تزاحم فرنسي روسي على إفريقيا

تشهد العديد من الدول الإفريقية في الفترة الأخيرة انتفاضةً رسميةً وشعبيةً ضد ما يطلقون عليها "فرنسا الاستعمارية"، رغبةً منهم في التحرر من ثوب الفرنسيين وتحقيق الاستقلال التام وحماية سيادة دولهم من الغطرسة الفرنسية.

لكن في الوقت نفسه، ظهرت محاولات إفريقية عدة للارتماء في أحضان الروس، أي أن الأفارقة ينتفضون ضد الفرنسيين ويتوجهون شرقًا نحو روسيا، ما يعني أن الاستقلال الفعلي والتحرر التام من النفوذ الأجنبي ما زال بعيدًا وصعب المنال، ما يطرح تساؤلات عدة بخصوص سبل التحرر الإفريقي.

مساعٍ إفريقية للتحرر من الغطرسة الفرنسية

تُتهم باريس بانتهاك سيادة العديد من الدول الإفريقية والتحكُّم في ثرواتها الباطنية والسيطرة على قرارها السيادي، ذلك أن شركاتها تسيطر على اقتصادات دول إفريقية عدة، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والبنى التحتية والمصارف.

كما تنشر فرنسا جنودها وقواعدها العسكرية في مناطق كثيرة من إفريقيا على غرار منطقة الساحل والصحراء، وإن لم يكن هناك قاعدة عسكرية في دولةٍ ما من مستعمراتها السابقة، فإن باريس على علاقة بالقيادة في تلك الدولة، أو أنَّ قاعدة أخرى قريبة من هذه الدولة لتحافظ بالطبع على مصالحها.

تنتهج موسكو في القارة الإفريقية سياسة التجارة والاستثمار دون فرض شروط أو قيود مقارنة بتلك التي تضعها فرنسا

سمح لها ذلك بالتدخل العسكري المباشر في بعض الدول، ففي 10 سنوات قامت فرنسا بـ7 تدخلات عسكرية، البعض منها يندرج ضمن المبادرات الدولية، أما البعض الآخر، فيندرج ضمن المبادرات الفرنسية، وتضم 5 من أبرز العمليات العسكرية، وهي: "برخان" في الساحل الإفريقي و"سرفال" في مالي و"إيبرفييه" في تشاد، إضافة إلى "ليكورن" في كوت ديفوار و"بوالي" في إفريقيا الوسطى.

هذا الأمر زاد من سخط الأفارقة ضد الفرنسيين، وجعل مسؤولو العديد من الدول ينددون بالتدخل الفرنسي في بلدانهم كما حصل في مالي والجزائر وليبيا وغيرها من الدول الإفريقية، وهو ما لم يحصل من قبل، ما يعني أن النفوذ الفرنسي في القارة السمراء بدأ يتقلص.

لم يكتف هؤلاء المسؤولون بالتنديد فقط، وإنما أيضًا أقدموا على العديد من الخطوات "الجريئة"، فقد أقدم النظام المالي على طرد السفير الفرنسي من باماكو وأعلن نيته مراجعة الاتفاقات الأمنية مع باريس، كما استدعت سلطات الجزائر أكثر من مرة السفير الفرنسي لديها للتعبير عن "غضبها" من تصرفات الإليزيه.

امتد السخط للجماهير أيضًا، إذ أصبح معتادًا أن نرى مظاهرات ونسمع شعارات مناهضة للوجود الفرنسي في إفريقيا ورأينا ذلك في ليبيا وتونس والجزائر ومالي والنيجر، كما أصبح مألوفًا بين الفئات المثقفة من الشباب الأفارقة، سماع دعوات لإلغاء التعامل بالفرنك الإفريقي، وهو العملة المستخدمة في دول فرانكفونية عدة، ويرى أصحاب تلك الدعوات أن فرنسا، بموجب تلك العملة، تسيطر على اقتصادات الدول التي تستخدمها.

حتى الأنظمة الداعمة لفرنسا، لم يبق لها وجود في دول عديدة على غرار إفريقيا الوسطى وبوركينافاسو وموزمبيق، إذ أطاحت بها انقلابات عسكرية شجعتها ومولتها أطراف أجنبية أخرى تسعى للتوسع في إفريقيا.

ارتماء في أحضان الروس

صحيح أن هناك توجهًا عامًا في إفريقيا للتخلص من فرنسا وإرثها الاستعماري، خاصة أن الأفارقة لم يجنوا إلا "الخيبات" من هذا الارتباط الكلي مع هذه الدولة الأوروبية التي لا ترى غير مصالحها ولا همّ لها إلا ثروات الأفارقة، لكن هناك من يُريد الارتماء في أحضان دولة أخرى.

تسعى الشعوب للتخلص من الفرنسين، فيما يأمل بعض القادة في استغلال الفرصة والارتماء في أحضان الروس، خاصة أن موسكو تقدّم المساعدات والدعم الأمني والعسكري دون النظر إلى الجانب الحقوقي وهو ما يخدم القادة الأفارقة.

قبل عقد من الزمان لم تكن روسيا منتشرة في إفريقيا كما هو عليه الحال الآن، فانتشارها كان بسيطًا في حضور الفرنسيين والأمريكان والبريطانيين، لكنها استغلت السخط الشعبي الإفريقي ضد الفرنسيين ورغبة القادة في حليف موثوق يغض الطرف عن سجلهم الحقوقي للتمدد أكثر في إفريقيا.

أصبح للروس وجود فعلي في مالي وليبيا والنيجر وإفريقيا الوسطى والسودان وإريتريا وموزمبيق وموريتانيا والجزائر، وباتت موسكو المصدر الرئيسي لأسلحة عدد من دول القارة، وتسيطر على 37.6% من سوق السلاح في إفريقيا، وتظل الجزائر أكبر زبون للسلاح الروسي في القارة، وبعدها مصر والسودان وأنغولا.

يحتاج الأمر لإيمان بالذات وقدرتها على التغيير ولرؤى جديدة، وتنازلات كبيرة وحكمة مهمة

يعد انعقاد القمة الروسية الإفريقية سنة 2019، منعطفًا مهمًا نحو إعادة ترسيخ العلاقات الروسية بإفريقيا، وهو الحدث الذي يعد غير مسبوق على هذا المستوى الرفيع بين الجانبين، إذ تمكن الروس من عقد اتفاقات عسكرية واقتصادية كثيرة مع الأفارقة.

تنتهج موسكو في القارة الإفريقية سياسة التجارة والاستثمار دون فرض شروط أو قيود مقارنة بتلك التي تضعها فرنسا، فباريس تربط دعمها بشروط مثل الامتثال بحقوق الإنسان وحرية التعبير وغيرها، كما دعمت روسيا الدول الإفريقية في مجلس الأمن.

متى يمكن أن يتحرر الأفارقة؟

مرّ أكثر من 60 سنة على استقلال معظم الدول الإفريقية، رسميًا، نتيجة محصلة لعملية طويلة بدأت أحداثها ومجرياتها بنهاية الحرب العالمية الثانية، إذ قدم الأفارقة مساعدات كثيرة للدول المستعمرة ما مكنها من الانتصار على ألمانيا النازية مقابل إعطائها حق تقرير المصير عند نهاية الحرب، لكن هذا الاستقلال كان في أغلبه على الورق فقط إذ لم يتحول إلى استقلال حقيقي، ما يعني ضرورة اتخاذ خطوات جدية لتحقيق الاستقلال التام.

وأهمها التأكيد على أن عسكرة السياسة لن تؤدي إلا إلى ضياع سنوات إضافية في سبيل الوصول إلى التنمية الحقيقية، لذلك ليس أمامهم سوى تأسيس أنظمة ديمقراطية فيها انتخابات تعددية وتنافس حزبي ومؤسسات ذات طابع ديمقراطي وانفتاح سياسي.

ولتحقيق ذلك لا بد أن غلق جروح الماضي والتأسيس لعلاقة احترام بين الحاكم والمواطن، بعيدًا عن الانقسامات الداخلية وتجاوز كل الانقسامات التي تعرقل مسيرتهم نحو التحرر الوطني، ولذلك فإن تغليب المصالح الوطنية على مصالح الدول الأجنبية الداعمة لهم يحتاج وقوف الأفارقة أمام أنفسهم والحذر من الدول التي تدعي رغبتها في مساعدتهم.