تراجُع النفوذ الفرنسي في إفريقيا

تراجُع النفوذ الفرنسي في إفريقيا

ما فتئت فرنسا تتلقّى الصفعة والإهانة تلوى الأخرى في دول القارة الإفريقية، خاصة في مالي بعد أن تمّت إزاحة حليفها العسكري من الحكم، ما جعل مكانتها تتراجع شيئًا فشيئًا في دول القارة السمراء، حتى أن وجودها في منطقة الساحل والصحراء أصبح على المحكّ، فلا قابلية شعبية ولا رسمية له.

طرد السفير ومراجعة اتفاقيات

آخر الصفعات التي تلقّتها باريس في إفريقيا هي طرد سفيرها من باماكو، إذ طلبت الحكومة المالية، أول أمس الاثنين، من سفير فرنسا في باماكو مغادرة أراضيها في غضون 72 ساعة، وندّدت بما وصفته بالتصريحات المسيئة لها من قبل مسؤولين فرنسيين.

وقالت الحكومة، في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إنه تمَّ استدعاء السفير الفرنسي جويل ميير من قبل وزير الخارجية والتعاون الدولي المالي لإبلاغه بالقرار، وفي باريس أعلنت الخارجية الفرنسية أنها أخذت علمًا بطرد سفيرها من مالي وقرّرت سحبه.

تتّهم السلطات المالية الانتقالية فرنسا بسرقة ونهب ثروات المنطقة وفق ما أكّدته حقائق عديدة.

بررت السلطات المالية هذا القرار بتصريحات "معادية" لها من قبل مسؤولين فرنسيين مؤخّرًا، وبالتزامن مع ذلك قال وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب إن بلاده طلبت مراجعة اتفاقيات التعاون الدفاعي والأمني مع فرنسا فورًا، ملوِّحًا باتخاذ إجراءات أحادية إن لم تستجب باريس لذلك.

وأضاف الوزير أن أحكام المعاهدة الحالية فيما يتعلق بالدفاع، فيها بنود معيّنة تتعارض مع الدستور وسيادة مالي، مشيرًا إلى أن مالي تنتظر ردًّا سريعًا من فرنسا، وأن باريس ستتحمّل مسؤوليتها في حال لم يأتِ هذا الردّ، كما أن بلاده ستتولّى ما عليها من مسؤوليات في هذا الصدد.

وتقول السلطات المالية إن المعاهدة الأمنية سهّلت للفرنسيين ارتكاب تجاوزات دون أن تتمَّ محاسبتهم، كما منعت الجيش المالي من أداء مهامه، وجعلت مالي دولة لا يمكنها حتى الطيران فوق أراضيها دون إذن من فرنسا.

باماكو تُراجع سياستها الخارجية

هذا التوتر في العلاقات ليس وليد اليوم، فقد برزَ منذ أول يوم لانقلاب آسيمي غويتا على الحكم في مايو/ أيار الماضي، إذ لم تعترف الحكومة الفرنسية بنظام غويتا وأعلنت نيّتها سحب قواتها من البلاد، وإنهاء عملية بارخان التي كانت تقودها في الساحل ضد الجماعات الإرهابية التي تسيطر على ثلث البلاد.

نتيجة ذلك، عمدت السلطات المالية الانتقالية إلى فتح أبوابها أمام حلفاء جدد، إذ وطّدت علاقاتها مع روسيا ووقّعت معها اتفاقيات أمنية تقضي بإرسال موسكو مدرِّبين لتدريب الجيش المالي، كما أن هناك حديثًا عن لجوء باماكو إلى العمل مع شركة "فاغنر" المقرَّبة من الكرملين.

 

كما وجّهت مالي أنظارها نحو تركيا، إذ أعلنت باماكو نيّتها عقد تعاون مشترَك مع أنقرة فيما يخصّ الصناعات الدفاعية من أجل محاربة المنظمات الإرهابية، خاصة بعد النجاحات التي حقّقتها الطائرات التركية المسيَّرة في هذا الشأن في ليبيا وأذربيجان وسوريا والعراق وغيرها من الدول.

كما تسعى سلطات مالي الانتقالية إلى توطيد علاقاتها مع الدول المغاربية، على غرار المغرب والجزائر، للاستفادة من إمكاناتها، فمالي ترى أن الوجود الفرنسي في بلادها لسنوات عديدة ساهمَ في تراجعها في عدة مجالات.

هذه التطورات والتحركات المالية رأتها فرنسا استهدافًا مباشرًا لها، ذلك أنها ستفقدها مكانتها في مالي وبالتالي في منطقة الساحل والصحراء ككُلّ، ما جعلَ باريس تتّهم باماكو بالارتماء في أحضان الروس، كما سارعت فرنسا لحشد الدعم الأوروبي والإفريقي لتسليط عقوبات على السلطات الانتقالية المالية، إلى جانب ذلك تؤكد فرنسا أن المجلس العسكري الذي تمَّ تشكيله عقب انقلاب مايو/ أيار الماضي "غير شرعي" وقراراته "غير مسؤولة".

سيادة منتهَكة

بدوره، يؤكّد المجلس العسكري المالي أن هدفه من خلال هذه القرارات سحب البساط من فرنسا التي يتّهمها بانتهاك سيادة البلاد والتحكُّم في ثرواتها، وفي وقت سابق قال عبد الله ديوب إن التوتر بين باريس وباماكو يعود إلى أن المجلس العسكري المالي عمد إلى "المساس" بمصالح فرنسا عبر استبعاد إجراء الانتخابات في فبراير/ شباط، وأشار إلى أن مؤيّدي انتخابات 27 فبراير/ شباط يريدون "عودة الأشخاص أنفسهم لتولّي السلطة".

وتتّهم السلطات المالية الانتقالية فرنسا بسرقة ونهب ثروات المنطقة، فضلًا عن تغذية الإرهاب وتدريب مسلّحين في شمال مالي وفصل مناطق واسعة من الشمال عن باقي البلاد، بهدف مواصلة السيطرة على هذه الدولة الإفريقية المحورية في منطقة الساحل والصحراء.

وسبق أن اتّهمَ رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية المالية، شوغيل مايغا، فرنسا بالوقوف وراء تدريب من وصفهم بـ"الجماعات الإرهابية" الناشطة في البلاد، مؤكّدًا أن حكومته تملكُ أدلةً على ذلك، ويهدف ذلك إلى تقويض الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما يُفسِّر بقاء الوضع الميداني على حاله هناك، رغم مرور 8 سنوات على بدء الحرب على الإرهاب في المنطقة.

تقدِّم فرنسا الدعم الكامل للأنظمة الديكتاتورية مقابل تمكين الشركات الفرنسية من امتيازات كبرى.

كما أكّد شوغيل مايغا في تصريحات لوكالة "ريا نوفوستي" الروسية، "أن القوات الفرنسية المتمركزة في بلاده منذ مطلع عام 2013، أنشأت جيشًا في كيدال -شمال مالي- وسلّمته إلى حركة تشكّلت من "أنصار الدين" -أكبر التنظيمات المسلحة في إقليم أزواد- المتعاونة مع تنظيم القاعدة، أي أن باريس أنشأت جيشًا موازيًا للجيش النظامي في مالي لأغراض مشبوهة".

ليس هذا فحسب، فباماكو تتّهم باريس بتقسيم البلاد، حيث قال شوغيل مايغا إنه لا يمكن لحكومته الوصول إلى كيدال حاليًّا كونها منطقة معزولة تسيطر عليها فرنسا، ولديها مجموعات مسلَّحة هناك درّبها ضبّاط فرنسيون، أي أن فرنسا تقوم بما تقوم به الجماعات الإرهابية هناك.

ويرى العديد من المسؤولين في السلطة الانتقالية المالية أن فرنسا تسعى إلى إطالة أمد الحرب في بلادهم، لتوسعة نفوذها ومواصلة نهب وسرقة ثروات البلاد والاستحواذ على قرارها السيادي، وهو ما يفسِّر سعيها الدؤوب لإضعاف الدولة المالية المركزية، وبقاء الحال على ما هو عليه، أي قائم على الفوضى والعنف والإضرابات.

تراجُع فرنسي

تراجُع نفوذ فرنسا لم يكن في مالي فقط، فموقفها صعب في عدد من الدول الإفريقية الأخرى على غرار النيجر، إذ عادةً ما تخرج مظاهرات مناهضة للوجود الفرنسي في النيجر، ويطالب الأهالي هناك بطرد العساكر الفرنسيين من بلادهم.

كما يعدّ الانقلاب العسكري الذي وقع في بوركينا فاسو، في 23 يناير/كانون الثاني الحالي، وإبعاد العسكريين للرئيس روش مارك كريستيان كابوري، وإعلان وصول "الحركة الوطنية للحماية والاستعادة" بقيادة الكولونيل بول هنري سانداوغو داميبا إلى السلطة، من الضربات الموجعة لباريس.

ليس هذا فحسب، إذ أصبح مألوفًا بين الفئات المثقفة من الشباب في دول إفريقية عدة، سماعُ دعوات لإلغاء التعامل بالفرنك الإفريقي، وهو العملة المستخدَمة في عدد من الدول الفرانكفونية، ويرى أصحاب تلك الدعوات أن فرنسا، بموجب تلك العملة، تسيطر على اقتصادات الدول التي تستخدمها.

الوجود الفرنسي على المحكّ

هذه التطورات تجعل الوجود الفرنسي في إفريقيا على المحكّ، حيث تواجه باريس انعدام الترحيب الشعبي على نحو غير مسبوق على مدى عقود تجاه هذا البلد الأوروبي، رغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدا في بداية عهدته الانتخابية أكثر اهتمامًا بإفريقيا ودرايةً بالتغيُّرات التي تشهدها القارة السمراء.

 

هذا الاستياء الإفريقي من فرنسا يرجع في نسبة مهمة منه إلى أخطاء ماكرون، ذلك أن الرئيس الفرنسي اعتمدَ سياسات لا تخدم الصالح الإفريقي وإنما تخدم بلاده فقط، وحاول تعزيز مكانة باريس على حساب مصالح الدول الإفريقية، الأمر الذي أثار حفيظة الأفارقة.

كما أن الماضي الاستعماري الفرنسي في القارة له دور كبير فيما وصلت له مكانة فرنسا في القارة السمراء، فالأفارقة لم ينسوا ماضيها الاستعماري، إذ كانت أحد أهم الأسباب التي أدّت إلى تخلُّف دولهم وعدم تمكُّن الأنظمة من الإصلاح، حيث ظلت تلك الأنظمة رهينة القرار السيادي الفرنسي.

يُذكر أن فرنسا رغم خروجها الرسمي من القارة الإفريقية واستقلال أغلب الدول التي كانت تحتلّها، إلا أنها حافظت على شبكة مكثَّفة من الاتصالات بنُخب وقيادات إفريقية، في علاقات استهدفت حماية المصالح الفرنسية، كما استغلت حماية حقوق الإنسان لهذا الغرض.

كما انحدرت باريس إلى التحالف مع أنظمة ديكتاتورية، حيث إنها تقدِّم الدعم الكامل لتلك الأنظمة مقابل تمكين الشركات الفرنسية من امتيازات كبرى، وهو ما شاهدناه في تشاد والنيجر ومالي وعدة دول إفريقية أخرى.