ترتبط عكاشة بعلاقات قوية مع سعيد

في تطور مفاجئ له ما بعده، أعلنت أقرب مساعدي الرئيس التونسي قيس سعيد استقالتها من منصبها، فقد قدمت مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة استقالتها بعد سنتين من العمل، بسبب ما وصفته "اختلاف وجهات النظر".

وقالت عكاشة في منشور لها على حسابها بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "لقد كان لي شرف العمل من أجل المصلحة العليا للوطن من موقعي بما توافر لدي من جهد إلى جانب السيد رئيس الجمهورية، لكنني اليوم وأمام وجود اختلافات جوهرية في وجهات النظر المتعلقة بهذه المصلحة الفضلى، أرى من واجبي الانسحاب من منصبي كمديرة للديوان الرئاسي متمنية التوفيق للجميع وداعية الله أن يحمي هذا الوطن من كل سوء".

الصندوق الأسود لسعيد

تُوصف نادية عكاشة بأنها أقرب مستشار لسعيد وأكثر من يثق به منهم، ويرى العديد أن كل التعاملات مع سعيد كانت تجري تقريبًا من خلالها، وقد كانت سابقًا قبل أن تحظى بأي منصب سياسي إحدى طلبة سعيد في الكلية، وفيما بعد أصبحت زميلته، وفي 30 أكتوبر/تشرين الأول 2019، دخلت إلى قصر قرطاج، في منصب مستشارة قانونية لرئاسة الجمهورية، وسرعان ما صعد نفوذها في قرطاج، حتى إن البعض وصفها بـ"الحاكم الفعلي للبلاد"، فلا شيء يمر دون علمها، عقب ذلك صدر أمر رئاسي في 4 فبراير/شباط 2020، بتعيينها مديرةً للديوان الرئاسي ومنحها رتبة وامتيازات وزيرة.

أقصت نادية عكاشة أغلب مستشاري قيس سعيد والمقربين منه، وهو ما يُفهم من استقالة المستشارة المكلفة بالإعلام رشيدة النيفر، واستقالة مستشار الأمن القومي الجنرال محمد الصالح الحامدي الذي انزعج من عدم القدرة على التواصل مع الرئيس، واستقالة الوزير المستشار لدى رئيس الجمهورية عبد الرؤوف بالطبيب، فضلًا عن إعفاء وزير الخارجية نور الدين الري من مهامه بعد أن منعته عكاشة من دخول قصر قرطاج.

أهمية مكانة نادية عكاشة في قصر قرطاج وتحكمها في دواليب الحكم، يؤكدان أن استقالتها من منصبها ليس حدثًا عاديًا

كما استقالت هالة الحبيب الملحق الإعلامي بالديوان الرئاسي وريم قاسم المكلفة بالشؤون السياسية، وحسان بالضياف مستشار الشؤون الاقتصادية، ما يؤكد أن عكاشة كانت تمسك بزمام الأمور في قرطاج وهي المتحكم بمجريات الأمور هناك.

لم تكن تفارق نادية عكاشة، سعيد، في أي خطوة يخطوها داخل تونس وخارجها، فكانت معه حتى في جوالاته الاستعراضية بالثكنات العسكرية والأمنية، وظهرت معه في اجتماعات المجلس الأعلى للجيوش التونسية الذي يفترض أن يحضره الرئيس ووزير الدفاع وثلاثة قادة عسكريين فقط.

كانت تتوسط قادة الجيش وتجلس في نفس الأريكة التي يجلس عليها الرئيس، رافقته أيضًا في كل لقاءاته مع المسؤولين الكبار، ليس هذا فحسب، بل تدخلت بصفة مباشرة في تعيين الوزراء في حكومات ما بعد سنة 2019، وساهمت في تحديد علاقة سعيد بمجلس نواب الشعب ومختلف الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية.

يتبين من تحركاتها وطبيعة قراراتها أن دورها تجاوز المهام الإدارية والوظيفية إلى حد تحديد سياسات الدولة الداخلية والخارجية، فهي ظل الرئيس ومستودع أسراره، حتى إن اسمها ارتبط بمحاولات اغتيال الرئيس قيس سعيد، ففي أواخر يناير/كانون الثاني 2021، أفادت أنباء رسمية عن وجود محاولة لتسميم سعيد بظرف مشبوه أرسل إلى القصر، وقامت نادية عكاشة بفتحه ما أدى إلى إصابتها بالإغماء وفقدان شبه تام للبصر نقلت على إثره إلى المستشفى العسكري، وفق الرئاسة، لكن تبين فيما بعد أن هذه الرواية مشكوك في صحتها.

عرابة الانقلاب

نهاية مايو/أيار 2021، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، وثيقة مسربة من مكتب مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة، تتحدث عن اعتقال سياسيين كبار وتدبير انقلاب في تونس، وجاء في التقرير أن كبار مستشاري قيس سعيد الرئيس التونسي، حثوه على انتزاع السيطرة على البلاد من الحكومة المنتخبة في الوقت الذي تكافح فيه جائحة فيروس كورونا ومستويات ديون متزايدة.

حينها، حذرت أطراف عديدة من وجود خطة لدى قرطاج للاستحواذ على كامل السلطات بالقوة وحل البرلمان وإقالة الحكومة وتصفية الخصوم السياسيين وتعليق العمل بالدستور إلى حين تغييره وإرساء نظام حكم جديد.

انتصر شق العائلة حاليًّا، لكن المعركة لم تضع كل ثقلها بعد

تشرف على هذه الخطة نادية عكاشة، التي سبق أن أبدت اعجابها بالتجربة المصرية، كما أعربت عن امتنانها للسيسي وتجاوبه السريع في مساعدة تونس، في وقت اتهم فيه وزير الخارجية السابق والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام، عكاشة، بالتخابر مع دول أجنبية لتنفيذ ما وصفه بـ"الانقلاب الغادر".

وفي شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بتونس وثائق مسربة بخصوص التدابير الاستثنائية التي أعلنها سعيد منذ 25 يوليو/تموز الماضي، ونشر النشطاء وثائق منسوبة إلى المخابرات العامة المصرية، تحدثت عن خطة تتعلق بإزاحة الإسلاميين من المشهد السياسي، على أن يعلن سعيد تدابير تتعلق بحل البرلمان و"استرجاع الدولة من العابثين" بمساعدة مصرية وإماراتية، ولم يتسن التثبت من صحة هذه الوثائق من مصدرها.

صراع أجنحة

تؤكد أهمية مكانة نادية عكاشة في قصر قرطاج وتحكمها في دواليب الحكم أن استقالتها من منصبها ليس حدثًا عاديًا، ولإن اكتفت عكاشة بالقول إن الاستقالة جاءت نتيجة وجود "اختلافات جوهرية في وجهات النظر المتعلقة بالمصلحة الفضلى للوطن" فإنها لم تحدد تلك الاختلافات.

بإطلاعنا على بعض التفاصيل في قرطاج، يمكننا القول إن سبب الاستقالة يعود إلى وجود صراع الأجنحة المحيطة بالرئيس قيس سعيد، فنحن أمام صراع بين جناح العائلة القريب من سعيد وفيه وزير الداخلية توفيق شرف الدين المدعوم من العائلة، وجناح عكاشة والداعمين لها خاصة من فرنسا.

وبرزت مؤخرًا أنباء عن خلاف بين شرف الدين وعكاشة، إذ يتنازع الطرفان ثقة قيس سعيد، وما زاد من حدة الخلاف إحالة شرف الدين لقيادات أمنية محسوبة على نادية عكاشة إلى التقاعد الوجوبي، وموافقة سعيد على ذلك.

يوضح ذلك أن الرئيس سعيد انتصر لصديقه ومدير حملته الانتخابية في محافظة سوسة توفيق شرف الدين، لأنه في حاجة إلى الهيمنة والقبضة الأمنية بعد انفضاض العديد من الحلفاء من حوله وتنامي الضغوطات الداخلية والخارجية ضده لحمله على العودة إلى المسار الدستوري في البلاد.

ومن المؤكد أن استقالة عكاشة من منصبها ستعقبها تطورات كثيرة في قصر قرطاج، خاصة في علاقة بالمتحكمين بدواليب الحكم وفي سياسة قيس سعيد الداخلية والخارجية، ذلك أن حلفاء عكاشة سيبدأون في رفع أيديهم عن سعيد شيئًا فشيئًا.

انتصر شق العائلة حاليًّا، لكن المعركة لم تضع كل ثقلها بعد، فجماعة نادية عكاشة ما زالت لهم كلمتهم في قرطاج، خاصة أن مدير الأمن الرئاسي خالد اليحياوي (الداعم القوي لعكاشة) يمسك - إلى جانب باريس - بخيوط عديدة.