الرئيس الفرنسي ماكرون ونظيره الروسي بوتين (أرشيفية)

يتوجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الإثنين، للعاصمة الروسية موسكو ومنها إلى كييف، حيث من المقرر أن يلتقي زعيمي البلدين في إطار جهود التهدئة التي تبذلها بعض الأطراف لنزع فتيل الأزمة في أوكرانيا في ظل الحشد العسكري السجالي بين أطراف النزاع.

الزيارة تأتي عشية اتصال هاتفي أجراه الرئيس الفرنسي مع نظيره الأمريكي استمر لمدة 40 دقيقة، للتنسيق فيما بينهما من أجل الملفات المقترح طرحها على جدول أعمال الزيارة، كما أنها تأتي بعد أسبوع تقريبًا من اتصالات أجريت في الإطار ذاته مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ وزعماء دول البلطيق الثلاث: الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا ورئيسا وزراء لاتفيا كريسجانيس كارينز وإستونيا كايا كلاس.

وسبقت زيارة ماكرون الذي تترأس بلاده الاتحاد الأوروبي في دورته الحاليّة، 3 اتصالات هاتفية أجراها مع فلاديمير بوتين، آخرها في 3 فبراير/شباط الحاليّ، تطرقت إلى الأوضاع على الساحة الدولية وعلى رأسها تطورات المشهد الأوكراني.

وتحمل جولة الرئيس الفرنسي لموسكو وكييف في الوقت الراهن الكثير من الأبعاد، فبعيدًا عن جهود الوساطة التي تبذلها باريس بصفتها رئيس الاتحاد الأوروبي فهناك أبعاد شخصية أخرى يسعى ماكرون لتحقيقها وهو على بعد أقل من شهرين على الانتخابات الرئاسية المزمعة في أبريل/نيسان المقبل.

جهود نزع الفتيل

القراءة الظاهرية لزيارة ماكرون أنها تأتي في إطار جهود نزع فتيل الأزمة الأوكرانية ومساعي احتواء الموقف قبل الشرارة الأولى التي ربما تقود إلى حرب عالمية ثالثة في ظل اتساع خريطة النزاع التي تخيم عليها أجواء الشحن المتبادل على المسارات كافة.

وسبقت ماكرون العديد من جهود الوساطة الأخرى، فقد استقبلت كل من موسكو وكييف العديد من ساسة أوروبا الكبار خلال الآونة الأخيرة، على رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، كما يتوقع أن يزور المستشار الألماني أولاف شولتز العاصمتين عقب زيارة الرئيس الفرنسي.

تشير معظم الآراء إلى أن الوساطة الفرنسية رغم ما تحمله من تحريك للمياه الراكدة في الأزمة الأوكرانية، بجانب الجهود الدبلوماسية الأخرى، لا يعول عليها بشكل كبير في إحداث التقارب

العديد من المؤشرات تذهب إلى استشعار روسيا وأوروبا خطورة الصدام العسكري في الوقت الراهن، لعل أبرزها تأجيل الاتحاد الأوروبي لمناقشة ملف عضوية كييف لحلف شمال الأطلسي (الناتو) تجنبًا لاستفزاز موسكو الرافضة تمامًا لهذه الخطوة بداعي التغول الأوروبي شرقًا بما يمثل تهديدًا لأمن الروس القومي.

وفي هذا السياق تشير معظم الآراء إلى أن الوساطة الفرنسية رغم ما تحمله من تحريك للمياه الراكدة في الأزمة الأوكرانية، بجانب الجهود الدبلوماسية الأخرى، لا يعول عليها بشكل كبير في إحداث التقارب، فالمسألة في الأساس مرهونة بالعلاقات الروسية الأمريكية كون الأخيرة المتحكم الرئيسي في كثير من تفاصيل المشهد الأوكراني.

غاية الدور الذي من الممكن أن تلعبه باريس في هذا الإطار تجنب المزيد من مسارات المواجهة بين موسكو والغرب، وذلك عبر تجميد عدد من الملفات الصدامية على رأسها تأجيل البت في مسألة عضوية أوكرانيا للناتو إلى أجل غير مسمى، بما يقلل من مخاوف روسيا الأمنية وفي نفس الوقت يحافظ لأمريكا والتحالف على سمعتهما الدولية.

دعاية انتخابية

الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الأبعاد الشخصية السياسية البعيدة تمامًا عما هو معلن في إطار جهود الوساطة الدبلوماسية، كونها تأتي في إطار حزمة من الإجراءات والتحركات التي يقوم بها ماكرون لتعزيز شعبيته ومغازلة الناخب الفرنسي قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة بعد شهرين.

المقربون من دوائر صنع القرار سواء في الإليزيه أم الكرملين يرون أن زيارة ماكرون تهدف في المقام الأول لاستعادة مكانة بلاده أوروبيًا، لتحقيق مكاسب سياسية لاحقة من وراء هذا التحرك، كما أشار المدير العام لمجلس الشؤون الدولية الروسي، أندريه كورتونوف، الذي لفت إلى أن الرئيس الفرنسي "لا يزال لا يستطيع التحدث نيابة عن حلف شمال الأطلسي ولا نيابة عن الاتحاد الأوروبي، لأن هناك أعضاءً آخرين ولديهم مواقفهم الخاصة"، وفق تصريحاته لوكالة أنباء "تاس" الروسية.

كورتونوف يعتبر أن الأهداف الدعائية الانتخابية لماكرون هي المقدمة على جهود الوساطة المستبعد أن تجني ثمارها، في ظل الخلافات الجوهرية بين موسكو وباريس في رؤيتهما للأزمة الأوكرانية، وهو ما بدا واضحًا خلال المحادثات الهاتفية الثلاثة التي أجراها زعيما البلدين خلال الأسبوع الماضي، إذ تتمسك روسيا بالضمانات الأمنية في حين تطالب فرنسا بوقف التصعيد والحشد العسكري الروسي في أوكرانيا كشرط أولي، وهو ما يرفضه الروس.

يحاول الرئيس ذو الشعبية المتراجعة البحث عن أي نجاح يذكر يعيد للبلاد ثقلها وحضورها مرة أخرى، إيمانًا منه بتأثير سمعة فرنسا الدولية على قرار الناخب الوطني

وتعاني فرنسا تحت حكم ماكرون من تراجع ثقلها الدولي في العديد من الملفات التي كانت تلعب فيها باريس دورًا مؤثرًا، هذا بخلاف فقدان نفوذها في مستعمراتها القديمة لا سيما في إفريقيا خاصة دول الساحل، مالي وتشاد وبوركينا فاسو وغيرها من البلدان التي كانت تشهد حضورًا فرنسيًا كبيرًا بدعوى محاربة الجماعات الإرهابية والمسلحة.

وعليه يحاول الرئيس ذو الشعبية المتراجعة البحث عن أي نجاح يذكر يعيد للبلاد ثقلها وحضورها مرة أخرى، إيمانًا منه بتأثير سمعة فرنسا الدولية على قرار الناخب الوطني، وهو ما يعزف عليه منافسوه في الماراثون المزمع بعد شهرين، إذ يتهمون ماكرون بتقزيم بلادهم وتهميشها على الخريطة العالمية.

وعليه يمكن قراءة استهداف ماكرون وحكومته، للمسلمين في بلاده، من أجل مغازلة اليمين المتطرف وذلك عبر عشرات القرارات التي تضيق الخناق على الأقلية المسلمة هناك، وكان آخرها حظر ارتداء الحجاب في أثناء الأنشطة الرياضية، الذي سبقته قوانين أخرى وضعت مستقبل 6 ملايين مسلم في فرنسا على المحك.

في تصريح سابق له لوكالة "الأناضول" أكد الباحث في مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA)، ومقرها أنقرة، أنس بيركلي، أن الرئيس الفرنسي يحاول جاهدًا التغلب على مشاكل سياسته الداخلية والخارجية بـ"جعل الإسلام والمسلمين كبش فداء"، وهو الرأي الذي اتفق معه فيه الناشط الفرنسي ياسر اللواتي الذي يرى أن ماكرون ليس لديه ما يقدمه في حملته الانتخابية بعدما فشل على المسارات كافة، ومن ثم لم يعد أمامه إلا تعزيز كتلته الانتخابية عبر الأبواب الخلفية والممارسات غير الأخلاقية لكسب أصوات الشعبويين.

في ضوء ما سبق من المستبعد أن تحقق زيارة ماكرون أهدافها، المعلنة ظاهريًا بالتوسط لحلحلة الأزمة لفقدان باريس ثقلها الإقليمي حتى لو كانت ترأس الاتحاد الأوروبي في دورتها الحالية، وبالتبعية أهدافها الدعائية السياسية التي يحاول من خلالها الرئيس وقف النزيف المستمر لرصيده السياسي الذي يتآكل يومًا تلو الآخر بفضل سياساته الداخلية والخارجية على حد سواء.