يواصل رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح مساعيه الحثيثة للاستفراد بالقرار وضبط مستقبل ليبيا مهما كلّفه الأمر، في تحدٍ تام للاتفاقات السياسية السابقة ورفض لكل مساعي الحوار الصادر عن أطراف سياسية أخرى في الدولة الليبية، ما سيكون له تأثير كبير على حاضر هذا البلد النفطي ومستقبله.

استفراد بالقرار

ظهرت آخر محاولات عقيلة صالح الاستفراد بالحكم بالاستعانة ببعض حلفائه الراغبين في امتيازات، يوم أمس، فقد قبِل مجلس النواب الليبي المنعقد في مدينة طبرق، أوراق ترشح فتحي باشاغا وخالد البيباص لمنصب رئيس الحكومة، كما وافق على مشروع خريطة طريق، ينص على انتخاب أحد المترشحين لرئاسة الحكومة بجلسة يعقدها الخميس المقبل، وذلك بعد أيام قليلة من تصويت البرلمان على استبعاد المجلس الأعلى للدولة من المشاركة في تزكية رئيس الحكومة الجديدة.

تمت الجلسة دون السماع لطلب 62 نائبًا دعوا إلى تأجيلها لمزيد من التشاور، وخُصّصت للنظر في ملفات المترشحين لرئاسة الحكومة، قبل اختيار رئيس حكومة جديد الخميس المقبل، خلفًا لعبد الحميد الدبيبة، ويرى صالح أنه لم تعد هناك شرعية لحكومة الوحدة الوطنية الليبية الحاليّة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

يُفهم من هنا أن عقيلة صالح الذي يقود برلمان طبرق يصر على فرض خريطة طريق تنص على تغيير الحكومة قبل الذهاب إلى الانتخابات، فيما يرى آخرون ضرورة الاستفتاء على الدستور أو على الأقل وضع قاعدة دستورية قبل إجراء الانتخابات.

يعمل عقيلة صالح على استثمار مجلس النواب لصالحه بعد أن تمكن من السيطرة على قراراته والتصدي للعديد من المحاولات الرامية للإطاحة به

قبل يوم من اجتماع نواب طبرق، عقد نواب يمثلون المنطقة الغربية في ليبيا اجتماعات بالعاصمة طرابلس لبحث خريطة الطريق والوضع السياسي العام، وهناك توجه لدى عدد من نواب المنطقة الغربية نحو عدم ضرورة تغيير حكومة الدبيبة إلا بعد إقرار خريطة طريق جديدة تتضمن مواعيد محددة للمرحلة الانتقالية وخطوات موازية متعلقة بالمصالحة الوطنية والوضع الأمني والمسار الدستوري، بالتوازي مع مسار السلطة التنفيذية.

بدوره يرفض المجلس الأعلى للدولة - وهو هيئة استشارية منبثقة عن الاتفاق السياسي لعام 2015 - تغيير الحكومة الحاليّة كطريق وحيد لمنع تفاقم الأزمة، ويفضل أن تكون هناك مسارات متعددة لمعالجة الأزمة.

من جانبه، يصرّ عبد الحميد الدبيبة على البقاء في منصبه واستمرار حكومته في أداء مهامها إلى حين إجراء الانتخابات المقبلة وتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة، وسبق أن أكد الدبيبة تواصله مع جميع الأطراف الدولية و"جميعها ضد محاولات رئيس مجلس النواب بشأن مرحلة انتقالية جديدة".

استهداف العملية السياسية

يُتهم عقيلة صالح بإفشال إنجاز الانتخابات السابقة في موعدها، بعدما صاغ قوانين انتخابية مفصلة على مقاس خليفة حفتر، وتجاهل العمل مع المجلس الأعلى للدولة، الذي ينص عليه الاتفاق السياسي المضمن بالإعلان الدستوري، في خرق منه للمادة 23 من اتفاق الصخيرات.

كما سبق لصالح أن أعلن في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي تشكيل لجنة برلمانية من عشرة أعضاء، لوضع خريطة طريق لما بعد 24 ديسمبر/كانون الأول، في خطوة مماثلة للجنة التي شكلها في يوليو/تموز الماضي التي فصلت القوانين الانتخابية على مقاس حفتر.

بعدها بأسبوعين دعا صالح، إلى تشكيل لجنة برلمانية من 30 شخصًا بهدف صياغة دستور توافقي، كما وصفه، معلنةً وضع دستور لجنة الستين الحاضر في سلة المهملات، بعد أن رفض في وقت سابق عرضه على الاستفتاء أو تعديل بعض النقاط الخلافية على الأقل خاصة فيما يتعلق بالأقليات التي تثير حفيظة البعض.

ينص الإعلان الدستوري، وهو عبارة عن "دستور مؤقت" لتسيير شؤون ليبيا عقب الثورة التي أطاحت بحكم معمر القذافي عام 2011، على عرض هيئة صياغة مشروع الدستور المسودة التي أقرها أعضاؤها على مجلس النواب المنعقد في طبرق، إثر ذلك، يصدر المجلس قانونًا للاستفتاء تعمل من خلاله مفوضية الانتخابات على عرض المسودة على الشعب، والتصويت عليها بالقبول أو الرفض، إلا أن لعقيلة صالح رأيًا آخر مخالفًا.

تحركات عقيلة صالح في هذا الخصوص من شأنها أن تؤثر سلبًا على العملية السياسية في البلاد وتزيد من خطر انحراف عملية السلام الأوسع في ليبيا عن مسارها، ذلك أنه يريد أن يستفرد بالقرار وحده دون الرجوع لباقي الأطراف السياسية في البلاد.

هناك مخاوف أن يؤدي تعنت صالح إلى محو العملية السياسية برمّتها وتأجيل الآمال في إعادة توحيد بلدهم الغارق في الفوضى منذ سنوات عدة، ويخشى هؤلاء أن تتبدد أحلامهم برؤية بلادهم دولة ديمقراطية تحكمها المؤسسات والقانون لا الميليشيات والأسلحة.

مساعي عقيلة صالح للاستفراد بقرار مجلس النواب وتحديد ملامح الفترة المستقبلية لليبيا، من شأنها أن تسقط كل التوافقات في ليبيا

يعمل عقيلة صالح على استثمار مجلس النواب لصالحه بعد أن تمكن من السيطرة على قراراته والتصدي للعديد من المحاولات الرامية للإطاحة به، وأبرزها اجتماعات طنجة المغربية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وغدامس في ديسمبر/ كانون الأول 2020، وصبراته في فبراير/شباط 2021.

ويؤكد مجلس الدولة ونواب في طرابلس أن عدم التزام عقيلة صالح ببنود الاتفاق السياسي - الوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية - سيبقي العملية السياسية في البلاد في عالم المجهول وتمدد المراحل الانتقالية بعد إجهاض العملية الانتخابية.

عودة الفوضى والانقسام

يصر عقيلة صالح على إطالة مدة إجراء الانتخابات أطول وقت ممكن، بهدف إطالة أمد الفترة الانتقالية التي تعرفها البلاد، للبقاء في منصبه على رأس مجلس النواب والاستفادة من ذلك لتحقيق مصالحه ومصالح حلفائه في الداخل والخارج.

محاولات عقيلة صالح التفرد بالقرار، من شأنها أن تعيد ليبيا إلى نقطة الصفر حيث الانقسام والفوضى سيّدا الموقف، خاصة في ظل إصرار مجلس الدولة على رفض تمشي برلمان طبرق ورفض عبد الحميد الدبيبة تسليم السلطة لحكومة غير منتخبة وُضعت على المقاس.

كما أن إصرار عقيلة صالح على التحكم في قرار برلمان طبرق والإطاحة بعبد الحميد الدبيبة، من شأنه الذهاب بالصراع والأزمة الليبية إلى أبعد نقطة، كما سيعيد تشكيل حكومة جديدة دون الرجوع إلى مجلس الدولة والأمم المتحدة الانقسام المؤسسي، وسينسف كل مخرجات جنيف في توحيد المؤسسات ووقف إطلاق النار وإخراج المرتزقة من البلاد.

سيؤدي هذا الأمر إلى انقسام البرلمان، وربما سحب الرئاسة من بين يدي عقيلة صالح، ويكون هناك برلمان في طبرق وآخر في طرابلس، كما ستكون ليبيا أيضًا أمام حكومتين متوازيتين، على غرار ما حصل في السنوات الماضية، أي أن تبقى حكومة الدبيبة في الغرب، فيما يشكل عقيلة صالح حكومة في الشرق تسند رئاستها لوزير الداخلية في عهد حكومة التوافق السابقة فتحي باشاغا، بعدما دخل في تحالف مع صالح في الفترة الأخيرة.

سيمهد هذا الانقسام إن حصل الطريق أمام المرتزقة والمليشيات المسلحة الراغبة في تسلم السلطة، للاستفراد بحكم البلاد والاستحواذ على خيراته العديدة، ذلك أن هذه الميليشيات تتأهب الفرصة للانقضاض على حكم ليبيا ما دام ليس هناك رادع يردع.

مساعي عقيلة صالح للاستفراد بقرار مجلس النواب وتحديد ملامح الفترة المستقبلية لليبيا، من شأنها أن تسقط كل التوافقات في ليبيا وأن ترجع البلاد إلى لحظة البداية وتبدّد آمال الليبيين بمستقبل أفضل، خاصة أن أطرافًا عديدةً تتربص ببلادهم رغبةً في الاستئثار بخيراتها الكثيرة.