيضًا على جاسوس مزدوج الجنسية، ألماني مصري، يدعى"أمين كـ" (61 عامًا) بالحبس 21 شهرًا، مع إيقاف التنفيذ، بعد ثبوت ضلوعه في قضية مشابهة مع السلطات المصرية، مستغلًا وظيفته في قسم الزائرين بالمركز الإعلامي للصحافة التابع للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في ذلك الوقت.

بينما خرج جرجس المتهم في الولايات المتحدة حاليًّا من مصر في الأساس باعتباره لاجئًا دينيًا، ومن ثم أعادت السلطات المصرية الاستفادة منه بالاعتماد على موقفه المذهبي من معارضيها الإسلاميين، فإن الجاسوس المصري في ألمانيا كان يعمل في الأساس مع أحد الأجهزة الأمنية المصرية بشكل مباشر، قبل أن يسافر إلى برلين.

قدم الجاسوس المصري في ألمانيا معلومات عن 5 من زملائه ذوي الأصول العربية في مكتب الزيارات، كما حاول تجنيد زميل له مترجم في الشؤون البرلمانية، لكنه لم ينجح في ذلك، وزادت المهام المطلوبة منه بالتزامن مع صعود السيسي إلى الحكم، وتنامي النزعة المعارضة لدى الأكاديميين المصريين في ألمانيا، ومساعي النظام لتوطيد علاقاته مع السلطات الألمانية على نحو إستراتيجي بصفقات السلاح والمشاريع.

وفيما قبضت هيئة حماية الدستور الألمانية على الجاسوس المصري في برلين نهاية 2019، وحكم عليه القضاء حكمًا مخففًا بعد الاتفاق على صفقة مع الدفاع تقضي باعتراف المتهم بكل التفاصيل المطلوبة مقابل تخفيف الحكم، فإن مكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك كشف بيتر نهاية العام الماضي كما يبدو، ثم قدمه إلى المحاكمة أمام روبرت دبليو ليبرغر يوم الخميس في محكمة مانهاتن الفيدرالية.

مستقبل القضية

وفقًا لما ذكره موقع "العربي الجديد" في تغطيته للخبر، فإن السلطات المصرية تعول على نفوذها الدبلوماسي في واشنطن والمصالح المشتركة لمنع تحول تلك القضية إلى أزمة دبلوماسية بين البلدين، وذلك على لسان مصدر من الخارجية المصرية.

قانونيًّا، من المفترض أن جرجس يواجه الآن تهمتين مترابطتين تتعلقان بممارسته العمل لصالح دولة أجنبية دون إخطار السلطات الأمريكية، وهو ما يضعه أمام احتمال الحبس لمدد قد تصل إلى 15 عامًا، إلا أن الهيئة القضائية الأمريكية تذيِّل أوراق القضية بالديباجة المعهودة عن براءة المتهم، إلى حين حدوث الإدانة.

في العام الماضي، نجح النظام المصري في إجهاض مساعي أحد أبرز المعارضين المصريين في الخارج، الناشط محمد صلاح سلطان، في تعقُّب رئيس الوزراء الأسبق حازم الببلاوي الذي كان مسؤولًا حكوميًا خلال اعتقال سلطان وتعذيبه داخل السجون المصرية بعد فض ميدان رابعة العدوية أغسطس/آب 2013، قانونيًا في المحاكم الأمريكية، وذلك بدعوة تمتُّعه بالحصانة الدولية، على خلفية توليه منصبًا مرموقًا في البنك الدولي.

خلال الشهور الأخيرة، برز نشاط حقوقي واسع في بلاد الربيع العربي عن إمكانية تعقب المتهمين في جرائم سياسية خارج الحدود، وذلك عن طريق الاستفادة من هامش الحرية الموجود نسبيًا في الغرب، بالأخص في ألمانيا كما حدث مع محسوبين على النظام السوري، وفي واشنطن التي أسقطت مؤسساتها البيروقراطية عددًا من المتعاونين السريين غير المسجلين لصالح السلطات الإماراتية.

فيما يخص قضية جرجس، فإن مكتب الادعاء الأمريكي على لسان داميان ويليامز رئيس المكتب وماثيو چي أولسن أحد أبرز المساعدين، يظهر قدرًا من الخشونة في التعامل مع الملف، نظرًا لخطورته على الأمن القومي الأمريكي، لكن الأمر في جانب معتبر منه بيد القضاء والخارجية والكونغرس.

من جهة أخرى في نفس السياق، فقد طالبت جمعيات حقوقية مثل جمعية "داون" السلطات الأمريكية بالحزم مع النظام المصري في هذه القضية، خوفًا من تكرار حادثة خاشقجي ضد معارض مصري هذه المرة، وبالأخص في ظل التقارير التي تحدثت عن ضلوع النظام المصري في إحدى مراحل اغتيال خاشقجي نفسه، مشيرة إلى ضرورة كشف أسماء المسؤولين والهيئات التي قامت برعاية ذلك الجاسوس في نيويورك.