بلغ حجم مبيعات العقاقير في العالم قرابة تريليون دولار، تستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية منه على نسبة 30% تليها دول أوروبا بالنسبة ذاتها، ثم تحلّ اليابان ثالثًا بنسبة 21%، أما النسبة الباقية والتي لا تتعدّى 19% فتقسَّم على بقية دول العالم.

وفي ضوء تلك المعطيات، فلا عجب حين تتصدّر الشركات الأمريكية قائمة أكبر شركات صناعة الدواء في العالم، إذ إن هناك 5 شركات أمريكية من بين الشركات العشر الأوائل، تليهم شركتان لبريطانيا ومثلهما لسويسرا وشركة فرنسية واحدة، وهو ما قد يتناغم مع خارطة سوق الدواء العالمي. أما المنطقة العربية فإنها تقع خارج حسابات هذا السوق الهائل، ولكنها حاضرة كمستهلك، حيث نجد أن 80% من الأدوية في المنطقة العربية مستوردة من الخارج، فيما تُصنَع النسبة الباقية في المصانع العربية رغم أنها تستورد موادها الخام أيضًا.

يخبرنا التاريخ رواية مختلفة عن سوق الأدوية، فقد تأسست أول صيدلية في العالم عام 774م في بغداد التي كانت في وقتها عاصمة للإمبراطورية العباسية الإسلامية، وذلك على يد الصيدلي الخاص للخليفة العباسي أبو عبد الله بن علي المهدي (745-785م)، اسمه إسحاق أبو قريش.

الموروث والبدايات العفوية

كان العرب قبل الإسلام كغيرهم من شعوب الأرض في ذلك الوقت، في غيبة شبه تامة عن مقومات النهضة العلمية، وكانوا يعتمدون في معرفتهم بالطب والصيدلة على الموروث من الأسلاف، وكانوا يتحرّكون بشكل فردي في مسارات الطب والتطبيب بعيدًا عن قانون ثابت يحكم مثل تلك الممارسات.

في الصفحة 793 من كتابه "مقدمة ابن خلدون - الجزء الأول"، يكشف المؤرِّخ التونسي ملامح معرفة العرب بالصيدلة، حيث يقول: "صناعة الطب وهي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصحّ فيحاول صاحبها حفظ الصحة وبرء المرض بالأدوية والأغذية بعد أن يتبيّن المرض الذي يخصّ كل عضو من أعضاء البدن وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها وما لكل مرض من الأدوية مستدلين على ذلك بأمزجة الأدوية وقواها وعلى المرض بالعلامات المؤذنة بنضجه وقبوله الدواء أولًا في السجية والفضلات والنبض محاذين لذلك قوة الطبيعة فإنها المدبرة في حالتَي الصحة والمرض وإنما الطبيب يحاذيها ويعينها بعض الشيء بحسب ما تقتضيه طبيعة المادة والفصل والسن".

ويضيف: "للبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج وكان عند العرب من هذا الطب كثير".

لم يعرف العرب في ذلك الوقت الأدوية بمعناها العصري، بل كان التداوي عندهم طبيعيًّا من مستخلصات النباتات وجذورها، فكان البصل والكمّون لعلاج أمراض الصدر، والحلبة للسعال، والحبة السوداء للجهاز الهضمي، والثوم لأمراض المعدة، وكانت هناك نباتات طبّية بدأت تفرض نفسها مع بداية قدوم الإسلام إلى شبه الجزيرة العربية فيما عُرف بعد ذلك بـ"الطب النبوي"، ومنها الريحان، والتمر، والحنظل، والخردل، والدد، وشوك السعدان، والشعير، والسلق، والحنطة، والطلح، والبطيخ، والقثاء، والثوم، والبصل، والعنب، ومن بعدها بدأوا في استخدام الصندل والقرنفل والزنجبيل واليانسون.

أول طريق العلم

مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، انشغلَ العرب في بداية الأمر بالفتوحات والدعوة والعمل على نشر الدين الجديد بين أرجاء العالم، وعليه كان النقل عن تجارب وخبرات الهند واليونان والرومان وفارس ومصر هو الاستراتيجية التي اعتمد عليها المسلمون الأوائل لعبور مرحلة الفتوحات الحرجة.

وقد عاصر النبي عليه السلام عددًا من العلماء العرب الذين ذاعت شهرتهم في ذلك الوقت في مجال العقاقير والعلاج بالنباتات، على رأسهم الحارث بن كلدة الذي تلقّى تعليمه على أيدي علماء فارس، وعاصر الخلفاء الراشدين وله العديد من المؤلفات في مجال الطب والتداوي، كذلك النضر بن الحارث الذي يُقال إنه ابن خالة النبي (ص)، والذي استلهم خبراته من والده الذي كان يبيع النباتات العشبية والطبية.

وبعدما استتبَّ الأمر ورسّخت الدولة الإسلامية أركانها، وتولّى زمام الأمة خلفاء قدّروا العلم وعملوا على نهضته، وعلى رأسهم الفاروق عمر بن الخطاب الذي سخّر للعلم كافة جهود دولة الخلافة حينها، بدأ العرب وضع أقدامهم على أول الطريق نحو التداوي بالعقاقير، وكانت نقطة الانطلاق مدينة الإسكندرية بعد أن فتحها عمرو بن العاص.

ميلاد صناعة الصيدلة في العالم

كان العصر الأموي (661-750م) بداية نهضة العرب في مجال الدواء والعقاقير، لا سيما في أواخره بعد فتح بلاد الأندلس، مركز العلوم والحضارة في ذلك الوقت، ومن أشهر المؤلفات التي أثرَت صناعة الدواء حينها كتاب "السموم" لابن وحشية الكلداني، الذي ألّفه عام 710م واعتبره البعض أول مؤلَّف يغوص في أعماق العقاقير بشكل عملي.

وفي نهاية هذا العصر كان الظهور العظيم لأبي الكيمياء عند العرب جابر بن حيان، الذي قال في حقّه العالم الفرنسي بيرثيلوت، صاحب كتاب "تاريخ الكيمياء في القرون الوسطى"، إن منزلته في تاريخ الكيمياء تضاهي منزلة أرسطو في تاريخ المنطق، وكان يعتبره أول من وضع القواعد الأولية لعلم الكيمياء بمعناه الحديث.

ولجابر الفضل في اكتشاف المواد الكيميائية الأكثر استخدامًا في صناعة الأدوية، كحامض الكبريتيك الذي سمّاه وقتها "زيت الزاج"، كما يُنسَب إليه الفضل في اكتشاف الصودا الكاوية، وأول من استحضر ماء الذهب، فيما ينسُبُ إليه العالم الفرنسي استحضار العديد من العناصر الأخرى ككربونات الصوديوم والبوتاسيوم.

وإن كان يُنسَب إلى العصر الأموي الفضل في كونه أول من شهد إقامة المستشفيات وإدخال نظم صناعة الأعشاب والأدوية، فإن العصر العباسي (750-1258م) يمثّل أوج صناعة الدواء في العالم، فبعد فترة قصيرة من بناء بغداد كعاصمة للأمبراطورية العباسية عام 762م على يد أبي جعفر المنصور (714-775م)، تمَّ تأسيس أول صيدلية في العالم على يد صيدلي يُدعى إسحاق أبو قريش، وكان ذلك عام 774م.

في عهد الخليفة المأمون (813-846م) ظهرَ العشرات من علماء العقاقير والأدوية على رأسهم حنين بن إسحاق.

وفي عهد الخليفة المعتصم (796-824م) دخلت الصيدلة مرحلة جديدة من التطوير، فلم تعُد ذلك المجال الخاضع لاجتهادات شخصية، حيث أدخل الخليفة دراسة علم الصيدلة لتُجرى أول امتحانات رسمية للصيادلة عام 836م، وتمَّ وضع القواعد الأخلاقية الأولى لتلك المهنة الجديدة، والتي كانت ترتكز على احترام المرضى وعدم إعطائهم أدوية سامّة، وتجريم استخدام الأدوية في أي أفعال غير شريفة كالإجهاض وقطع النسل وغير ذلك.

وبينما كانت أوروبا غارقة في آبار الجهل بعلوم الصيدلة بعدما حرّمت الكنيسة على الناس التداوي، مقتصرة إياه على زيارة الكنائس والتبرُّك بالقديسين والقساوسة واستخدام التعاويذ، كان العرب يعيشون أزهى عصور التقدم في هذا المجال، الذي شهد ازدهارًا أكبر مع فتح الأندلس التي كانت منارة العلم والعلماء والفكر في ذلك الوقت.

وكان من مآثر العرب في علوم الصيدلة وضع أول دستور للأدوية والمادة الطبية على يدَي العالم الشهير صابر بن سهيل بأمر من هارون الرشيد، والذي سُمّي فيما بعد بـ"كرابادن" وكان يحتوي على 17 بابًا، ومنها جاءت كلمة "أقربازين" وتعني قانون مراقبة أصناف الأدوية من حيث الجودة والصلاحية والسعر.

وفي عهد الخليفة المأمون (813-846م) ظهر العشرات من علماء العقاقير والأدوية على رأسهم حنين بن إسحاق، الذي أمره الخليفة بنقل أبرز ما لدى كُتُب الفرس واليونان والرومان من العلوم وإصلاح بعضها، ثم توجّهَ بعد ذلك إلى دراسة العقاقير وعلوم الأدوية، وله العديد من المؤلفات أبرزها "كتاب الأدوية الموجودة بكل مكان" و"صنعة العلاج بالحديد" و"الأدوية المسهلة".

العشرة الكبار

قائمة علماء العرب الذين أثروا مكتبة علوم الصيدلة والعقاقير زاخرة بالعشرات ممّن يُنسَب إليهم الفضل الكبير في وضع اللبنات الأولى لعلم الصيدلة، يتصدّرهم أبو عبدالله جابر بن حيان، كما ذُكر سابقًا، والذي يذكره التاريخ بأنه أحد أباطرة العالم الكبار في علوم الكيمياء والأدوية.

يليه العظيم أبو بكر الرازي (875-923م) رئيس مستشفى بغداد، وصاحب موسوعة "الحاوي" التي تبلغ 30 مجلدًا، كذلك كتاب "الجامع" الذي تناول فيه العديد من التركيبات الدوائية والمواد النباتية والكيميائية الداخلة في صناعة الأدوية، إضافة إلى كتابه الشهير "سر الأسرار" الذي يشرح من خلاله طرق إجراء التجارب الدوائية بذكر المواد المستخدمة والأدوات.

ولن ينسى التاريخ الدور الذي قامَ به العالم العراقي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (801-873م)، الذي كان يعدّ أول الفلاسفة المَشّائِين المسلمين، وله أكثر من 30 مؤلفًا في علوم الطب والصيدلة والكيمياء، ولعلّ من أبرزها كتب "الطب الأبقراطي" و"الغداء والدواء المهلك" و"الأدوية الشافية من الروائح المؤذية" و"الأدوية المركبة".

ثم يأتي أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (973-1051م) أحد أعظم العلماء الذين عرفهم العصر الإسلامي في القرون الوسطى، وله كتاب يعدّ المرجعية الأبرز لعلماء العقاقير، معنون بـ"الصيدلة في الطب"، ويُقسم الى قسمَين الأول تمهيد سريع حول علوم الصيدلة والفارماكولوجيا والعلاج، أما القسم الثاني فقد خصّصه لكمٍّ هائل من العقاقير بشكل مرتّب ترتيبًا أبجديًّا.

وعلى شاكلة البيروني كان العالم علي بن سهل بن الطبري (869-775م)، صاحب أقدم كتاب جامع لفنون الطب والصيدلة، والذي يأتي تحت عنوان "فردوس الحكمة" والمقسَّم إلى 7 أقسام، أبرزها "في التغذية وأنواعها" و"المادة الطبية والسموم" و"في الروائح والألوان والمذاق"، والذي يقدِّم من خلالها وجبه دسمة في علم العقاقير.

من أبرز العلماء أبو قاسم خلف بن عباس الزهراوي الأندلسي (936-1013م)، صاحب موسوعة “التصريف لمن عجز عن التأليف"، والتي تحتوي على 30 مقالة تضمُّ جميع علوم الطب المعروف بها في تلك الفترة.

وفي مرتبة متقدمة من القائمة، يأتي العالم ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد الأندلسي، الشهير بـ"ابن البيطار" (1196-1248م)، صاحب كتاب "الأدوية المفردة"، تلك الموسوعة التي باتت مرجعية لدارسي علوم النباتات والعقاقير، وكان يعتمد عليه الملك الكامل في صناعة الأدوية المفردة، وعيّنه رئيسًا للعشابين.

ويتوسّط هذا العقد الذهبي أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري الشهير بـ"ابن سينا" (980-1037م)، صاحب المداد الذي لا يتوقّف في إثراء مكتبة العلوم الطبية والصيدلية، فكان صاحب الفضل في اكتشاف 3 مركّبات للحديد، وأول من كشف عن إمكانية استخدام الذهب والفضة في شفاء الأمراض المستعصية، وفيه قال العلماء: "إن الطب كان معدومًا فأوجده أبقراط، وميتًا فأحياه جالينوس، ومتفرِّقًا فجمعه الرازي، وناقصًا فكمَّله ابن سينا".

علاوة على ذلك، العالم التونسي أحمد بن أبي خالد القيرواني المعروف بـ"ابن الجزار" (898-980م)، صاحب كتاب "زاد المسافر" في علاج الأمراض، كذلك الكتابَين الممتعَين "الاعتماد في الأدوية المفردة" و"البغية في الأدوية"، اللذين تناول خلالهما قائمة مطوَّلة من الأدوية واستخداماتها وصناعتها.

ويأتي في مؤخرة قائمة العشرة الكبار العالمان الأندلسيان سليمان بن حسان الشهير بـ"ابن جلجل" (976-1009م)، مؤلف كتاب "في الأدوية المخزونة"، وصاحب الإسهامات الكبيرة في تفسير الأدوية ومركباتها؛ وأبو قاسم خلف بن عباس الزهراوي الأندلسي (936-1013م)، صاحب موسوعة "التصريف لمن عجز عن التأليف"، والتي تحتوي على 30 مقالة تضم جميع علوم الطب المعروف بها في تلك الفترة.

ومع ظهور الثورة العلمية في القرن السابع عشر، بدأ العالم يخطو خطوات جادّة نحو مسار العقلانية والتجريب في العلوم الطبية ومنها الصيدلة، وبداية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت صناعة الصيدلة تأخذ شكلها المتعارف عليه اليوم من حيث آليات التطوير ومجالات العمل، لتسحب البساط من تحت الرواد العرب القدماء.

ومع بدايات عام 1849 تأسست شركة "فايزر" في الولايات المتحدة الأمريكية، كأول لبنة في جدار صناعة الدواء الصلب، الذي بدأ يقوى عامًا تلو الآخر حتى أصبح سوقًا غيّر كثيرًا من ملامح القوى والنفوذ، وسلاحًا رادعًا في الهيمنة والسيطرة في أيدي الكيانات الكبرى.