أن تكتب عن القضية الفلسطينية بتجرد تام دون ارتداء الثوب الأيدلوجي أو الحزبي يجعل المهمة صعبة، لكن الواقع الذي وصلت إلي القضية الفلسطينية اليوم يتطلب منا موقفاً واضحاً، فأخشى ما أخشاه أن نستغرق في "نومنا" وصمتنا الطويل، حتى نكتشف أن "الجدار" هو نهاية المطاف وأن النفق الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية مغلق، ولا يوجد أي انفراج (للأزمات) التي تحاصرنا، ولا يلوح في الأفق (نهاية) أو ضوء في آخر النفق الذي دخلنا فيه، هذه بالطبع ليست دعوة (للتشاؤم) ولكنها استشراف لوقائع أطلت علينا، ويفترض أن نقرأها بعيون مفتوحة على الواقع لا على الآمال و الرغبات والأوهام أيضا.

فالمشروع الوطني الفلسطيني يبدو اليوم مكبلاً بسبب أزمات داخلية معقدة ومركبة علاوة على الحصار والعدوان المتواصل من الاحتلال الاسرائيلي، فبعد سنوات من "الانقسام" الفلسطيني الذي كان بمثابة شماعة يعلق عليها كل الأطراف مسئولية تراجع المشروع الوطني، جاءت المصالحة وتشكيل حكومة الوفاق الوطني في يونيو الماضي لتثبت أن الانقسام الأيدلوجي والسياسي أعمق بكثير من الانقسام بين الضفة وغزة، وأن سنوات الانقسام أسست لإنقسام أكبر وأصعب بين مشروع التسوية والمفاوضات ومشروع المقاومة.

غزة وحكومة الوفاق

ويبدو أن قدر غزة أن تتحمل هي النصيب الأكبر من حالة الاختلاف بين حركتي فتح وحماس، بعد أن تنكرت حكومة الوفاق لكل شيء في غزة باستثناء رواتب "المستنكفين"، وتعاملت مع القطاع وكأنه لا شيء فلا موازنات للوزارات، ولا تواصل مع المؤسسات الرسمية ولا رواتب للموظفين الأمر الذي أعاد العمل الحكومي في غزة سنوات إلي الوراء، وارتفعت في الشهور الأخيرة معدلات الجريمة وسط تراجع ملحوظ في أداء كل المؤسسات.

كما أن الإعمار يشهد حالة من التعطيل المتعمد بعد أن تراجعت حكومة الوفاق عن نشر عناصر الأجهزة الأمنية على المعابر، مما أعطى مبرراً للاحتلال لإبقاء العمل في معابر غزة في حدها الأدنى، بينما تواصل مصر إغلاق معبر رفح لدواعي أمنية وسط تجاه واضح من الحكومة الفلسطينية التي لم تصدر أي بيان يطالب مصر بفتح المعبر ووقف المعاناة الإنسانية في غزة.

القدس والهجمة الإسرائيلية

وفي الوقت الذي تشن فيه إسرائيل حملة غير مسبوقة تستهدف المسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة بهدف تقسيمها زمانياً ومكانياً مستفيدة من حالة الانشغال الإقليمي والتفكك الفلسطيني الفلسطيني، تجد أن الفصائل الفلسطينية كلها غير قادرة على القيام بأي حراك ذات تأثير على الأرض لنصرة القدس والمقدسات، ولم تزيد بعض التنظيمات عن بيان يدين جرائم اسرائيل، بينما هب مجموعة من الشباب الفلسطيني وبشكل فردي لنصرة الأقصى عبر عمليات دهس وطعن رفعت الروح المعنوية لدى الشباب من جانب، لكنها اصطدمت بجدار بملاحقات السلطة الأمنية التي تعمل بكل جد لمنع أي استثمار لهذه العمليات الفردية.

مقامرة أم مقاومة

صحيح أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح تتحمل المسئولية الأكبر في تمييع القضية الفلسطينية بسبب سياساتها التي تنتهجها في التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي ومواصلة لسياسة المقامرة بالقضية الفلسطينية وملاحقة المقاومة في الضفة والمساهمة في حصار غزة، إلا أن الفصائل الفلسطينية وتحديداً حركتي حماس والجهاد الإسلامي يتحملون مسئولية إبقاء المشروع الوطني الفلسطيني في النفق المظلم الذي أوصلتنا له سياسة السلطة ومشروع التسوية.

فالفصائل الفلسطينية التي تتابع الأوضاع الداخلية وما وصلت له القضية الفلسطينية لا زالت صامتة مُكبلة غير قادرة على تقديم مشروع وطني يتناسب وتضحيات شعبنا من جانب، ويكون قادر على تلبية تطلعات وأمال نحو 12 مليون فلسطيني موزعين في مناطق العالم المختلفة.

إذ لا يعقل أن تبقى القضية الفلسطينية رهينة في أيدي أشخاص بات من الغباء تسميتهم بغير أسمائهم الحقيقية (ضباط مخابرات إسرائيلية)، ولا يعقل أيضاً أن نقزم المشروع الوطني الفلسطيني في غزة ونتجاهل أو نصمت على ما يحدث في الضفة والقدس من عدوان وتهويد، وما يتعرض له أهلنا في الداخل المحتل من تمييز عنصري، بينما يعيش الملايين من اللاجئين في سوريا ولبنان ويلات اللجوء كل يوم.

إن المشروع الوطني الفلسطيني يعيش في أصعب مراحله، مرحلة تتطلب من الجميع إعمال صوت العقل، واتخاذ قرارات شجاعة تتجاوز الحالة الراهنة وتعيد الأمل للقدس والأسرى واللاجئين بقوة وحكمة ورجاحة عقل.