هل من الممكن أن تحجِز السيارة أرواحًا بداخلها؟ مركبة حمراء على بساطٍ حجري، تتحرك في الزمان والمكان، تتمرن عجلاتها كل يوم على أن تطئ ذكريات وآثام الشوارع، لكن في داخلها، طور سائقها في حيزٍ معدني ضئيل، مهارة حفظ الأرواح واستجلاب الماضي.

يمضي مختلسًا الزمن ويلغي مسافات المكان من خلال نصٍ أدبي لتشيخوف مسجل بصوت زوجته المتوفية، يتيح لنفسه دخول المنطقة الملتبسة، حيث يتحدث إلى زوجته من خلال النص، يبدأ في هذيان حمى سماعية، بإيقاع معين، ينسج من خلاله زمانًا موازيًا، ويفتح مجالًا للذكريات أن تلتف حول الجمل القصيرة في مسرحية تشيخوف، ليبوح في عالمٍ موازٍ، لأرواح شفافة، كل ما لم يستطع البوح به في وجودهم، ومن تلك النقطة يتضح للبطل وجود نوع من المسؤولية، مسؤولية العيش على أطلال من ماتوا.

صورة

يعرف أمبروز بيرس - الكاتب الأمريكي الساخر - مصطلح المسؤولية في كتابه الهزلي "قاموس الشيطان" عام 1911، ويقول: "المسؤولية هي عبء قابل للانفصال، ينتقل بسهولة إلى عاتق العناية الإلهية، القدر، البخت، الحظ، أو الجار، في حقبة التنجيم، كان من المعتاد ربطها بطالع النجوم".

يتحرك فيلم قودي سيارتي Drive My Car من هذه النقطة، ويتعاطى مع الفرد من منطلق حداثي، فالكثير من المجتمعات ما زالت تلقي بأوزارها ومسؤوليتها إلى حيز القدرة الإلهية أو عجلة الأقدار، أو حتى سوء الطالع، إلا أن المخرج الياباني ريوسوكي هاماجوتشي يحيط عالمه بمنطق وجودي، ويدير انفعالاته بناءً على شعورٍ باطني بالذنب، فهو لا يحاول الولوج لشخصيته الرئيسية عن طريق تضمينها داخل ثنائية قيمية، أو الزج به في معضلة إلهية أو لاهوت مقدس يحتكم إليه، فالمجتمع الياباني الحداثي لا ينصرف إلى هذه الأمور، على الأقل في أعماله السينمائية كما تناولها مخرجون يابانيون كبار مثل تاكيشي كيتانو في أفلامه عن الياكوزا وتاكشي ميكي وشيون سونو في ثلاثية الكراهية، وغيرهم من المخرجين.

غياب الإله يشكل ملمحًا محفوظًا داخل تلك المجتمعات بالذات، ويمكن ملاحظته داخل البنية السردية لأغلب أفلام الموجة اليابانية الحديثة، وبغض النظر عن التآلفات والأعراف الاجتماعية التي تخص مجموعة من البشر مثل الياكوزا وغيرها، يقوم المجتمع على قانونٍ مدني موحد، يعني بالفرد كجزء من كلية مجتمعية، يكترث للمجموعة كمسؤولية حكومية.

لكنه مثل كل أعراف العالم لا يعني بمعارك الفرد النفسية، فهذه معارك جزئية، يخوضها صاحبها ضد نفسه، ويتعرض لها نتيجة أفعاله، وموقف هذه الأفعال حيال القانون الأخلاقي الذي يلزم به الفرد نفسه دون تدخلات خارجية، وهذا ما يضبط المجتمعات بشكل لائق داخليًا، في التعاملات الفردية الصغيرة، وحتى الأخطاء الهائلة، لها مكان على قضبان المنطق الأخلاقي، ومن خلال مقاربة تلك الأفعال بمنظومة القيم، يحدد المرء إذا كان هذا فعل عادي أم يستدعي الذنب والندم.

صورة

لذلك يتحول المخرج من سؤال المسؤولية الشمولي إلى سؤال الذنب شديد الخصوصية، لأنه سؤال قائم على الفرد نفسه وعلاقته بالكود الأخلاقي، فلن يشعر المرء بالذنب إذا لم يحتكم إلى صيغة أخلاقية معينة تجرم هذا الحدث على المستوى الفردي، وتعكس شعورًا دفينًا بالحزن والواجب الأخلاقي تجاه الشخص أو الفعل الممارس، السؤال هنا: على أي مرجعية يستند هذا الكود الأخلاقي؟

ربما للفطرة أو للقانون التشريعي أو العاطفة أو حتى الفلسفة النفعية، وفي العمل السينمائي الذي نتناوله، يقوم المنهج الأخلاقي للشخصية الرئيسية على المنفعة العامة للعلاقة، فالحياة بالنسبة له مرهونة برعاية الحب، كأساس محرك للحياة، محافظًا على التوازن الاجتماعي للأسرة، مهما كلف هذا التوازن من أذى نفسي لفردٍ معين في العلاقة، أي أن الكود الأخلاقي يقوم على حماية العاطفة الكامنة بين الزوجين.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن العلاقة بين البطل والبطلة هي منتهى الخير، ومع تفسخ تلك العلاقة تحت أي ظرف من الظروف يستفحل الشعور بالذنب، لأنه يهيج الكود الأخلاقي ويحركه قياسًا بالخطيئة، وعليه يلوم البطل يوسكي كافوكو نفسه على موت زوجته المفاجئ رغم كل شيء، لأنه يثمن الحب في المقام الأول، وعليه يؤسس طريقته الخاصة للتعاطي مع الحياة، وهذا يدفعه للغفران والتغاضي عن الكثير من الذنوب، مثل الخيانة الجنسية والجسدية، لأنه يثق في السمو الروحي للعلاقة، والحب المحقق بينهما كزوجين، ويضعه فوق كل شيء.

صورة

يتعرض المخرج هاماجوتشي للأشياء من الداخل، يؤسس لشعورٍ غائرٍ بالذنب، ويمنح لشخصياته الحرية والمساحة الكافية لاستكشاف هذا الشعور خلال عملٍ درامي يقارب الثلاث ساعات على الشاشة.

يستهل المخرج فيلمه بفعل الحكي الذي تمارسه الزوجة خلال العلاقة الجنسية وما يتبعها من أحاديث تتعلق بالحكي، يمهد هاماجوتشي لعلاقة فريدة من نوعها، تجمع بين شهوة الجنس ولذة الحكي، وبينهما يقع الحب في منطقة شبه محايدة، لا يمكن فصل تلك المنطقة عن الفعلين السابقين، لأنهما يدوران في فلك الحب نفسه ويحققان وجوده، لذلك يجب محاولة فهم الحب في ظل حضورهما كأشياء جوهرية وحيوية للحياة في معناها الشمولي، والتآلف بين هذين الفعلين واقترانهما بالاستقرار المهني والاجتماعي صورهما كمثبطات لآلام كثيرة.

فهم يغذون الحب في جانبه الوجودي، بيد أنهما يخفقان في خلق التوازن المطلوب للأبد، فحضور الموت بطريقة مباغتة بدا فيها دخيلًا، وضع حدًا للأشياء كحقيقة مؤكدة، وصرف كل الآلام إلى شخصٍ واحد، اختفى الجنس كموتيف للحكي، وتلاشت الممارسة الحكائية كمنهجٍ للتداوي وحفظ التوازن داخل العلاقة. 

تدور قصة الفيلم حول المخرج والممثل المسرحي الشهير يوسكي كافوكو (الممثل هيدتوشي نيشيجيما)، الذي يفاجأ بموت زوجته الممثلة وكاتبة السيناريو أوتو كافوكو (الممثلة ريكا كيريشيما)، ويضطرب لهذا الحدث أيما اضطراب، ولشد ما يعاني داخليًا إثر موتها، بعد سنوات تأتيه دعوة من مهرجان مسرحي بمدينة هيروشيما اليابانية، لإخراج مسرحية الخال فانيا للكاتب العظيم أنطون تشيخوف، ليصطدم بأنصاف حكايات غامضة ومواقف ملتبسة تذكره بزوجته، لكن بطريقة تلهب ضميره وتهيج شعورًا دفينًا بالذنب والمسؤولية.

صورة

يقسم هاماجوتشي الفيلم لجزئين: ما قبل موت الزوجة وما بعده، ويفصل بينهما بنزول شريط الأسماء والعناوين Credits كاعتمادٍ افتتاحي واستهلال لمساحة مختلفة في حياة كافوكو، فيما يقود سيارته الحمراء متوجهًا لمدينة هيروشيما، ويشغل شريطٍ صوتي لزوجته، تتلو من خلاله مسرحية الخال فانيا بصوتٍ هادئ، تتحاشى بتلاوتها مقاطع شخصية فانيا، فيرددها كافوكو بطريقة آلية، كاستجابة تلقائية لنصٍ محفوظ في الذاكرة.

لذلك لا يمكن فصل النص المسرحي عن الزوجة، ما منح الزوجة القدرة على الوجود طوال الفيلم، فالزوجة لم تمت بالطريقة التي تجعلها منقطعة عن العالم بشكل كلي، فقد وهبها الشريط الصوتي والسيارة الحمراء المغلقة مهارة الوجود، كبعث وقتي، أضاف لأصالة النص الروسي وجهًا جديدًا، يعني بكافوكو وحده، كأن الزوجين يتعاتبان بكلمات المسرحية، يتعريان أمام بعضهما، ويقحمان تشيخوف بينهما، بجمله القصيرة المندفعة، يحتكمان لإرادة النص في الكشف عن دخيلة الزوجين.

عندما يصل كافوكو لهيروشيما، يفاجأ بقواعد المهرجان الإجبارية، بحيث تعين إدارة المهرجان سائق خاص لكل فنان تستدعيه للحضور، لأسبابٍ تتعلق بسلامة الفنانين، وهذا الشرط الصغير ينقل الفيلم لمستوى آخر تمامًا، لأنه يعني اجتياح وغزو غير مشروط لمساحة كافوكو الخاصة في السيارة، من شخصٍ أجنبي، لا يعرف عنه شيئًا، ما يعرضه أكثر لمخيلة أجنبية وسياق فكري مختلف، بجانب انفراده بطقوسٍ معينةٍ خلال القيادة، طقوسٍ سماعية في الأساس، يقلقه أنه سيبيح جزءًا غير قليل من شخصيته، لأن حياته في الأساس تدور داخل السيارة، كحيز آمن، ومكان يذكره بتفاصيل زوجته، إلا أنه لم يستطع الرفض.

يقابل كافوكو سائقته الخاصة ميساكي واتاري (الممثلة توكو ميورا) قليلة الكلام، ذات وجه متجهم، وندبة على خدها الأيسر، لتلاقي استحسانه على مستوى القيادة، لتبدأ علاقة متفردة تمد أوصالها بين الشخصيتين، تنمو وتتغذي على مسافات الطريق، تحثهم على مشاركة الماضي، ليتقاسما الشعور بالذنب، محاولان الفرار من الذكريات الكابوسية التي تنمو على أجسادهم، يتوحدان داخل حدود الضمير، تدفعهم البنية الأخلاقية للندم مرة أخرى، وتحصرهم في دوائر لا تنتهي. 

صورة

الخروج من الذات

يبدأ كافوكو بإجراء تجارب الأداء لمسرحيته، تجمعه الصدفة بالممثل الشاب كوجي تاكتسكي (الممثل ماساكي اوكادا) الذي كان مرافقًا لزوجته أوتو كبطلٍ لمشروعها السينمائي جديد في آخر أيامها، يحضر لتجارب الأداء متحمسًا للعمل مع كافوكو.

في بداية الفيلم يكتشف كافوكو بالصدفة خيانة زوجته مع الشاب ذاته، حينما يعود للمنزل، لكنه ينسحب من الموقف بهدوء، بيد أنه لم يستطع تجاوز الأمر بشكل كامل حتى وفاتها، ربما لأن الكود الأخلاقي نفسه الذي يحتكم إليه ينبذ هذا الفعل، باعتباره خيانة للحب في المقام الأول، لكن كافوكو كان لديه القدر الكافي من التسامح للصمت والسكوت، لا للنسيان.

وهنا يحضر سؤال آخر: لماذا لم يعاتب كافوكو زوجته على هذا الفعل الذي كان واثقًا أنها تكرره في كل عملٍ جديد؟ لماذا يكتفي بالانهيار تحت وطأة الذنب لأنه لم يرجع للمنزل في الوقت المناسب لكي ينقذ زوجته؟ هذا شيئًا غريبًا، ربما للاتصال الضروري بين التجربة الجنسية والحكائية بالنسبة لأوتو، أي أنها دون ممارسة الجنس، ستلغي أداة وجودها المعرفي بشكل صريح.

يناقش كافوكو تلك الفكرة مع تاكتسكي في السيارة، فكرة التعامل مع شخصية مثل أوتو، يتشارك الاثنان في حبها، أي أنهما يتقاسمان الشعور بالذنب نحوها، ويخبره تاكتسكي أنه رجل محظوظ للعيش مع امرأة مثل أوتو كل هذه الأعوام:

"ولكنك إذا فكرت أنك تعرف شخصًا ما جيدًا، حتى إذا كنت تحبه من أعماق قلبك، لن تتمكن من رؤية دخيلته بشكلٍ كامل، لذلك ستشعر بالألم، لكن إذا اجتهدت في معرفته، ستقدر على معرفة نفسك جيدًا، لذا ما علينا فعله، أن نكون صادقين تجاه أنفسنا".

صورة

كان على كافوكو أن يخرج من ذاته حتى يستمع لتاكتسكي، أن يتخلى عن رؤيته الذاتية للحدث، ليفهم وجهة نظر شابٍ تورط في حكايته خلسة، لم يطلب ذلك، لكنه وقع في حب امرأة لا يملكها، بيد أن كلمات الشاب أسقطته مرة أخرى في هوة الندم، كان عليه أن يفهم زوجته منذ البداية، بعد موت ابنتهما في طفولتها، لكنه فضل أن يبقى في المنطقة الآمنة، وأشاح وجهه عن الهفوات والزلات، وظل يتكهن بحبٍ لا يمكن دفنه، يتصبر به على البوح والمكاشفة، ليلوم نفسه الآن، كأنه قاتلها.  

فعل ممارسة الجنس بالنسبة للزوجة، هو خطيئة لا يمكن إيقافها، ومن الواضح أن الزوجة تستند بشكل واضح لأحكام أخلاقية معينة تجاه أفعالها، وهذا لا يعني أنها لا تمارس ذلك الفعل/الذنب، لكنها تندم عليه في كل مرة حتى لو بشعورٍ خافت، لأنها ملزمة بواجب الإخلاص المقدس إزاء زوجها، لكن الوسط نفسه كان عرضةً للتفكك، إذا كان كل ما يمكن إنتاجه من العلاقة هو الحكايات، فهذه علاقة محكومة بالانتهاء.

فيما حاول كافوكو تبرير فعل زوجته بالصمت، في سبيل استقرار العلاقة، والحق أن محاولة تفكيك الممارسة الجنسية بمعزل عن تجربة الذروة القصصية والمتوالية الحكائية التي تتبعها، سيسطح المعنى المعقد للفعل، وبالتأكيد أنه لا يوجد مسار صحيح للتصرف الواجب، لكن الأمر يختلف إذا ترتب على هذا التصرف نوعًا من الألم للطرف الآخر من العلاقة.

لكن ما يحدث هنا هو إقصاء لجزء من مشاعر كافوكو الحزينة بالخيانة، على حساب جزءٍ آخر يطفح بالذنب، بحجة أنه لم يكن يعرفها جيدًا، وبالتبعية لا يعرف نفسه جيدًا، وهذا يعيدنا لنقطة البداية، حيث يستوجب وضع مفاهيم معينة وتعريف لمعنى الخيانة والذنب، لكن هذا لا يحدث في الفيلم، كل التركيز كان على جانب الزوج المكلوم، الغارق في الذنب حد الأذنين.

صورة

الطريق نحو الماضي

سينما هاماجوتشي هي سينما شخصيات في المقام الأول، أي أنها لا تخضع لهيكلة قصصية دقيقة، بيد أنها تؤسس لشخصياتها بشكل جيد، تتقاطع مصائرهم بحيث ترفع من النسق وتشكل العقدة المطلوبة، ومن سمات تلك الشخصيات، التأثر بالماضي، ليس فقط الماضي المصور الذي تم تضمينه في الفيلم منذ بدايته، لكن الماضي غير المرئي الذي يحتفظ بغموضه، ويتحرك إزاء الشخصية الرئيسية بثيمة ثانوية لكن مؤثرة في الحكي.

شغلت سائقة السيارة ميساكي واتاري فصلًا أخيرًا في القصة، وهو الفصل الأكثر ديناميكية، لأنه يتعلق بالتحرك نحو الماضي بشكل صريح، سواء فيزيائيًا بعجلات السيارة الحمراء أم روحيًا بالمقاربات المعرفية للشخصيات وتمرير أقاصيصهم الكئيبة إلى حيز السيارة الآمن، كمناخ حاضن للماضي بكل أنواعه وأشكاله.

لم يتوقف الأمر على واتاري ولا كافوكو، بل وصل إلى شخصية تاكتسكي أيضًا كما ذكرنا سابقًا، فالمقاربة بين شخصية واتاري وابنة كافوكو المتوفاة، سيخلق أرضيةً مشتركةً، ليست علاقة صداقة بقدر ما هي علاقة أبوة، بين رجل هش وفتاة شابة محطمة من الداخل، وهذا يحيلنا لنقطة الندم.

فالفيلم مهموم بالذنب المتضخم، والبكائيات على الماضي، والسردية نفسها محاطة بكم هائل من أشباح الماضي، تخفق وتتلاشى، لتجتمع الشخصيتان على يقينٍ واحد، أنهما مجرمان قاتلان، ويذهبان إلى مسرحٍ للجريمة، يختلف عن مسرح هيروشيما الفني، رغم أن مدينة هيروشيما نفسها كانت مسرحًا لأشنع الأفعال البشرية على الإطلاق، لكن هذه ليست نقطتنا.

صورة

تتجه السيارة إلى حيث وقعت حادثة انهيار جليدي، توفت على إثرها والدة واتاري، إلا أن الحادثة لم تمر بشكلٍ عرضي، فالفتاة ينتابها شعور بالتخلي، كان من الممكن أن تعود لإنقاذها، لكنها لم تفعل ذلك، وهذا نقيض لما كانت تفعله أمها معها، من معاملة سيئة وإهانة، وهذا يحيلنا مرة أخرى للكود الأخلاقي الذي تسير من خلاله الأمور، هل كانت الأم تملك رصيدًا كافيًا لدى ابنتها، لتغفر لها كل ما فعلته، وتشعر بالذنب لأنها لم تعد لإنقاذها؟

سيولة الأخلاق والمبادئ في المجتمعات الحداثية هو ما يصنع تلك العقد الصغيرة، وقد رسخ المخرج لهذا النوع من العلاقات، أقصد العلاقة الملتبسة بين الماضي والحاضر، وعزز ذلك المنظور من خلال إلغاء الفلاش باك تمامًا، بحيث لا يمنح المشاهد فرصة لإمساك خط سردي معين أو غرض فعلي من الحبكة، يتركها عائمة تمامًا، ولا يعطي الكثير من الإشارات الإرشادية، كل ما يمكن للمشاهد رؤيته والتعاطي معه، هو الحاضر فقط.

تأثر هاماجوتشي بالمخرج الإيراني عباس كريستامي، خصوصًا في المشاهد المصنوعة داخل إطار السيارة، فقد استلهم منه - على حد قوله - الإيقاع المناسب والإبقاء على الدراما، كما أنه تأثر برينوار في منطقة توجيه الممثلين، ليظهروا أقل قدر من العاطفة، ومن خلال ذلك، خرج لنا بفيلم مميز من أفلام 2021، لا يمكن الإلمام بتفاصيله في مقال واحد.