السيسي خلال منتدى شباب العالم في شرم الشيخ

تشهد مدينة شرم الشيخ السياحية المصرية هذه الأيام فعاليات النسخة الرابعة من منتدى شباب العالم الذي يقام في الفترة من 10-13 يناير/كانون الثاني الحاليّ، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي وحضور عدد من الشخصيات السياسية العربية أبرزها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، إضافة إلى ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله.

المنتدى الذي يستمر 3 أيام ويشارك فيه 5 آلاف شاب من 196 دولة يناقش عددًا من الملفات أبرزها "حقوق الإنسان، تغير المناخ، تأثيرات ما بعد فيروس كورونا، مستقبل الطاقة، البيئة، الدراسة عن بُعد، التحول الرقمي، التكنولوجيا والجيل الخامس، ريادة الأعمال".

يأتي انعقاد هذا المنتدى الذي انطلقت نسخته الأولى 2017 في ظل انتقادات حقوقية إقليمية ودولية تطالب السلطات المصرية بتحسين ملفها الحقوقي، وخاصةً مع وجود أكثر من 60 ألف معتقل داخل السجون، معظمهم من الشباب، تزامنًا مع طفرة هائلة في حجم الديون الخارجية للبلاد، بجانب الوضع المعيشي المتدني في ظل قبوع أكثر من 30 مليون مواطن تحت مستوى خط الفقر، بحسب الإحصاءات الرسمية، ما يثير التساؤل عن فوائد تلك المنتديات ومكاسب الدولة المصرية منها في ظل الإصرار على عقدها رغم كلفتها العالية.

السيسي والمؤتمرات

منذ توليه السلطة في 2014 تبين أن السيسي عاشق للمؤتمرات والفعاليات التي تمنحه سلطة الحديث بأريحية وبأطول وقت ممكن أمام الجموع الغفيرة، فالرجل طيلة السنوات السبعة التي تقلد فيها الأمور لم يترك فرصة للحديث إلا واستغلها، حتى بات هذا الأمر مكررًا بصورة شبه يومية.

ففي 25 من أكتوبر/تشرين الأول 2016، كانت نقطة الانطلاق نحو عقد منتديات الشباب، فكان المؤتمر الأول في مدينة شرم الشيخ تحت شعار "ابدع.. انطلق" بمرحلتيه الأولى والثانية، بمشاركة قرابة نحو 3 آلاف شاب، وحضور أكثر من 300 شخصية عامة وخبراء متخصصين كمتحدثين ومشاركين ومديرين للجلسات.

وبعد أقل من 3 أشهر على الأول، كان المؤتمر الثاني في 27 يناير/كانون الثاني 2017 بمدينة أسوان (صعيد مصر) واستمر لمدة يومين، بمشاركة 1300 شاب، فيما عقد المؤتمر الثالث في الإسماعيلية (شرق) في الفترة من 27 إلى 25 أبريل/نيسان 2017، وهو المؤتمر الذي أراد فيه السيسي أن ينتقل من المؤتمرات المحلية إلى العالمية، فكانت الدعوة لشباب العالم للمشاركة في منتدى عالمي يهدف إلى "نقل رسالة سلام وتنمية ومحبة للعالم" بحسب وصف الدولة المصرية.

المزاج النرجسي للرئيس يتناغم جزئيًا مع مزاج سلفيه، جمال عبد الناصر (الذي طالما تمنى السيسي أن يحظى بإعلام مثله) وأنور السادات (صاحب رؤيا تولي السيسي للحكم حسب حديث الأخير)

وفي 24 من يوليو/تموز 2017 كانت فعاليات مؤتمر الشباب الرابع الذي عقد بمدينة الإسكندرية بمشاركة 1300 شاب من مختلف المحافظات، أما المؤتمر الخامس فكان في مايو/أيار 2018، بينما احتضنت جامعة القاهرة النسخة السادسة منه على مدار يومي 28-29 يوليو/تموز 2018، فيما شهدت العاصمة الإدارية الجديدة فعاليات النسخة السابعة في يوليو/تموز 2019، قبل أن تختتم تلك السلسلة بالمؤتمر الثامن الذي عقد في سبتمبر/أيلول من العام ذاته.

أما فيما يتعلق بمنتديات الشباب العالمية، فقعدت ثلاث نسخ منها قبل النسخة الحاليّة، شهدت في مجملها حضور 15 ألف شاب من 160 دولة، الأولى كانت في الفترة بين 4 -10 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، فيما انطلقت النسخة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، انطلقت النسخة الثانية للمنتدى بحضور 5 آلاف شاب من 160 دولة، أما النسخة الثالثة فشهدها ديسمبر/كانون الأول 2019، بحضور 7 آلاف شاب من 196 دولة.

على خطى ناصر والسادات

في الوقت الذي كان لا يخرج فيه رؤساء مصر السابقين على المواطنين إلا في المناسبات القومية فقط، يلاحظ أن السيسي يحرص على حضور الفعاليات كافة، وصولًا إلى افتتاحه بنفسه كل المشروعات التي تنجزها الحكومة، صغيرها وكبيرها، قاهرها وأقاليمها.

ويعد الرئيس المصري الحاليّ صاحب فكرة منتديات الشباب، إذ يشعر بسعادة غامرة حين يقف أمام مئات الشباب، ممسكًا بالميكروفون، ليقضي الساعات في الحديث عن فكره ورؤيته لتطوير البلاد، مع الاستعانة بين الحين والآخر ببعض محطات حياته، من أجل توصيل رسائل معينة، تصب جميعها في بوتقة "التفخيم" للذات.

المزاج النرجسي للرئيس يتناغم جزئيًا مع مزاج سلفيه، جمال عبد الناصر (الذي طالما تمنى السيسي أن يحظى بإعلام مثله) وأنور السادات (صاحب رؤيا تولي السيسي للحكم حسب حديث الأخير) لكنه في الوقت ذاته يتفوق عليهما بشكل كبير.

في الوقت الذي يتحدث فيه حضور المنتدى عن حقوق الإنسان وضرورة تعزيزها، يقبع داخل السجون أكثر من 60 ألف مواطن مصري، غالبيتهم من الشباب، بتهم تتعلق بمواقفهم وآرائهم السياسية

وتشبه النشوة النفسية التي يكون السيسي عليها خلال مؤتمراته بتلك التي كان عليها عبد الناصر خلال مؤتمرات التنظيم الطليعي (الذي كان يهدف من خلاله تكوين كوادر شبابية لخدمة الوطن) والمناسبات القومية التي كان يقضي بها الرئيس أكثر من 3 ساعات أحيانًا، يتكلم بارتجالية وسط جموع غفيرة، وهي الساعات التي تشهد تصفيقًا يفوق في زمنه الوقت الذي يقضيه الرئيس في الحديث.

الأمر كذلك مع السادات الذي كان يعشق الكلام هو الآخر، وإن كان بنسبة أقل من ناصر الذي كان يتمتع بشعبية وكاريزما لم يتمتع بها خليفته على حكم مصر، الذي كان يجد نفسه خلال لقاءات المفكرين والإعلاميين والساسة، مستعينًا بما كان يتمتع به من ثقافة وطلاقة حديث، وقدرة كبيرة على التكلم باللغة العربية الفصحى.

شعارات تناقض الواقع

الملف الأول الذي تضمنته النسخة الحاليّة من منتدى شباب العالم يأتي تحت عنوان "حقوق الإنسان" وهو العنوان الذي ينسفه الواقع شكلًا ومضمونًا، ففي الوقت الذي يتحدث فيه حضور المنتدى عن حقوق الإنسان وضرورة تعزيزها يقبع داخل السجون أكثر من 60 ألف مواطن مصري، غالبيتهم من الشباب، بتهم تتعلق بمواقفهم وآرائهم السياسية، بينهم صحفيون ومدافعون حقوقيون وقادة سابقون في الجيش ومرشحو رئاسة ووزراء وبرلمانيون، والعديد منهم في الحجز المطول قبل المحاكمة.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه الرئيس المصري على ثقافة الاختلاف ويدعو لفتح المنافذ أمام الشباب، تحجب السلطات المصرية أكثر من 500 موقع إلكتروني منذ 2017 وحتى اليوم، ويتعرض الصحفيون العاملون في بعض المواقع الأجنبية والعربية للاستهداف الأمني والقضائي، فضلًا عن تضييق الخناق على الحريات النقابية والعمالية وهو ما توثقه التقارير الصادرة عن جهات الرصد الحقوقية.

ويتزامن انعقاد المنتدى مع مذبحة ارتكبتها الحكومة المصرية بحق الدعم الموجه لمحدودي الدخل، إذ ارتفعت الأسعار بصورة جنونية تجاوزت في بعض السلع 100% هذا بخلاف الإطاحة بالملايين من منظومة الدعم التمويني بحجة إنجاب أكثر من طفلين، فضلًا عن منع المتزوجين حديثًا من الانضمام لتلك المنظومة، وذلك بحجة عدم قدرة الدولة على تحمل كل تلك الأعباء المالية في ظل وضعيتها الاقتصادية والمالية الصعبة.

وبينما يتجاوز حجم الدين الخارجي (الذي زاد بنسبة 193% خلال سنوات السيسي السبعة) 137.9 مليار دولار وفق إحصاء البنك المركزي، ويلتهم سداد أقساطه وفوائده أكثر من 80% من الإيرادات العامة للدولة، تنفق الدولة على هذا المنتدى الذي تدور فعالياته في مدينة شرم الشيخ السياحية حاجز الـ100 مليون دولار على الأقل، وفق تقديرات المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر".

ويشير رئيس المركز مصطفى الخضري، في تصريحات صحفية له، أن النسخ الثلاثة السابقة من المنتدى كلفت خزينة الدولة نحو 240 مليون دولار، نصفهم  ككلفة مباشرة لانتقال وإقامة المشاركين، والنصف الآخر كلفة غير مباشرة مثل الهدايا التي تقدم للحضور وتكلفة التأمين للمشاركين الأجانب والمسؤولين الرسميين.

هذا بخلاف فقدان مصر العوائد بالعملة الصعبة المحتمل الحصول عليها خلال الموسم السياحي الحاليّ في مدينة بحجم شرم الشيخ، في ظل الضوابط الأمنية المشددة وإشغال الفنادق والخطوط الجوية طيلة فترة انعقاد المنتدى بتسكين الحضور ونقلهم، وفق رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام.

لماذا الإصرار علي تلك الفعاليات؟

بحسب الأرقام والمعطيات خلال 8 مؤتمرات محلية للشباب و3 منتديات عالمية، فضلًا عن الرابع المنعقد حاليًّا، على مدار 6 سنوات كاملة، فإن العائد لتلك الفعاليات لم يتجاوز حاجز "البروباغندا" للنظام وفقط، دون أن تحقق منه الدولة ككيان أكبر أي مكاسب على الإطلاق، إن لم تكن تكبدت في سبيله مئات الملايين من الدولارات في وقت هي في أمس الحاجة لكل جنيه يمكن توفيره في ضوء سياسة التقشف التي يتبناها النظام مع الشعب.

وإن كان انعقاد مثل تلك المؤتمرات في السابق مقبولًا في ضوء محاولة الرئيس ونظامه تجميل الصورة لدى الخارج والبحث عن الشرعية الدولية المفقودة بعد 3 يوليو/تموز 2013، فإنها اليوم وبعد مرور 8 سنوات على تلك الأحداث لم تعد منطقية،  إن لم تكن هناك دوافع وأسباب أخرى وراء الإصرار على إقامتها بين الحين والآخر.

من الواضح أن إستراتيجية النظام في تسويق الوهم للمجتمع والإيهام بأن الأمور في أفضل حالاتها، مستغلًا القوة الضاربة للشباب في الترويج لتلك المفاهيم، هي الأبرز والأقوى لدى القائمين على أمور الدولة المصرية في الوقت الحاليّ، بينما يئن السواد الأعظم من الشعب تحت وطأة الفقر والعوز والحرمان، حيث أكثر من 30 مليون مواطن تحت مستوى خط الفقر، وسط توقعات بزيادة تلك المعدلات حال استمرار الوضع على ما هو عليه.

والملاحظ أن الشعارات التي يرفعها السيسي خلال تلك الفعاليات، وأبرزها السلام والتنوع وقبول الآخر وتجديد الخطاب الديني ومحاربة الإرهاب، تهدف في المقام الأول إلى مغازلة العالم، وتصدير صورة إيجابية للرئيس كونه الرجل الإصلاحي التقدمي رغم خلفيته العسكرية التي كانت محل انتقاد.

ومن ثم بات من المسلم به أن منتدى الشباب العالمي الذي تحتضنه مدينة السلام كما يسمونها، ليس إلا فرصة دورية للسيسي للترويج لنفسه، وتسليط الأضواء العالمية عليه، وتمرير أفكاره وتصوراته لتطوير الدولة المصرية وفق رؤيته الخاصة، بما يتناغم مع نرجسيته التي تطغى على تصريحاته وأحاديثه يومًا تلو الآخر.