في هذا التوقيت من كل عام، يدخل المصريون معارك افتراضية على منصات التواصل الاجتماعي، بشأن ثورة يناير، بين من يراها السبب الرئيسي فيما وصلت إليه البلاد من تدنٍ على المستويات كافة كما يحلو له أن يردد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاءاته المتتالية، وآخرين يعتبرونها علامة فارقة في الوعي الشعبي بأهمية الديمقراطية والتحرر من الحكم العسكري.

وفي الأثناء، فرضت روح يناير نفسها على المشهد بصورة تفوق السنوات السابقة رغم مساعي التشويه والتعتيم الممنهج، الأمر الذي يدفع للتساؤل عن تلك الشواهد ودلالاتها وملامح التغيير التي تميز ذكرى هذا العام عن غيرها من السنوات الأخرى، وللإجابة عن ذلك حاور "نون بوست" رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر"، مصطفى خضري، لإلقاء الضوء على أبرز ما يميز ذكرى يناير لعام 2022 عن غيره استنادًا إلى لغة التحليل المعلوماتي والرقمي التي تكشف النقاب عن الكثير من الحقائق التي يحاول النظام بترسانته الإعلامية طمسها والقفز عليها.

في البداية، ما المؤشرات التي تثبت أن ذكرى الثورة هذا العام مختلفة عما سبقها؟

أبرز ما يميز ذكرى الثورة هذا العام أنها تأتي بعدما فقد السيسي حاضنته السياسية الإقليمية والدولية، ففي سبتمبر/أيلول 2019 وصل الصراع بين نظام حكم السيسي ومؤسسات الدولة إلى نقطة اللارجعة، وكان خروجه من الحكم قاب قوسين أو أدنى، لولا التفاهمات التي رعاها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وأعادت الجنرال إلى الحكم مرة أخرى، لكن بسلطات منقوصة.

اليوم الوضع مختلف تمامًا، فقد خرج حليف الجنرال (ترامب) من دائرة الحكم، وقارب المال السياسي الذي كان يغذي سلطات السيسي من بعض الدول الخليجية على النضوب، وذلك بالتزامن مع تصاعد معدلات أخطاء الجنرال حتى باتت أكبر من أن يغطيها الإعلام الموجه، وأصبحنا في انتظار بناء الكتلة الحرجة المتحركة القادرة على إحداث الفارق، خاصة أن القاعدة الشعبية مهيأة للحشد، ورعونة النظام تساعد على ذلك، والظروف الإقليمية والدولية مواتية، ومؤسسات الدولة العميقة ضاقت ذرعًا بالنظام وتنتظر الحشد الشعبي لإسقاطه.

كيف يمكن تقييم أداء السيسي خلال سنوات حكمه السبعة - بلغة الأرقام -؟

هذا التقييم عبر عنه تقرير الحالة المصرية الذي أصدره المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر" في نهاية يونيو/حزيران 2021 على المستويين، الاقتصادي والسياسي. أولًا، على الصعيد الاقتصادي ارتفعت معدلات البطالة في 2021 لتصل إلى 27%  مقارنة بـ23% في 2020، كما انخفض مستوى الدخل للأسر بنسبة 8% في 2021 مقارنة بـ2020.

وأظهر التقرير أن مصر باتت على أعتاب مرحلة الكساد التضخمي، حيث ارتفاع معدل التضخم في 2021 بنسبة 34% مقارنة بعام 2020 بالتزامن مع انخفاض النمو ليبلغ سالب2% مقارنة بموجب 1.5% في 2020 رغم جائحة كورونا، ويمكن أن تكون قوانين البناء وتوقف النمو العقاري سببًا رئيسيًا في ذلك الأمر، فقد اعتمد النظام المصري في السنوات السابقة على المشروعات العقارية كقاطرة للاقتصاد المصري.

أما على المستوى السياسي، فكشف التقرير عددًا من الحقائق أهمها ثبات نسبة مؤيدي السيسي عند 6% من المصريين للسنة الثانية على التوالي وهذا يعني أن النظام المصري وصل إلى الكتلة الحرجة لمؤيديه التي يمكن أن تستمر على المستوى القصير.

وعن معدلات الرضا عن أداء مؤسسات الدولة أظهر التقرير أن معدل الرضا العام عن الحكومة بلغ 18%، في حين بلغ معدل الرضا عن أداء القضاء 21% والداخلية 27% والتموين 24% والخارجية 28% والزراعة 31% في حين بلغ معدل الرضا عن أداء وزارة النقل إلى أقل مستوياته بنسبة 8%.

ألا ترى في معدل شعبية السيسي (6%) تعارضًا مع تغني الرئيس وإعلامه عن شعبيته المتصاعدة؟

من الطبيعي أن يفعل ذلك، فالكذب السياسي هو دين الأنظمة الديكتاتورية، ومع نمط شخصية نرجسية مصابة بجنون العظمة مثل السيسي، تترسخ تلك الأكاذيب داخل عقله الباطن حتى يصدقها هو نفسه ويتعامل مع المحيطين به على أنها حقائق فيصبح منفصلًا عن الواقع.

التقرير أظهر تراجع معدلات تأييد السيسي حتى داخل الكتل التي كان يحظى بدعم نسبتها الكبرى في السابق، كالأقباط على سبيل المثال، إذ كشف انخفاض نسب التأييد داخل الكتلة المسيحية - الظهير الشعبي للسيسي منذ استيلائه على الحكم - بنسبة 68% وهو مؤشر له دلالته، فحجم الكتلة المسيحية في مصر يبلغ 5.5% تقريبًا من حجم المجتمع المصري وكانوا يمثلون الكتلة الصلبة الوحيدة الموجهة والقابلة للحشد لدعم السيسي منذ أحداث 30 يونيو/حزيران، وظلت هذه الكتلة على ولائها للسيسي نتيجة التحالف بينه وبين قيادات الكنيسة في مواجهة المعارضة التي تقودها جماعة الإخوان وحلفاؤها من التيارات ذات المرجعية الإسلامية.

لكن يبدو أن الكتلة المسيحية التي ذاقت مع باقي المجتمع الأمرين نتيجة القرارات الخاطئة للسيسي، أصبحت على قناعة بخطأ التحالف معه منذ البداية، وخرجت عن طوع قياداتها الكنسية، ولن يجد الجنرال دعمًا حقيقيًا من تلك الكتلة إذا أراد استخدامها حال احتياجه لذلك.

بعد تسع سنوات من حكم السيسي يمكن أن نقول بوضوح إن الجنرال جاء لينفذ الأجندة النيوليبرالية المتوحشة بغطاء عسكري، فالرجل جاء ليكمل برنامج جمال مبارك الذي أوقفته ثورة يناير، هذا البرنامج الذي يعد من أبرز ملامحه قتل الطبقة الوسطى والإفقار المتعمد للمجتمع بالإضافة إلى صناعة منطقة خضراء - شبيهة للنموذج العراقي - بقلب القاهرة لتسليمها إلى الشركات متعددة الجنسيات لتدير منها الأمة العربية وليس مصر وحدها، وقد بدأ تنفيذ هذا المشروع بمحاولة إخلاء القاهرة من سكانها، فمن ماسبيرو إلى مدينة نصر خطوات متلاحقة والهدف واحد.

وردًا على مزاعم رضا الشارع عن برنامجه الاقتصادي، فقد بلغ معدل الرضا العام عن السياسات النقدية للسيسي التي تشمل أسعار الصرف وسياسات السحب والإيداع البنكي والتحويلات المالية قرابة 48% من المصريين الذين يتعاملون مع البنوك، في حين كان معدل الرضا عن قوانين الاستيراد والتصدير الجديدة 29% من المصريين العاملين في مجال الاستيراد والتصدير، ومعدل الرضا عن سياسات البناء والسوق العقاري 19% من المصريين العاملين في مجال المقاولات والعقارات.

فيما لم تتجاوز معدلات الرضا عن القوانين الضريبية الجديدة حاجز الـ23% من المصريين الذين لديهم ملف ضريبي، ومعدل الرضا عن السياسات الزراعية 41% من أصحاب الأراضي والعاملين بمجال الزراعة، ومعدل الرضا عن السياسات التجارية 49% من العاملين بقطاع التجارة والخدمات، ومعدل الرضا عن السياسات الصناعية 38% من أصحاب المشروعات الصناعية، في الوقت الذي بلغ فيه معدل الرضا عن سياسات الإقراض 74% من طالبي قروض المشروعات ويرجع ارتفاع معدل الرضا عن سياسات الإقراض إلى القروض التي تبناها البنك المركزي في السنوات القليلة السابقة وسهلت من عملية الإقراض خاصة قروض الإنتاج الزراعي والحيواني.

إن كان الأمر كذلك.. لماذا لم يخرج الناس للاعتراض كما أشار السيسي معتبرًا ذلك مؤشر رضا؟

ليس هذا بجديد على النظام الحاليّ، إذ يندرج هذا الأسلوب تحت باب التوجيه السياسي للرأي العام، فالرأي العام يتأثر بالعقل الجمعي، ومستشارو السيسي يعرفون الشارع جيدًا من حيث مداخله النفسية وسماته الشخصية ودوافعه ونوازعه وأساليب التأثير فيه، فالرأي العام اللحظي متذبذب القرار، يتأثر بالميديا بشكل مضطرب، يمكن أن يتحول من النقيض إلى النقيض في لحظة، يصاب سريعًا بالفتور، وكما تنتشر الثورات ككرة الثلج، فإنها يمكن أن تذوب بسرعة تحت حرارة اليأس.

لذلك ينصحون السيسي بأن يكون خطابه باعثًا لليأس داخل النفوس، وأن يحافظوا على حرارة اليأس داخل المجتمع طوال الوقت، فاللحظة التي يخرج فيها المجتمع من سيطرة اليأس، وينبعث داخله الأمل في التغيير، سينقلب على النظام.

أشرتم في تصريحات سابقة أن هناك توترًا في العلاقات بين السيسي ونظامه من جانب والأجهزة السيادية من جانب آخر.. ما مظاهره؟

هناك صدام واقع بين السيسي والمؤسسة العسكرية في ستة ملفات:

الأول، ملف ماء النيل، ففي مقابل استجداء الاعتراف به كرئيس، أهدى الجنرال السيسي للبنك الدولي اعتراف مصر الكامل بحق شركاء البنك في بناء السد الإثيوبي عبر وثيقة المبادئ الأساسية التي وقعها في الخرطوم، دون أي ضمانات للحفاظ على حقوق مصر المائية، بما يمثل تهديدًا خطيرًا لأمن مصر المائي.

ثانيًا، ملف الوحدة الوطنية، وقد كرس الجنرال السيسي جهده في إشاعة الكراهية بين الأطياف السياسية للمجتمع من خلال إعلام مأجور وسياسيين فسدة، ولولا ستر الله وعدم انجرار جماعة بحجم الإخوان المسلمين للعنف، لتمزق المجتمع المصري وتمزقت معه مصر، ورغم أن هذا الملف يوحي بأن ليس له علاقة مباشرة بالمؤسسة العسكرية، فإن ما يفعله السيسي ربما يسحب مصر إلى البلقنة التي تهدد الأمن القومي المصري.

ثالثًا، ملف السياسة الخارجية، وقد قزم الجنرال السيسي دور مصر إقليميًا ودوليًا منذ استيلائه على الحكم، حتى أصبح القرار المصري يؤخذ في مجالس السمر بإحدى الدول الخليجية التي لم تكن موجودة منذ خمسين عامًا.

رابعًا، ملف قطرية الدولة المصرية، التي تمثل عقيدةً راسخةً عند المؤسسة العسكرية، وقد ظهر جليًا مدى استعداد الجنرال السيسي لبيع مصر مقابل المال أو الاعتراف السياسي، والمثال الأوضح بيعه جزيرتي تيران وصنافير للسعودية ببضعة مليارات تحت ذريعة اتفاقية ترسيم الحدود، رغم الأهمية العسكرية والجيوسياسية لتلك الجزر، بجانب ترسيم حدود مصر في البحر المتوسط مع اليونان والتفريط للكيان الإسرائيلي في مكامن الغاز التي تمثل ثروة قومية.

خامسًا، القضية الفلسطينية، تلك القضية التي مثلت عماد الوطنية المصرية منذ صلاح الدين الأيوبي، وقد سعى الجنرال السيسي إلى استبدال العقيدة العسكرية المصرية من الدفاع عن فلسطين ضد المحتل الإسرائيلي، إلى التحالف مع ذلك المحتل وتعريض أمن مصر القومي للخطر.

سادسًا، البرنامج الاقتصادي، فقد كانت أهم شروط التأييد الدولي للسيسي أن يمكّن الشركات متعددة الجنسيات من مقاليد الاقتصاد في مصر، وكان ذلك واضحًا أمام المؤسسة العسكرية، فسعت للسيطرة على كل مناحي الاقتصاد وربما كان لذلك أثر سلبي على المجتمع المصري على المدى القصير والمتوسط، لكن على المدى الطويل مثل ذلك إستراتيجية ناجحة لمنع الشركات متعددة الجنسيات من تنفيذ مخططها، لكن تلك المؤسسات لم تيأس وأوعزت للسيسي بطرح الشركات التابعة للجيش في البورصة وهو ما رفضته المؤسسة العسكرية وربما يكون هذا هو القشة التي ستقسم ظهر حكم السيسي.

نعود إلى الملف الإعلامي الذي لعب دورًا كبيرًا في ترسيخ أركان النظام الحاليّ.. برأيك كيف تعامل السيسي مع هذا الملف؟

منذ سيطرته على الحكم في 2013 كان هم السيسي الأول السيطرة على جميع وسائل الإعلام، فأغلق جميع المنابر الإعلامية المعارضة، ثم ضخ حلفاؤه الخليجيون مليارات الدولارات في شراء وتشغيل إعلام مؤيد له، لتثبيت أركان حكمه، وربما كان هذا تكتيك ناجح في بداية استيلاء السيسي على الحكم، لكن تدريجيًا انفرط العقد وظهرت سوأة النظام في إعلامييه، خاصة مع تعدد ولاءات هؤلاء ما بين الأجهزة الأمنية المختلفة والمموليين الخليجيين.

ومع تعدد الصدامات وحرب تكسير العظام بين الأطراف الفاعلة، توارت الكثير من الأذرع، وبقي في المشهد أسوأ النماذج الإعلامية التي باتت لا تقنع طفلًا صغيرًا، ومع تغير المزاج الشعبي من الإعلام التقليدي للإعلام الجديد والسوشيال ميديا، اضطر النظام إلى مواكبة هذا المزاج، لكنه تعلم الدرس، فبدلًا من صناعة كوادر إعلامية جديدة، اتبع إستراتيجية " شراء العبد بدلًا من تربيته" من خلال استقطاب بعض الشباب الذين حازوا شهرة في الفضاء الإلكتروني بمسميات تشريفية وهمية كسفراء وخبراء ومستشارين مخاطبًا بداخلهم الأنا العليا كي يعملوا لصالح النظام بأقل تكلفة ممكنة، وحتى هؤلاء فشلوا فشلًا ذريعًا في تنفيذ ما أوكل إليهم لا لضعف إمكاناتهم، لكن لأن الكذب الإعلامي لم يصبح مفيدًا في توجيه الرأي العام، خاصة أنه يوجه حقائق مغايرة على الأرض.

كيف تقيم الأداء العام لإعلام السيسي ومعدلات الرضا الشعبي عنه؟

حسب تقرير المشاهدة الذي أصدره "تكامل مصر" في ديسمبر/كانون الأول 2021، فإن أعلى معدلات المشاهدة عند المصريين كانت لقنوات الدراما والأفلام، وبالنسبة لفئة البرامج السياسية فلم يكن أي من البرامج التي تبث من قنوات مصرية ضمن أعلى البرامج مشاهدة عند المصريين، وحسب ما ورد في التقرير فإن قائمة أفضل عشرة إعلاميين من وجهة نظر المشاهد المصري، خلت من الإعلاميين المؤيدين لنظام السيسي، في حين كانت قائمة أسوأ عشرة إعلاميين كلها من نصيب الإعلاميين المؤيدين للنظام.

وقد تصدر أحمد موسى قائمة أسوأ الإعلاميين بنسبة 93%، وجاء في المركز الثاني محمد الباز بنسبة 91%، وفي المركز الثالث نشأت الديهي بنسبة 89% وفي المركز الرابع لميس الحديدي بنسبة 85%، وفي المركز الخامس مصطفى بكري بنسبة 82%، وفي المركز السادس عمرو أديب بنسبة 78%، وفي المركز السابع يوسف الحسيني بنسبة 72%، وفي المركز الثامن شريف عامر بنسبة 69%، وفي المركز التاسع ضياء رشوان بنسبة 65% وفي المركز العاشر عمرو الليثي بنسبة 61%.

بحكم صلتكم الوثيقة بالمشهد.. كيف يتعامل السيسي مع معارضيه؟

يتعامل الرئيس المصري مع معارضيه معاملة عدو في معركة، ومنذ أول لحظة من استيلائه على الحكم، وضع السيسي إستراتيجية صفرية في صراعه مع جماعة الإخوان ومؤيديهم من أبناء التيار الإسلامي، ومذابح رابعة وأخواتها كانت البداية، ثم لما وجد أن تكتيك القتل الجماعي سيأتي بردة فعل عكسية خاصة بعد الرفض الصريح لما حدث من شيخ الأزهر وتبرؤه من الدماء التي سالت ثم انسحاب البرادعي من المشهد، تغير التكتيك إلى التصفية المحدودة كما حدث في الكثير من الحوادث تحت ادعاء الإرهاب، ثم القتل البطيئ في السجون والمعتقلات عن طريق منع العلاج والغطاء وسوء المعاملة وتكديس المعتقلين في زنازين غير آدمية.

وربما ما فعله السيسي مثل ردعًا قويًا لمن يفكر في الخروج عليه، لكن مع ارتخاء القبضة الأمنية وضعف النظام، ربما تتدحرج كرة الثلج وتخرج الأمور عن السيطرة، وقتها ستكون ردة فعل من ظلمهم السيسي وعائلاتهم عنيفًا جدًا ضد السيسي ومن يناصره.

انطلاقًا من نظرية "العدوى الثورية" يربط كثيرون بين الحالة المصرية والوضع في دول الجوار.. فكيف ترى انعكاسات المشهد السوداني والتونسي على السردية المصرية؟

المتابع جيدًا لحركة التاريخ يعرف أن المشهدين التونسي والسوداني يتوقفان على ما يحدث في مصر وليس العكس، فمصر التي تمثل 28% من حجم الناطقين بالعربية، هي قاطرة التغيير منذ 14 قرنًا من الزمان، وربما كانت تونس هي فاتحة الربيع العربي، لكنها دولة صغيرة غير ذات تأثير إقليمي أو دولي، لذلك تأخر رد فعل الثورة المضادة بها حتى ظن المتفائلون أن ثورتها قد نجحت، لكن بمجرد أن تعثرت مصر قامت الثورة المضادة في تونس بالنشاط حتى انقلبت على التجربة التونسية.

أما في السودان فالأمر مختلف، حيث إن حكم البشير العسكري - المحسوب على التيار الإسلامي على غير الحقيقة - قد استنفد وقته ولم يعد له قدرة على الاستمرار وترك تركة ثقيلة ستجعل السودان يستغرق عقدًا من الزمان على الأقل قبل أن يستقر.

السؤال الأهم الذي نختم به حوارنا.. هل ترى أن الثورة لا تزال على قيد الحياة؟

نعم وأكثر من أي وقت مضى، فكل الظروف مواتية للثورة على نظام السيسي، لكن حشد الرأي العام وبناء الكتلة الحرجة المتحركة القادرة على إسقاط النظام، يختلف عن المعارضة التقليدية والمناكفة الإعلامية الذي تحدث حاليًّا.

فلا نجاح دون تخطيط جيد، والتخطيط لحشد الرأي العام يحتاج لأدوات أعمق من الهاشتاغات الساذجة، ولفاعلين أكثر احترافًا من المذيعين اللوذعيين الذين يدبجون المقدمات النارية، وما حدث في 25 يناير لن يحدث بنفس الطريقة، فالمؤسسات السيادية وعلى رأسها الجيش لن تفرط في مكتسباتها.

لذلك فإن الثورة القادمة لن تكون ثورة شعبية وإنما ثورة مهندسة، ويعتبر هذا الخيار أقوى البدائل المتاحة من حيث احتمالية النجاح، فقد بات من الواضح الآن الصراع العنيف بين مؤسسات الدولة العميقة والسيسي، ما يوحي ببوادر انقلاب من الداخل يقوده نظام الدولة، وظهر ذلك جليًا فيمن يتصدر المشهد من أبناء الدولة العميقة الذين لهم سابق تعامل مع الأجهزة السيادية، وعلى هذا فإننا لن ننتظر ثورة شعبية بالمعنى التقليدي، بل ثورة مهندسة يستغل فيها نظام الدولة سخط المجتمع والقوى السياسية على نظام الجنرال لإزاحته من الحكم، وتتلاقى هنا رغبة نظام الدولة مع القوى المعارضة التقليدية لإسقاط نظام السيسي.

ورغم وجود رواسب عالقة في العلاقة بين نظام الدولة العميقة وتيارات المعارضة الحاليّة، الإسلامية والمدنية، فإن نجاح هذه الثورة يتوقف على تعاونهما، وكلاهما لا يمكنه النجاح دون الآخر، فالمعارضة لا تمتلك القدرة على إزاحة السيسي منفردة، في حين أن الدولة العميقة لا تملك الحشد الحديدي المنظم الذي تمتلكه تيارات المعارضة الحاليّة بحيث تزيح السيسي دون وسم تحركاتها بالانقلاب العسكري، وظهر ذلك جليًا في أحداث 20 سبتمبر/أيلول 2019، فرغم التطمينات التي بثها نظام الدولة من أطراف عدة، لم يكن الحشد على مستوى الضجة الإعلامية التي صاحبته، لذلك أتى رد الفعل سريعًا من نظام السيسي بضرب أي تجمع مناوئ بيد من حديد.