هل سبق أن استقبلت بريدًا إلكترونيًّا يخبرك بحصولك على ميراث ضخم، لكن عليك تحويل مبلغ مالي بسيط للحصول عليه؟ إذا حدث ذلك فاِعلم أنك كنت أحد أهداف مجموعة "الفأس الأسود" (Black Axe) النيجيرية، إحدى أكثر مجموعات الجريمة المنظَّمة خطورة في العالم، فما قصتها؟ وكيف ساهمت السياسات الحكومية والانقلابات العسكرية ومؤسسات التعليم والدين والمحاكم في انتشارها؟

"فأس يسحق أغلال عبد"

في عام 1977، كانت فكرة الأخويات الجامعية الأمريكية منتشرة بنيجيريا، فتأسَّست حركة "السود الجُدد بأفريقيا" (NBM) من قِبل 9 طلاب في جامعة بنين في إيدو، المدينة الغنية بالنفط والغاز التي كانت مركزًا لمملكة عظيمة لعدة قرون حتى عام 1897، عندما قتلت القوات البريطانية المئات، ونهبت الأعمال الفنية التي لا تُقدَّر بثمن، وطردت أوبا، أو الملك، الذي كان المواطنون يعبدونه باعتباره نصف إله.

أطلق الطلاب التسعة على فلسفتهم اسم "النيو بلاكيزم" أو "The New Blackism"، وهو مزيج معقّد من الراديكالية الفكرية والزنوجية والقيم الأفريقية التقليدية، وكتب أحد الأعضاء المؤسسين: "كان علينا أن نرى أنفسنا كقادة لجميع الرجال السود في جميع أنحاء العالم".

تأسست حركة "السود الجُدد بأفريقيا" كحركة تحررية لقوة السود، وسرعان ما استحوذت رسالتها المعادية للاستعمار على خيال الآلاف من الشباب الذين تعهّدوا بتطهير أفريقيا من العنصرية والقمع، وتعزيز البحث في الثقافة التقليدية، بما في ذلك "الجوجو"، وهو نظام معتقدات روحية يشمل التمائم والتعاويذ المستخدمة في الممارسات الدينية في غرب أفريقيا.

صورة
شارع لاغوس في نيجيريا عام 1970

تأثرت الحركة الوليدة بحركات مناهضة الفصل العنصري، لا سيما حزب الفهود السود، وهي حركة حقوقية لسود الولايات المتحدة نشأت بعد مقتل المناضل الأمريكي من أجل الحقوق المدنية مالكوم إكس، وما عقبه من توترات راح ضحيتها أكثر من 300 مواطن أسود، لكن الأخويات اختارت مسارًا أكثر تشددًا، فكان هدفها تطهير أفريقيا من العنصرية، وشعارها: "فأس يسحق أغلال عبد"، وكانت ألوانه أسود (للسواد)، وأبيض (للسلام)، وأصفر (للفطنة).

دافعت الأخوية عن حقوق السود، فنظّمت المظاهرات، وأحيت ذكرى طلاب قُتلوا في نضالهم ضد العنصرية، وأنتجت مدونة لقواعد السلوك الصارمة، ومجلة فصلية تُسمّى "الفأس الأسود" تعنى بتقديم المساعدة والشعر والمثابرة ومصدر خبري شائع ضد الدولة، وكانت مدينة بنين جنوب نيجيريا الموطن الروحي للحركة.

اليوم، تنشط حركة السود الجُدد بأفريقيا في كل قارة تقريبًا، ويصل عدد أعضائها إلى حوالي 30 ألف عضو، ويدّعي قادة الحركة أن مجموعتهم قد تطورت من أخوية في الحرم الجامعي إلى منظمة مكرِّسة "للمساواة والعدالة الاجتماعية للجميع"، ومع ذلك يعتقد الكثيرين في نيجيريا والخارج أن هذه الصورة مزيَّفة.

ويقول مسؤولو إنفاذ القانون الذين حققوا في المجموعة، إنه على مدى العقود الأربعة الماضية أدّى تزايد الإجرام بين أعضائها إلى إفساد الأخوية، ففي السنوات الأخيرة قام ضبّاط الشرطة والمدعون العامون في بلدان مختلفة مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وإيطاليا بالتحقيق مع أعضاء الحركة، واتّهموهم بمجموعة واسعة من الأنشطة الإجرامية مثل الاحتيال وغسيل الأموال والإتجار بالمخدرات والإتجار بالبشر.

الهدف الأولي لحركة السود الجدد المتمثل في تعزيز الوعي بقضايا السود والقتال من أجل كرامة الأفارقة وتحررهم من الاستعمار الجديد قد تدهور إلى سلوك عنف سيّئ السمعة ووحشي يخدم مصالحهم الذاتية.

سرّ التحول الجذري

بحلول الثمانينيات، تغيّرَ المناخ السياسي في البلاد مع الانقلابات العسكرية المتلاحقة، ما انعكسَ على الأخويات فانزلقت للعنف، وتحولت أخويات الحرم الجامعي إلى أرض خصبة حقيقية للجريمة المنظمة النيجيرية.

استقطب القادة العسكريون الأخويات بعد انقلاب القائد السابق للجيش والحاكم العسكرى في الثمانينيات محمد بوهاري على السلطة، وأمدّوها بالمال والسلاح لسحق المعارضة الطلابية، واستخدموها لمهاجمة اتحادات الطلاب، لكن الأخويات أيضًا قاتلت بعضها البعض بشدة من أجل السيطرة على الجامعات في جميع أنحاء نيجيريا.

في عام 1984، منع بوهاري الأخويات من العمل في الحرم الجامعي النيجيري، لكن بعد عام أنهى انقلاب آخر حكمه، ولم يسرِ الحظر مطلقًا، وفي عام 1997 علّقت حركة "السود الجُدد بأفريقيا" جميع أنشطتها الجامعية لتجنُّب الارتباط بالعنف المتزايد في الجامعات، وأصبحت منظمة مرخَّصة تعنى بالأعمال الخيرية والتنموية.

وأنشأ بعض الأعضاء فروعًا سرّية دون مباركة رئاسة المجلس الوطني للحكماء، وهي هيئة عليا من الممثلين من كل منطقة، الذين تمَّ تكليفهم بدعم مدوّنة السلوك الخاصة بحركة "السود الجدد بأفريقيا"، وفرض العقوبة على أولئك الذين تبيّن أنهم انتهكوها.

انفصل هؤلاء عن حركة "السود الجدد بأفريقيا"، وأعادوا تسمية أنفسهم تحت عنوان اسم المجلة السابق للمجموعة "الفأس الأسود" التي تحولت إلى كيان للجريمة المنظَّمة، ويقول البعض إن الانقسام لم يكن واضحًا.

ذكرت بعض التقارير أنه لا يوجد أي شكل من أشكال التمييز على الإطلاق بين الأخويات، فالهدف الأوّلي لحركة "السود الجدد" المتمثل في تعزيز الوعي بقضايا السود والقتال من أجل كرامة الأفارقة وتحررهم من الاستعمار الجديد، قد تدهور إلى سلوك عنف سيّئ السمعة ووحشي يخدم مصالحهم الذاتية، حتى أصبح في الواقع السياسة الرسمية للأخويات، وهو الأمر ذاته الذي تُوصف به جماعة "الفأس الأسود".

الصحف النيجيرية التي تتحدث عن سلسلة من عمليات القتل وإطلاق النار التي يُزعم أن "الفأس الأسود" نفّذتها، توضّح سمعة الأخوية، بدءًا من اقتحام 40 ملثمًا من مجموعة "الفأس الأسود" مسكنًا في جامعة أوبافيمي أولوو، في 10 يوليو/ تموز 1999، وذبحوا 5 من قادة اتحاد الطلاب الذين احتجّوا على الأخويات، وتوفي 3 في وقت لاحق متأثّرين بجراحهم.

صدمت هذه الجريمة نيجيريا وأثارت اشمئزازها، ففي أقل من عقدَين أصبحت الأخوية تجسّد نوع الاضطهاد الذي سعوا لمقاومته في يوم من الأيام، ولم يكتشف المحققون مطلقًا مَنْ أمر بالذبح رغم أن بعض الموقوفين اعترفوا بصلاتهم بنائب رئيس الجامعة، الذي منع محاولات طرد الأخويات، الأمر الذي دفع الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو عام 1999 إلى منح المسؤولين 6 أشهر للقضاء على هذه الطوائف.

صورة

رغم أن إمبراطورية "الفأس الأسود" الإجرامية قد تكون عالمية، فإن جذورها تكمن بقوة في نيجيريا، فقد تأسست المجموعة قبل 40 عامًا في مدينة بنين بولاية إيدو، وينحدر معظم الأعضاء من هذه المنطقة، وقد يكون هذا الانتماء قد لعب دورًا في التوسع الدولي للمجموعة.

وفقًا لمفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن 70% من النيجيريين الذين يهاجرون إلى الخارج من ولاية إيدو، ووردَ أن "الفأس الأسود" تلعب دورًا محوريًّا في تهريب أولئك الذين يسافرون بشكل غير قانوني، ونقلهم بين قواعدهم في مدينة بنين وشمال أفريقيا وجنوب إيطاليا.

لعدة سنوات، ارتبطت "الفأس الأسود" بالقتال الدموي بين الأخويات، وتتضمّن التقارير الإعلامية مواجهات دامية وقعت بين أخويات "الفأس الأسود" و"إيي" و"الفايكنغ" في عدد من الجامعات، منها جامعة أمبروز ألي في إيكبوما وجامعة إينوجو للعلوم والتكنولوجيا، وأدّت إلى مقتل عشرات الأشخاص.

كيف ينضمّ الأعضاء إلى الأخوية؟

تقسَّم فروع "الفأس الأسود" جغرافيًّا ولكل منطقة رئيس منتخَب، ويقسم الأعضاء إلى "عيون" تراقب مداهمات الشرطة في المناسبات والتجمعات، و"ناشرين" ينشرون مبادئ الأخوية، و"جزَّارين" ينفّذون العمليات، شارتهم عبارة عن فأس عمودية بشفرة عريضة مثبتة بمقبض قصير، ويفخرون بمناداة بعضهم البعض باسم "Axeneb" أو "الجزَّار"، واستعدادهم للتحريض على العنف في الحرم الجامعي.

يلاحظ تشوما إيفيدي، مراسل صحيفة "ديلي تشامبيون" النيجيرية، أنه لا يُعرف الكثير عن أخويات الحرم الجامعي لأنها تعمل في الخفاء، لكن كأعضاء في أخوية واحدة يمكن التعرُّف إلى أعضاء "الفاس الأسود" من خلال ملابسهم: يرتدون بنطالًا أسود وقميصًا أبيض بأكمام طويلة، ومعطفًا أسود عليه شارة الفأس في الأمام والخلف مقرونًا بقبعة سوداء بشريط أصفر مربوط حولها.

أيضًا، من المعروف أن الأعضاء يستخدمون السحر أو ما يُسمّى "طقوس الفتِش" (الاعتقاد بأن كائنًا من صنع شخص له قوة خارقة، أو يمكنه التحكم في الآخرين) لاكتساب قوة خارقة للطبيعة والحماية من الأعضاء المنافسين والشرطة، وهي ممارسة أدَّت إلى نبذهم من قبل الأخويات الأخرى.

صورة
شعار أخوة "الفأس الأسود" عبارة عن فأس عمودية بشفرة عريضة مثبتة بمقبض قصير

يبدو التجنيد في أخويات الحرم الجامعي مثل "الفأس الأسود" طوعيًا أحيانًا وإجباريًّا أحيانًا أخرى، لكن اعتراف عضو "الفأس الأسود" المشتبه به الذي تمَّ القبض عليه في فبراير/ شباط 2004 لتورُّطه في إطلاق نار، والذي يدّعي بموجبه أنه قد "تمَّ إدخاله بالقوة" في المجموعة من قبل صديقه، يدعمُ الخيار الثاني.  

في بعض الأحيان، تعلنُ الأخويات عن طريق النشرات، وتكلِّف أفرادها بمهمة مصادقة الأعضاء المحتملين لإقناعهم بالانضمام، كما لديهم أيضًا استمارات طلب يمكن للأعضاء المحتملين ملأها.

بالنسبة إلى بعض الطوائف، يخضع المبتدئون لما يُسمّى "اختبار الرجولة"، والذي يتضمّن الجلد والركل والضرب بالأحزمة والعصي أثناء تجريدهم من ملابسهم قبل نقلهم إلى مواقعهم في الحركة.

عندما صادر ضبّاط الأمن في حرم إينوجو بجامعة نيجيريا سيارة استخدمها الجناة في إطلاق نار داخل الحرم الجامعي، وجدوا نموذج طلب للحصول على عضوية "الفأس الأسود"، حيث إذا لم يقُم أحد الأعضاء المحتملين، بعد أخذ استمارة الالتحاق، بإكمالها وإعادتها، فإن أعضاء الأخوية يهددون الشخص ويعلنون أنه عدوهم، حتى يتراجع خوفًا وينضمّ إلى المجموعة.

في أحيان أخرى، تتملّق الأخويات بل تطارد وتهدِّد الناس ليصبحوا أعضاء، فقد أشارت مجلة "Tell Magazine" النيجيرية الأسبوعية عام 1998، إلى أن معارضة الطوائف أمر خطير، حيث لطالما شوَّه أعضاء الأخوية بشكل دائم أولئك الذين يعارضون خططهم وقدموا سببًا ملموسًا للخوف منهم.

تكتيكات الإيقاع بالأعضاء الجدد

داخليًّا، تحاول المجموعة استقطاب طلاب الجامعة من خلال تكتيكات تُوصف بأنها مزيج من الدعاية والمعلومات المضلَّلة والحرب النفسية، حيث تستهدف طلاب السنة الجامعية الأولى بشكل أساسي من خلال تصوير بيئة الجامعة على أنها معادية والطلاب بحاجة إلى الحماية.

ومع ذلك، وفقًا لتقارير الصحف، بدأت الأخويات مؤخّرًا في تجنيد طلاب المدارس الثانوية أيضًا، وأصبحت أرضًا خصبة للشباب الجدد، حيث يُستخدَم الطلاب الصغار لجمع المعلومات وإجراء المهام.

وفقًا لدراسة حول الحركات السرّية في مؤسسات التعليم العالي النيجيرية نُشرت عام 2003، يصفُ أستاذ علم الاجتماع في جامعة كلارك أتلانتا الأمريكية، دانيال أوفيونغ، طقوس الاحتفال بالأعضاء الجدد بأنها "مروِّعة ودموية وبربرية"، ويقول إنه طبقًا لطبيعتها السرّية تجري الاحتفالات في الغابات أو في المقابر، عادةً حول نار، وتتضمّن الرقص والغناء وتعاطي المخدرات وشرب الدم البشري واغتصاب النساء.

يحصل أخوة "الفأس الأسود" على أموال من مستلمي البريد الإلكتروني من خلال التظاهر بأنهم مجموعة متنوِّعة من الشخصيات، بما في ذلك المحامين أو المحاسبين، ومكتشفي المواهب في كرة القدم، أو الأرامل اللائي لديهن عقارات ضخمة.

يضيف أوفيونغ في دراسته التي بدأ العمل عليها بتكليف من جامعة كالابار في نيجيريا عام 1992، بعد ظهور الأخويات التي هددت وأرعبت الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، أن جميع الأخويات تضمّ أعضاء جددًا يوم السبت في منتصف الليل، وبالنسبة إلى بعض الطوائف يخضع المبتدئون لما يُسمى "اختبار الرجولة"، والذي يتضمّن الجلد والركل والضرب بالأحزمة والعصي أثناء تجريدهم من ملابسهم قبل نقلهم إلى مواقعهم في الحركة.

يؤدّي الأعضاء الجُدد قَسَم الولاء السرّي حول النار ويرتدون ملابس الأخوية، بعد ذلك يُمنحون اسمًا جديدًا، ويُجبرون على التوقيع على لفيفة العضوية وتقديم بصمة إبهامهم في الدم، ثم يبدأ الشرب والرقص وتعاطي المخدرات وقرع الطبول عندما يتمّ تقديم الأعضاء الجدد إلى المجموعة الأكبر، وتنتهي في الساعات الأولى من الصباح بموكب يُسمّى "جولي" من قِبَل "الفأس الأسود".

صورة
توصف طقوس الاحتفال بالأعضاء الجدد بأنها "مروِّعة ودموية وبربرية"

يعزو أوفيونغ الحجم الصغير لعضوية "الفأس الأسود"، والتي تُقَّدر بنحو 200 عضو، إلى تحديدها كأخوية عرقية، وتميل الفصول الجديدة إلى جذب الأعضاء من أي مجموعة عرقية رئيسية تحيط بالجامعة التي يقع فيها الفصل. كمثال، تشكِّل بعض المجموعات العرقية مثل الإيغبو واليوروبا الجزء الأكبر من العضوية في الفصول في جامعة نيجيريا نسوكا ولاغوس.

على أية حال، أحد أعضاء الطائفة المشتبه به الذي اُعتقل في فبراير/شباط 2004، أخبر الشرطة أن فرع "الفأس الأسود" في جامعة كوارا بوليتكنيك في إيلورين يضم 500 عضو.

تخصِّص أخوية "الفأس الأسود" يوم 7 يوليو/ تموز من كل عام للاحتفال بتأسيس المجموعة، ويحتفلون في هذا اليوم بانضمام أعضاء جدد يُستخدَمون للقيام بعمليات متنوعة وأنشطة عنيفة، كالقتل وتهريب المخدرات والاحتيال التي تمتدّ عبر 4 قارات.

حِيَل النصب والاحتيال

تمثل الجرائم التي يُزعم أن "الفأس الأسود" قد ارتكبتها عنصرًا أساسيًّا في وسائل الإعلام المحلية، البعض يصفُ أعضاءها بأنهم "بلطجية" على مستوى المحلي، ويقول آخرون إنهم من "المتنوّرين الخطرين"، ولديهم أعضاء بارزين في السياسة والجيش وإنفاذ القانون يتبعون لهم، ويرتبطون بالنشاط الإجرامي في أوروبا وأمريكا الشمالية.

يعدّ الاحتيال الإلكتروني مصدر الإيرادات الأساسي لأخوية "الفأس الأسود" التي تقدَّر بمليارات الدولارات، غالبًا ما يُطلق على المحتالين اسم "Yahoo Boys" بسبب خدمة البريد الإلكتروني التي يفضّلونها، كثير منهم من الطلاب الجامعيين الذكور، يبلغ عددهم الآلاف، وينشطون من نيجيريا إلى العالم، وتشمل عملياتهم النصب عبر الرومانسية والاحتيال في الميراث.

تحصل أخوية "الفأس الأسود" على أموال من مستلمي البريد الإلكتروني، من خلال التظاهر بأنهم مجموعة متنوعة من الشخصيات بما في ذلك المحامين أو المحاسبين، ومكتشفي المواهب في كرة القدم، أو الأرامل اللائي لديهن عقارات ضخمة، الأمر الذي يجعل خسارة تُقدَّر بنحو 12.7 مليار دولار في عام 2013 نتيجة سقوط الأشخاص في هذه الوعود الكاذبة أمرًا أقل من الواقع، خاصة أن عمليات الخطف والقتل والانتحار والإتجار بالمخدرات لها صلات بهذه الحيل والجماعات التي تستفيد منها.

من المرجّح إذًا أن تدرَّ شبكة الجرائم الإلكترونية الدولية التابعة لـ"الفأس الأسود" عائدات لأعضائها بمليارات الدولارات تتجاوز الأرقام المعلنة، ففي عام 2017 قالت السلطات الكندية إنها ضبطت مخططًا لغسيل الأموال مرتبطًا بالعصابة تبلغ قيمته أكثر من 5 مليارات دولار.

لا أحد يعرف عدد مخططات "الفأس الأسود" المتشابهة الموجودة، حيث تُظهر الوثائق المسرَّبة أعضاء يتواصلون بين نيجيريا والمملكة المتحدة وماليزيا ودول الخليج وعشرات الدول الأخرى.

يختار المحتالون عمومًا أهدافًا في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، لذلك تعلّمت الشرطة في كندا -التي تعتبر "الفأس الأسود" منظمة إجرامية رسمية- المزيد حول كيفية عمل شبكة الأخوية من خلال التحقيق فيما يُسمّى بـ"الحيل الرومانسية"، حيث يجذب المعجبون الوهميون النساء المسنّات لإرسال النقود إليهم، والتي يمكن أن تصل قيمتها إلى 7 أرقام، ففي عام 2018 كلَّفت هذه الحيل الكنديين 17 مليون دولار.

ترعى الحركة عملية نقل النيجيريين عبر الصحراء الكبرى والبحر الأبيض المتوسط ​​إلى أوروبا، وتتعرض العديد من النساء الشابات لتهديدات باللعنة الروحية من قبل السحرة أو ممارسي "الجوجو".

في أبريل/ نيسان 2021، تمَّ القبض على 30 من الأعضاء المشتبه بهم بتهمة الإتجار بالبشر والدعارة والاحتيال عبر الإنترنت، في حين اتخذت الولايات المتحدة نهجًا أكثر عدوانية؛ ففي السنوات الأخيرة، أطلقت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) عمليتَين لاعتقال منفّذي عمليات احتيال بالملايين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 وسبتمبر/ أيلول 2021، وبين سبتمبر/ أيلول وديسمبر/ كانون الأول الماضي، أطلقت الخدمة السرّية الأمريكية والإنتربول عملية دولية للقبض على 9 آخرين من أعضاء الفأس الأسود المشتبه بهم في جنوب أفريقيا.

على مدى العقدَين الماضيَين، أسَّست "الفأس الأسود" أيضًا نشاطًا تجاريًّا مربحًا في مجال الإتجار بالبشر والدعارة، من خلال العمل جنبًا إلى جنب مع الكارتلات القائمة، ترعى الحركة عملية نقل النيجيريين عبر الصحراء الكبرى والبحر الأبيض المتوسط ​​إلى أوروبا، وتتعرّض العديد من النساء الشابات لتهديدات باللعنة الروحية من قبل السحرة أو ممارسي "الجوجو"، وأفادت المنظمة الدولية للهجرة أنه في عام 2016 تمَّ تهريب ما يقارب 9 آلاف فتاة نيجيرية إلى إيطاليا وحدها.

في عام 2019، أدانت سلطات صقلية 14 عضوًا من أعضاء "الفأس الأسود"، ما جعل الحركة ثاني جماعة إجرامية منظَّمة يتمُّ التعرُّف إليها في الجزيرة الإيطالية.

استأنف بعض أعضاء "الفأس الأسود" محاكمتهم، في حين أرسلت "حركة السود الجدد" محاميًا إلى باليرمو للدفاع عن أعضائها الموقوفين، والقول إن المنظمة لا تنتمي إلى "الفأس الأسود" أو أي نشاط إجرامي، لكن فرانشيسكو ديل جروسو، الذي يرأس وحدة الجرائم الأجنبية والدعارة بالشرطة الوطنية في باليرمو، قال: "فيما يتعلق بتحقيقاتنا، فإن "السود الجدد" و"الفأس الأسود" هما الشيء نفسه".

رغم ذلك، يجادل البعض بأن الاثنين كيانان منفصلان، ففي وثيقة مسرَّبة عام 2013، حثَّ اللورد جاجا أوبوبو من منطقة أبوجا القيادة لتنظيف المنزل، والقلق من أن التداخل بين الحركتَين يضرُّ بصورة حركة السود الجدد العالمية.

لكن ادّعاء أوبوبو تآكل بعدما أظهرت مؤخرًا وثائق مسرَّبة لـ"بي بي سي" روابط تبيّن أن رئيس حركة "السود الجُدد بأفريقيا" تورَّط في عمليات احتيال بقيمة 3.3 ملايين دولار، بينما نفت حركة "السود الجُدد بأفريقيا" أي علاقة بـ"الفأس الأسود"، وقال محامي الحركة: "سنحقق في الأمر، وسيُطرد من ثبتت علاقته بـ"الفأس الأسود"، فنحن لا نتسامح مع الجريمة".

صورة
يعدّ الاحتيال الإلكتروني مصدر الإيرادات الأساسي لأخوية "الفأس الأسود"

تشير وثيقتان، يبدو أنهما قد تمَّ تسريبهما من الاتصالات الداخلية، أن تأثير حركة "السود الجُدد بأفريقيا" و"الفأس الأسود" امتدَّ إلى الحياة السياسية في نيجيريا، إذ يتبع لهم عدة نواب وأعضاء السلطة التنفيذية بينهم نائب حاكم إيدو.

كذلك توجد المجموعة بين صانعي القرار في ولاية إيدو بشكل مذهل، وفي انتخابات عام 2012 أمَّنت أموال مجموعة "الفأس الأسود" فوز أشخاص محدَّدين، ومُنحوا 80 وظيفة حكومية بالولاية، ووزّعَ الأموال عليهم رئيسُ الأركان السابق سام إيريديا.

وسط هذه التناقضات والاتهامات التي تلاحق الأخويات، سعى فيليكس كوبا، الرئيس الجديد لحركة "السود الجدد بأفريقيا"، لإظهار جانب أكثر ليونة للحركة، فقد أطلق برامج لتعزيز إعادة توطين اللاجئين والمساعدة القانونية للسجناء، ويجري التخطيط لإنشاء مركز مهني بقيمة 1.38 مليون دولار لمدينة بنين، حيث سيتمكّن الشباب النيجيري من تعلُّم المهن والمهارات القيادية، وتثقيف أنفسهم في التاريخ الأفريقي.

يحدث هذا في بلد ينتشر فيه الفساد على نطاق واسع، فعند السؤال عن سبب اختفاء 100 ألف دولار من خزائن الدولة العام الماضي، ادَّعى موظف في هيئة تعليم حكومية أن ثعبانًا قد أكلهم، وفي حين يصل معدل البطالة إلى 23%، تتوسّل الإعلانات النساء ألا ينجبن المزيد من الأطفال، حيث تتعثّر الدولة بحثًا عن حلول للطفرة السكانية التي من المقرر أن تجعل نيجيريا ثالث أكبر دولة في العالم بحلول عام 2050.

غالبًا ما يجد الشباب المتعلِّم أنه لا توجد فرص بانتظارهم بعد التخرج، بينما يمتلك أغنى 5 رجال في نيجيريا ما يكفي من المال لإنهاء الفقر المدقع تمامًا، في بلد يعيش فيه 112 مليون شخص تحت خط الفقر، حيث غالبًا ما يعيش السياسيون مثل الإقطاعيين، يسافرون بأسلوب يُحسَدون عليه، ووسط هذا التفاوت فإن دعوة الأخويات للثراء السريع قوية.