قليل من يصدق يساريتهم ويأخذ نضالهم مأخذ الجد، وغالبية تستفيد من قابليتهم للتوظيف السياسي وهم يجدون في ذلك مصلحةً ومغنمًا وموقعًا في الدولة والمجتمع، لكن هل حسبوا مكاسبهم كحزب سياسي؟ لقد ظهروا في زمن بورقيبة وعاشوا زمن بن علي ويعيشون زمن الثورة والانقلاب، لكن في كل المراحل السياسية لم يدخل أحد منهم سجنًا أو يمسك بجرم سياسي رغم أنهم يعلنون دومًا موقعهم في المعارضة المتطرفة ضد كل الأنظمة ويظهرون علنًا في النقابات والإعلام بغير أسماء حزبية، وتكون نتيجة عملهم دومًا في مصلحة منظومة الحكم القائمة.

حشاشون جدد؟

نشاطهم وطرق عملهم السياسي تذكر دومًا بعمل الطوائف الدينية السرية، فقد فضلوا دومًا عدم الانتظام السياسي الحزبي وآثروا السكن في مواقع مفيدة ومؤثرة، فيصفهم البعض بالحشاشين الجدد، عندما يتحدث من حولهم عن الديمقراطية يظهرون الأعلى صوتًا بين المتكلمين لكنهم مارسوا العنف في الجامعة وضحاياهم معروفون، عن فرقة الوطد (أو حزب الوطنيين الديمقراطيين) في تونس، وها هم يظهرون مجددًا كحزام لصيق بالانقلاب ليفرضوا معركتهم الوحيدة التي يتقنون وهي استئصال شأفة الإسلاميين، واتخذوا الاغتيال السياسي ذريعةً، لكن هل هم جادون فعلًا في البحث عن الحقيقة؟

ظهروا في الجامعة كفصيل طلابي يساري في أواسط السبعينيات، لكن فشل تثوير النقابة وصبغها بالأحمر بعد الأصفر دفعهم مع يسار كثير إلى تغيير التكتيك السياسي للتسرب في الأجهزة خاصة الإعلام والأمن والقضاء، وانكشفت مواقعهم بعد الثورة كأن الجميع كان غافلًا عن خطتهم قبلها.

الإسلاميون الذين مروا من سجون بن علي اكتشفوا أن أغلب من كان يعذبهم ويتمتع بذلك هم زملاؤهم من طلبة الوطن الذين صاروا أمنيين، وكان بن علي يعرف ذلك وترك لهم الأمر وتفرغ لجمع المال، والتجمعيون سمحوا لهم باحتلال الأجهزة، فلم يكن لهم فيها مكسب، فهم ليسوا من أهل الثقافة، لقد التقوا على إقصاء منافس سياسي يهدد مغانمهم، ولا يزال هذا التحالف الضمني (أو السري) قائمًا وفي إطاره أعيد ملف الاغتيال السياسي بعد أن طُمِرَ في زمن الباجي، لكن هذه المرة مع الانقلاب والمستفيدين منه.

ملف الاغتيال قميص عثمان

في أي نقاش عقلاني هادئ خارج الإعلام خاصة يقول الجميع: لا يمكن لحزب سياسي حاكم أن يمارس اغتيال خصومه وهو في السلطة لأن خسارته من ذلك تفوق مكاسبه، وقد أدى الاغتيال فعلًا إلى خسارات فادحة لم يفلح حزب النهضة في علاجها على بنيانه الحزبي وعلى موقعه في السلطة.

أثبت الانقلاب بعجزه براءة حزب النهضة من تلك السلسلة الطويلة من التهم المتعلقة بفساد قياداته وعبثها بالمال العام

اللافت في استعمال قضية الاغتيال أنها تسخن وتبرد بحسب من يكون في الحكم، فقد بدأ صوت المطالبة بالثأر يهمد مع حكومة المهدي جمعة (2014) أي بعد خروج النهضة من الحكم، وأوشك الملف أن يندثر في زمن الباجي والنداء (2014-2019) رغم أن الباجي استعمل الملف كورقة دعائية انتخابية، وفي آخر أيام الباجي عندما اختلف مع النهضة بشأن تغيير حكومة الشاهد حاول استعمال الملف مرة أخرى وأثار قضية الجهاز السري للنهضة لكنه تخلى بسرعة عن الأمر كأنما نزل عليه أمر بالصمت وهو صمت نتوقع أسبابه وهي نفس أسباب استعادة الانقلاب للملف الآن.

كل من أراد ابتزاز النهضة سياسيًا استعاد ملف الاغتيال وهذه أيام للابتزاز، والوطد مستعد للعب الدور بإخلاص، ووضع الملف في هذا السياق يفقد أصحابه كل مصداقية، لذلك لا أحد يصدق حزنهم لكن الجميع يستعملهم، والانقلاب آخر المستعلمين.

لقد أثبت الانقلاب بعجزه براءة حزب النهضة من تلك السلسلة الطويلة من التهم المتعلقة بفساد قياداته وعبثها بالمال العام، وقد كان بوده لكنه لم يجد أدلة وقد منح بذلك للنهضة قوةً لم تفلح في استعادتها بنفسها خاصة لجهة فشلها الإعلامي.

وبينما ينفرج كثير من أزمة النهضة وقد خسرت موقعها في السلطة يعيش الانقلاب أزمته الخاصة وقد فشل في إنجاز ما أعلن، ودفع الوضع الاقتصادي والاجتماعي إلى أزمة غير مسبوقة وغير معروفة المال، لذلك وضع على الطاولة ملف الاغتيال والجهاز السري وكل تلك الحزمة من الاتهامات التي نسمعها منذ 2013.

الابتزاز يسبق التفاوض

يبحث الانقلاب عن آخر ورقات القوة ليبقى، فالملمح العام لأنصاره المخلصين الذي تجلى لنا من خلال خطابهم المنحط في السوشيال ميديا لا يعطيه قوة مجادلة حقيقية في ساحة سياسية فيها من يحسن التعبير عن أفكاره بوضوح، لذلك لم نره يفتح أي حلقة نقاش علني عن مشروعه، وهناك رأي عام مثقف يبتعد بسرعة الضوء عن الانقلاب، ولا يريد تحمل نتيجته. هنا استدعى المنقلب الوطد كورقة أخيرة مستثمرًا في عدائهم الغريزي للإسلاميين.

لقد ألقت لجنة الدفاع بمعلومة خطيرة في ندوتها الصحفية وهي أن معلومات خطيرة تسربت من الأجهزة العسكرية إلى حزب النهضة، أدى هذا إلى أن المحكمة العسكرية دخلت على الخط موجهة دعوة للجنة الدفاع للمثول أمامها، ونتوقع أن يصل الأمر إلى استدعاء رئيس الحزب كمتهم لسماع أقواله.

لا مستقبل للحقيقة التي يبحث عنها الوطد في وسائل الإعلام، حتى لو اصطنع لها قضاة على طريقة بن علي

لن يوقر الانقلاب مركزه (رئيس برلمان منتخب) ولن يوقر عمره (فوق السبعين)، لكنه سجن للتفاوض لا للإدانة أو تثبيت جرم. يتوقع الانقلاب أن مفاوضة سجان مع سجينه قد تعطيه مكاسب حينية، ويبدو أنه لم يحصل فائدة من سجن القيادي رقم اثنين بالحزب (البحيري) فهو يمهد للقيادي رقم واحد، وهنا يظهر الوطد وهذا دوره في كل الأزمات، وهنا يفقد ملف الاغتيال آخر ما بقي فيه من مصداقية أخلاقية.

بشارة انفراج؟

الاستعانة بالوطد علامة فشل سياسي، فهذا الفصيل (الطائفة) متغلغلة في الأجهزة والنقابات، لكنها معزولة في الشارع، وفيما عدا وصمها للإسلاميين بالرجعية لم تنتج جملة سياسية قابلة للبقاء منذ نصف قرن، وقد التقى العاجز بالأعجز منه، لكن الأمر في تقديري يتجاوز المنقلب وحزامه الوطدي.

ما بعد الانقلاب ومكان حزب النهضة ودوره، هذا هو مدار التفاوض القادم، وقد بدأ الابتزاز قبل الدخول إلى طاولة مفاوضات، المفاوضون كثر، الذين صنعوا الانقلاب من الداخل والخارج استنفدوا غرضهم منه أو يكادون، وقد تبين لهم أن التغيير وجب.

إنهم يريدون الحكم بعده وليس لهم وسيلة لتقليص حظوظ غريمهم الإسلامي الذي لو سارت الأمور كما تظهر للعيان سيكون صاحب قسط وافر من السلطة، فضلًا عن أن لهذا الغريم شركاء حول طاولة تفاوض وهو ليس بالهوان الذي كان عليه زمن بن علي وهم ليسوا بالقوة التي كانوا عليها حينها، لقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر.

لا مستقبل للحقيقة التي يبحث عنها الوطد في وسائل الإعلام، وحتى لو اصطنع لها قضاة على طريقة بن علي فإن حقه لن يقوم إلا بحجة وقد غابت أو غيبت، فالجميع يعرف ولجنة الدفاع تعرف أن الاغتيالات كانت عملًا مخابراتيًا أجنبيًا فرنسيًا بالتحديد لتدمير ثورة هددت مصالح كثيرة، وعندما يصل تحقيق ما إلى هذه النقطة سيطمر الملف حتى موعد ابتزاز قادم، هكذا كان الأمر مع الباجي.

جملة للخاتمة لما بعد الانقلاب يمنحون النهضة قوة فقدتها، إذ لم يعاين الوطد - لغباء مستحكم فيهم وفيمن يستعملهم - مقدار اللحمة الحزبية النهضوية المستعادة باعتقال البحيري، فما بالك بالمساس بسلامة شيخهم الثمانيني، الحشاشون القدامى نفروا العالم من التشيع، والحشاشون الجدد جعلوا الفكرة اليسارية مسخرة.