لم يهدأ الشارع السوداني منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين أطاح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بشركائه المدنيين في الحكم الانتقالي، مستأثرًا لنفسه وجنرالاته بالسلطة كاملة، وهو ما أوغر صدور التحالف المدني (قوى الحرية والتغيير) وبعض الكيانات الثورية الأخرى التي وصفت تلك الخطوة بالمخطط مكتمل الأركان للإطاحة بثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 ومكتسباتها.

ودفع التصعيد الثوري رئيس الحكومة السابق، عبد الله حمدوك، لتقديم استقالته في 2 يناير/كانون الثاني بعد فشله في استعادة شعبيته المتراجعة وعودة حاضنته السياسية التي انفكت من حوله بعد اتفاقه مع قائد الجيش في 21 نوفمبر/تشرين الثاني، ليصل الحراك إلى مرحلة متقدمة من التحفيز، كان نتاجه الاعتصام أمام القصر الجمهوري.

ولم تتوقف التظاهرات طيلة الـ85 يومًا الماضية، وصولًا إلى مليونية الأمس، 17 يناير/كانون الثاني الحاليّ، التي أسفرت عن 7 قتلى و100 مصاب، ليرتفع عدد من سقطوا منذ الانقلاب إلى 71 مدنيًا، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية التي وجهت رسالة للمجتمع الدولي تندد فيه بانتهاكات العسكر الوحشية ضد التظاهرات السلمية.

تزامن هذا التصعيد مع حزمة من المبادرات السياسية، المحلية والدولية، لحلحلة الأزمة والوصول إلى حلول عاجلة للخروج من تلك الشرنقة التي تضيق يومًا تلو الآخر، الأمر الذي صعد من مخاوف البعض من الانزلاق نحو مستنقع الحرب الأهلية والصدام المسلح المباشر بين طرفي النزاع.

إصرار على مواصلة الحراك

فشلت كل الوساطات المقدمة لإثناء طرفي الصراع عن المضي قدمًا في طريق التصعيد، ودفعهما إلى العودة خطوة للوراء، إذ يتمسك كل فصيل بمواقفه المعلنة التي عبر عنها علانية، إسقاط الانقلاب وغلق مسارات الشراكة والتفاوض مع العسكر بحسب المدنيين، والتشبث بالسلطة والاستئثار بها أو على الأقل الهيمنة على النصيب الأكبر منها بالنسبة للجنرالات.

ورغم سقوط الضحايا خلال الصدامات اليومية المتواصلة بين المتظاهرين وقوات الأمن، فإن القوى المدنية لا تتوقف عن دعوات الاستمرار في الحراك مهما كان الضحايا، لافتة إلى أنه الطريقة الوحيدة للحفاظ على مكتسبات الثورة وتعزيز المسار الديمقراطي للبلاد.

وتحاول القوى المدنية قدر الإمكان تجنب السقوط في فخ الصدام المسلح مع العسكر، وهو الفخ الذي ربما يصب في صالح الجنرالات ويعطيهم شرعية استخدام السلاح وفض الحراك بالقوة، وعليه حرص تحالف قوى الحرية والتغيير وغيره من الكيانات المدنية الداعمة للمسار الديمقراطي على الابتعاد عن فكرة المواجهات الخشنة، مرجحة أن تتمسك المقاومة بمسارها السلمي.

وعليه كانت دعوة التحالف إلى عصيان مدني لمدة يومين، 18و19 من الشهر الحاليّ، وذلك ردًا على المجازر التي ارتكبتها القوات المسلحة بحق متظاهري الأمس، إذ أشارت "الحرية والتغيير" في بيان لها أن ما أسمته "السلطة الانقلابية" واصلت "ارتكاب المجازر في حق شعب أعزل خرج يطلب حريته وكرامته، فقابلته بزخات الرصاص والمدافع المضادة للطائرات وكل أشكال العنف العاري الذي يدلل على إجرام هذه السلطة ووحشيتها ويؤكد عزلتها وذهابها المتعجل لقدرها المحتوم وهو السقوط المدوي والتشييع لمزابل التاريخ"، مؤكدة أن "المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجرائم سيحاسبون بجرمهم وأن ما ناضلوا من أجله سيتحقق في وطن لن يظلم أو يقتل فيه أحد".

ومنذ 25 أكتوبر/تشرين الثاني الماضي، يحيا الشارع السوداني حالة عصيان مدني مستمر، يتأرجح صعودًا وهبوطًا، لكنه يبقى إستراتيجية دائمة لدى المكون المدني الذي يرى في التصعيد الثوري السلمي الحل الوحيد لإسقاط الانقلاب، بعيدًا عن أي وساطات أو مبادرات تصب في النهاية في صالح العسكر وتمنحهم المزيد من الوقت وتضعهم على رأس السلطة حتى انتهاء الفترة الانتقالية.

إرهاب العسكر

في الجهة المقابلة يصر الجنرالات على ترهيب الشارع وتفتيت لحمته عبر عدد من الإجراءات التي يسعى من خلالها إلى بث روح الخوف في صدور المتظاهرين، وهو ما يمكن قراءته من خلال التصريحات الصادرة مؤخرًا عن قادة الانقلاب التي تعكس نوايا سيئة إزاء الحراك الثوري رغم الشعارات الوردية الجوفاء التي يستميل بها الجنرالات المجتمع الدولي.

وبعدما أكدت القوات المسلحة على لسان المتحدث باسمها قبل عدة أيام بأنها لن تتوانى في الدفاع عن أمن البلاد في مواجهة أي محاولات للتخريب وإثارة الفوضى، ها هي اليوم تلمح إلى تشكيل قوة عسكرية موازية بزعم مكافحة الإرهاب ومجابهة التهديدات المحتملة في البلاد، ففي بيان صادر بالأمس عن مجلس الأمن والدفاع السوداني تأسف لما أسماها "الفوضى جراء الخروج عن شرعية التظاهر السلمي واتباع منهج العنف، وبروز تيارات مقيدة لحرية ممارسة الحياة، وتعتدي على الممتلكات العامة"، ووصفها بـ"ظاهرة خطيرة تهدد الأمن والسلم الوطني والمجتمعي وتتجاوز الخطوط الحمراء لسيادة الدولة".

كما شدد في الوقت ذاته على "أهمية استكمال إجراءات التحري والتحقيق ومحاسبة المتورطين في الأحداث وحسم التفلتات التي تصاحب المواكب، وفقًا لقانون الطوارئ والقانون الجنائي"، معلنًا تشكيل قوة خاصة لمواجهة تلك التحديات دون توضيح مهامها وهيكلها المزعوم، وسط أحاديث عن وجود انشقاقات داخل القوات المسلحة.

فشل المبادرات السياسية

شهد شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي حزمة من المبادرات السياسية لحلحلة الأزمة، تزامنًا مع موجة تصعيد ثوري أعلنت عنها القوى المدنية، لكنها لم تتجاوز حاجز المقترحات والآراء، إذ لم يتم التعاطي معها على محمل الجدية في ظل تباين مواقف الأطراف المتنازعة حيالها.

البداية كانت مع مبادرة "حزب الأمة القومي" التي عنون لها بـ"خريطة طريق: استعادة الشرعية واستكمال المرحلة الانتقالية"، وتضمنت العودة الكاملة إلى الوثيقة الدستورية، ووضع خريطة طريق لاستكمال هياكل الفترة الانتقالية، والالتزام باتفاق سلام جوبا، كما أشارت إلى استعادة مسار التحول الديمقراطي تكون عبر توحيد رؤى قوى الثورة الحية عن القضايا الأساسية، ومن ثم جلوس جميع شركاء الفترة الانتقالية في مؤتمر تأسيسي لمناقشة كل تلك المقترحات.

ثم جاءت مبادرة جامعة الخرطوم، تلك التي تقدم بها عدد من الأكاديميين، وتركزت في معظمها على النقاط ذاتها التي تقدم بها حزب الأمة، أبرزها وحدة الصف الوطني لقوى الثورة عبر تطوير إعلان سياسي متوافق عليه يقود في النهاية إلى تأسيس كيان لقوى الثورة، وتطوير إعلان دستوري للمحافظة على مكتسبات الثورة، وإنجاح الفترة الانتقالية والوصول إلى التحول المدني المُستدام.

وبعد جمود التعاطي مع تلك المبادرات تقدمت البعثة الأممية لدعم الانتقال في السودان إلى طرح مسودة لحل الأزمة، تعتمد على إجراء مشاورات مكثفة مع كل القوى السياسية، المدنية والعسكرية، من أجل الوصول إلى أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها نحو الانتقال الديمقراطي في السودان.

غير أن الاعتراف الضمني الأممي بانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي واعتبار السلطة الانقلابية شريكًا أساسيًا في الحكم في المرحلة المتبقية من الفترة الانتقالية، ربما أجهز على المبادرة قبل بدء المشاورات، إذ قوبلت بالاستنكار الكامل من القوى الثورية الرافضة تمامًا لأي شراكة مع العسكر، والمطالبة بعودتهم لثكناتهم وأن يُمنح المدنيون وحدهم إدارة المرحلة.

الانزلاق نحو الاحتراب الأهلي

الأيام الماضية شهدت مواجهات حادة وعنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، بين حرق لإطارات السيارات وغلق الطرق من جانب الثوار وغاز مسيل للدموع وقنابل صوتية وخراطيم المياه ثم رصاص حي من القوات المسلحة التي تؤمن محيط القصر والمخارج والمداخل الخاصة به.

يبدو أن تراجع حماس المجتمع الدولي في الضغط على الجنرلات بعد استقالة عبد الله حمدوك أغرى العسكر على مواصلة انتهاكاتهم بشكل فج، فبرغماتية القوى الدولية تدفعها للحفاظ على شعرة معاوية مع البرهان ورفاقه قبل إيجاد البديل المناسب، وإلا فلا سبيل إلا التماهي مع الجنرالات تجنبًا لإفراز بديل أكثر إرهاقًا وتهديدًا لمصالح تلك القوى.

ومن هنا يمكن قراءة تصعيد القوات المسلحة إزاء كل من يتجرأ على دعم الحراك الثوري من النخب السياسية، أو حتى من يطالب بوقف العنف، معتبرة أن من يطالب بهذه المطالب ينتقل تلقائيًا إلى صفوف الخصم المدني الذي تحول صراعه مع العسكر إلى صراع وجود وليس مناصب.

الشعارات التي رفعها المتظاهرون في مليونية الأمس تعكس إصرارًا واضحًا على المضي قدمًا في هذا المسار، حيث التأكيد على إسقاط الانقلاب وإبعاد البرهان وحميدتي عن المشهد تمامًا، واستعادة الحكم المدني، ما دفع السلطة الانقلابية إلى استعمال الرصاص الحي والدوشكا والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع، بحسب لجنة الأطباء المركزية.

المخاوف تتصاعد إزاء نشوب مواجهات مسلحة بين الطرفين، تقود البلاد إلى آتون حرب أهلية مستعرة، إن لم يتم التحرك العاجل لتبريد تلك الأجواء الساخنة، فالمناخ الآن مهيأ تمامًا لوقوع ما يعود بالسودان إلى عصور الظلام الأولى، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في إستراتيجية "شد الحبل" بين العسكر والمدنيين، هربًا من السيناريو الدموي الذي لن يذر في تورتة الحكم من بقايا للصراع عليها.