تشاؤم بشأن خروج مباحثات جنيف بأي نتائج إيجابية

تخيم الأجواء التشاؤمية على جولة المحادثات الروسية الأمريكية المنعقدة اليوم في مدينة جنيف السويسرية، لمناقشة الضمانات اللازمة لتجنب تصاعد النزاع في أوكرانيا بعد السجال الممتد بين القطبين طيلة الآونة الأخيرة الذي فرض نفسه على طاولة نقاشات حلف شمال الأطلسي.

التصريحات الاستباقية الصادرة عن الطرفين تعكس تراجع منسوب الأمل في أن تسفر تلك المحادثات عن جديد، في ظل تمسك كل طرف بخطوطه الحمراء، ورفض تقديم أي تنازلات، ما يبقي الملف الأوكراني على ذات وتيرته الساخنة التي يمني البعض نفسه بأن تبرد تدريجيًا في أعقاب سلسلة اللقاءات المقرر انعقادها خلال الأيام القادمة، فالأربعاء القادم سيعقد اجتماع لـ"مجلس روسيا - الأطلسي" في بروكسل، على أن يليه لقاء بين ممثلي روسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في فيينا الخميس.

يعلم الطرفان أن عدم التوصل إلى أرضية مشتركة من التفاهمات من شأنه أن يرفع من درجة التوتر، في ظل حزمة من الملفات العالقة بينهما التي من المحتمل أن تعرقل جهود التهدئة، وهو ما اتضح نسبيًا في التصريحات التصادمية لوزير الخارجية الأمريكي، أنتوين بلينكن، ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، قبيل ساعات قليلة من انطلاق المباحثات.

خلافات قبل المحادثات

تدخل موسكو وواشنطن مباحثات جنيف وفي جعبتهما حزمة من الخلافات التي بلا شك ستلقي بظلالها على الأجواء التفاوضية بصفة عامة، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة على مائدة الحوار أم من خلال قناعة كل طرف بالضمانات المقدمة من الجانب الآخر، كأرضية مشتركة للتفاوض.

ظاهريًا، يتصدر الملف الأوكراني قائمة الخلافات بين البلدين، إذ يتهم الغرب الجانب الروسي بنشر ما يصل إلى 100 ألف جندي عند الحدود مع أوكرانيا، وهو ما دفعه للتوعد بفرض عقوبات غير مسبوقة حال إقدام الروس على شن حرب جديدة، في تكرار لسيناريو شبه جزيرة القرم 2014.

الغرب وفي المقدمة منه واشنطن يطالب موسكو بسحب قواتها المتمركزة على الحدود، إحياءً لاتفاقات "مينسك" الخاصة بإنهاء النزاع في دونباس بشرق أوكرانيا بين كييف والانفصاليين الموالين لروسيا، وفي المقابل يطالب الجانب الروسي بوضع حد لتوسيع حلف شمال الأطلسي عند حدودها وتقليص عدد العسكريين التابعين للحلف في أوروبا الشرقية، وهي المطالب التي وصفها الناتو بـ"غير المقبولة".

قبل أقل من 24 ساعة من انطلاق المباحثات، شن مسؤولا البلدين حرب تصريحات، أكدا خلالها على تمسكهما بمواقفهما السابقة، وعدم تقديم أي تنازلات خلال جولة جنيف

وتزخر قائمة الخلافات بملفات أخرى غير أوكرانيا، فهناك ملف نزع السلاح، حيث تدور النقاشات بخصوص الحد من التسلح بين القوتين النوويتين، وكان هذا الملف قد طرح قبل عام تقريبًا، في محاولة لتمديد معاهدة "نيوستارت" بشأن الحد من الترسانات النووية لمدة خمس سنوات.

وقتها أعربت واشنطن عن استعدادها لاتخاذ إجراءات في هذا الاتجاه دون أن تحدد طبيعتها، لكنها اشترطت أن تسحب موسكو قواتها أولًا من الحدود الأوكرانية، وهو ما اعتبره الروس مقايضة تنم عن سوء نوايا، وعليه دخل هذا الاتفاق ثلاجة التجاهل طيلة الأشهر الماضية، إضافة إلى الحرب السيبرانية بين البلدين، إذ يتهم كل طرف الآخر بشن هجمات إلكترونية من شأنها التدخل في شؤون الدولة الأخرى، سواء في الانتخابات أم في قضايا اقتصادية وأمنية.

كما يأتي الملف الحقوقي في مقدمة الملفات الخلافية بين البلدين، فتتهم واشنطن (التي تزعم في ظل إدارة بايدن بأن تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان من ثوابت سياستها الخارجية) موسكو بارتكاب العديد من الانتهاكات الحقوقية، داعية إلى التخلي عن سياسة التضييق والتنكيل بالمعارضين، تعليقًا على حبس المعارض الروسي ألكسي نافالني، التي تطالب بإطلاق سراحه، مع منح المزيد من الحريات السياسية في البلاد، هذا بجانب مسألة تبادل السجناء بين الدولتين وهو الملف الذي ربما يفرض نفسه خلال المحادثات بينهما الفترة المقبلة.

التدخل الروسي في كازاخستان التي تواجه احتجاجات خلال الأيام الماضية والدعم الذي تقدمه موسكو لنظام ألكسندر لوكاشينكو، في بيلاروسيا، الذي أثارت إعادة انتخابه الكثير من الجدل، فضلًا عن احتضان نظام بشار الأسد وتقديم كل أوجه المساعدات له، كل هذا يعمق من حجم الخلافات بين البلدين ويجعل الحوار بينهما مسألة شاقة.

وتعد أزمة السفراء بين القوتين دليلًا لا يقبل التأويل المتعدد على مستوى الفجوة بينهما، إذ وصلت أعداد الدبلوماسيين لكل منهما لدى الآخر إلى أدنى مستوياتها، إثر موجات الطرد والطرد المقابل التي انتهجتها سفارتا البلدين خلال الأشهر الماضية، وكانت بمثابة سبب ونتيجة لما وصلت إليه الأوضاع الحاليّة من توتر في العلاقات.

تصريحات صدامية

قبل أقل من 24 ساعة من انطلاق المباحثات، شن مسؤولا البلدين حربًا إعلاميةً، أكدا خلالها تمسكهما بمواقفهما السابقة، وعدم تقديم أي تنازلات خلال جولة جنيف، وبعيدًا عن دوافع تلك التصريحات وما إذا كانت نوعًا من الضغط قبيل المباحثات، لكنها قللت من فرص الخروج بنتائج إيجابية لدى المراقبين.

وزير الخارجية الأمريكي خلال تصريح له أمس الأحد لشبكة "سي إن إن" حذر روسيا من حدوث أي مواجهة بشأن أوكرانيا، لافتًا إلى ضرورة تغليب مسار الحوار والدبلوماسية للوصول إلى حل، منوهًا أن مسار المواجهة على طاولة النقاش كذلك حال جددت موسكو اعتداءها على كييف.

بلينكن ربط الخروج بنتائج إيجابية في تلك المباحثات باستعداد روسيا للتراجع عن مواقفها التي وصفها بـ"العدوانية" مشبهًا إياها وكأنك توجه مسدس صوب رأس أوكرانيا"، وهو ما لم يتوقعه، ما دفعه للتحذير بأن الروس سيواجهون عواقب اقتصادية ومالية وخيمة، مضيفًا "لست أنا فقط من أقول ذلك. لقد أوضحت مجموعة السبع أنه ستكون هناك عواقب وخيمة. كما أن الاتحاد الأوروبي وشركاء حلف الناتو وحلفاءه أيضًا أوضحوا هذا الأمر".

رغم ترجيح الجانب الروسي عدم موافقة واشنطن وحلف الأطلسي تقديم الضمانات الأمنية المتعلقة بعدم التوسع الغربي في أوكرانيا، وهي المطالب الرئيسية التي يحملها خلال مباحثات جنيف، لكن موسكو أكدت أنها لن تقدم أي تنازلات تحت الضغط

وفي الجانب الآخر وفي حديثه لوكالة "نوفوستي" الروسية، جدد ونائب وزير الخارجية الروسي على رفض بلاده إصرار واشنطن على تقديم روسيا تنازلات أحادية، معتبرًا أن ذلك لا يمكن أن يكون قاعدة لنقاش مثمر عن الضمانات الأمنية، منوهًا أن وفد بلاده المشارك في تلك المباحثات سيطالب بعدول حلف الناتو عن التوسع شرقًا والعزوف عن نشر أسلحة ضاربة بالقرب من الحدود الروسية.

ورغم ترجيحه عدم موافقة واشنطن وحلف الأطلسي تقديم الضمانات الأمنية المتعلقة بعدم التوسع الغربي في أوكرانيا، وهي المطالب الرئيسية التي يحملها الجانب الروسي خلال تلك المباحثات، لكنه أكد أن موسكو لن تقدم أي تنازلات تحت الضغط، متوقعًا ألا تستمر المباحثات عن الضمانات مع واشنطن أكثر من اجتماع واحد فقط في ظل تمسك كل جانب بمواقفه.

هل تقدم المباحثات جديدًا؟

إصرار موسكو على الحصول على الضمانات ومنع انضمام الجمهوريات المستقلة عن الجمهورية السوفيتية سابقًا إلى حلف الناتو، ووضع حد للنشاط العسكري الغربي في أوكرانيا، مع تمسك واشنطن بانسحاب القوات الروسية من هناك، يشكك في تحقيق تلك المفاوضات أي اختراق سواء في الملفات المطروحة على جدول أعمال المباحثات أم في مسار العلاقات المتأزمة بين روسيا والغرب.

فالروس ليسوا على استعداد لمناقشة قضية القرم مع كييف أو الغرب، ولا أليكسي نافالني مع واشنطن، كما أن الأخير لن يطرح فكرة الانسحاب الكلي لقوات الناتو مع موسكو، ولن يسمح بتعزيز الوجود الروسي بما يهدد المصالح الغربية في تلك المنطقة، وهو ما سيزيد الوضع تأزمًا.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغرب الداعم لأوكرانيا اليوم قد لا يسمح لها بمنحها عضوية الناتو، وهي الضمانة التي يمكن أن يقدمها لموسكو، فمنحها العضوية سيكون له تداعيات اقتصادية وجماهيرية كبيرة، حيث تكبد المبالغ الطائلة من جيوب دافعي الضرائب في أمريكا وعواصم أوروبا، كما أن هذه الخطوة ستزيد من احتمالات الصدام المباشر بين روسيا والغرب، وعليه قد يميل الغرب إلى فكرة التعامل مع كييف لكن دون التزامات ربما تحمله فوق طاقته مستقبلًا، لا سيما أنه من المتوقع أن تظل درجات الحرارة السياسية والأمنية في هذا الملف مرتفعة خلال المرحلة المقبلة.

وعليه فمن المستبعد أن تخرج اجتماعات اليوم بأي جديد أو حلحلة للملف الأوكراني تحديدًا، لكن ليس معنى ذلك عدم تحقيق أي إيجابيات في تلك الجولة، فمجرد انعقادها، دون اللجوء إلى التأجيل في ظل تلك الضبابية، يعد نجاحًا في حد ذاته، ويعكس رغبة الطرفين في تجنب التصعيد.

وفي الأخير يمكن القول إن محادثات جنيف المرتقبة التي تخيم عليها أجواء التشاؤم والفشل المسبق قبل انطلاقها، سترفع من الدبلوماسية شعارًا رئيسيًا لها، وهو الشعار الذي يبرد نسبيًا من حدة التوتر العسكري، وهي الحسنة الوحيدة المتوقع أن تخرج بها بعيدًا عن أي مسارات أخرى، التي ربما تكون تمهيدًا إيجابيًا لجولة المفاوضات الأخرى خلال الأيام القادمة في بروكسيل وفيينا يومي 12و13 يناير/كانون الثاني الحاليّ.