تشهد الخارطة الحزبية التركية خلال الآونة الأخيرة سيولة غير مسبوقة في عدد الأحزاب وتباين أيديولوجياتها وخلفياتها السياسية، ففي عام واحد فقط (2020) تأسس 27 حزبًا، وهو رقم كبير إذا ما قورن مثلًا بعدد الأحزاب المؤسَّسة في العام الذي سبقه، إذ لم تتجاوز 3 أحزاب فقط، ليرتفع العدد الإجمالي للأحزاب في البلاد إلى 107 أحزاب.

السيولة السياسية التي تشهدها الساحة التركية لم تقف عند حاجزها الرأسي فقط، فعلى المستوى الأفقي ثمة اجتماعات عقدتها أحزاب المعارضة قبل أيام، وشملت: حزب الشعب الجمهوري، الحزب الجيد، الحزب الديمقراطي، حزب المستقبل، حزب دواء وحزب السعادة، تضمّنت سوابق لم تعرفها الخارطة مسبقًا، منها مشاركة حزب السعادة الإسلامي في صفوف المعارضة مع احتضان المنشقَّين عن حزب العدالة والتنمية الحاكم (المستقبل ونداء).

لا شك أن الأحزاب الجديدة التي كشفت عن نفسها خلال العامين الماضيين ستكون محط اهتمام قطبَي السياسة في البلاد: تحالف الجمهور (يضمّ حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية)، وتحالف الأمة المعارض (يضمّ حزب الشعب الجمهوري والحزب الجيد وحزب الشعوب الديمقراطي وحزب السعادة)، وذلك لتوسيع دائرة تحالفاتهما استعدادًا لماراثون الانتخابات الرئاسية المقرَّرة عام 2023.

كثير من وسائل الإعلام داخل تركيا وخارجها تتعامل مع هذه الطفرة في الخارطة الحزبية -التي نشأت في ظروف استثنائية- على أنها فرس الرهان، الذي ربما يعيد ترتيب المشهد خلال الاستحقاق الرئاسي القادم، لكن القراءة المتعمّقة لقيمة ووزن تلك الكتل الجديدة، قد تصل إلى نتائج أخرى مغايرة تمامًا لما تبدو عليه منذ النظرة السطحية الأولى.

البقاء على ما هو عليه نسبيًّا

بدايةً لا بدَّ من الإشارة إلى أن الأحزاب الناشئة مؤخرًا (30 حزبًا خلال عامَي 2019 و2020) لم تغيّر كثيرًا في الكتلة الجماهيرية للأحزاب التقليدية، فوفق البيانات التي نشرها مكتب المدّعي العام لمحكمة الاستئناف العليا (المتخصص في الأحزاب وسجلّ تحديثاتها المتعلقة بعدد الأعضاء)، ما زال حزب العدالة والتنمية متصدر للقائمة بأكثر من 11 مليون عضو، يليه منافسه الأبرز الشعب الجمهوري بمليون و251 ألف عضو (الفارق بين صاحب المركز الأول والثاني قرابة 10 ملايين صوت).

ن

ويأتي في المراتب التالية حزب الحركة القومية بـ 495 ألفًا، يليه الحزب الديمقراطي بـ 437 ألفًا و214 عضوًا، ثم حزب الجيد بـ 306 آلاف و809 أعضاء، ومن خلفه حزب السعادة الإسلامي بـ 217 ألفًا و441 عضوًا، وعلى التوالي كل من حزب الرفاة من جديد، حزب الشعوب الديمقراطي، حزب الشباب، حزب اليسار الديمقراطي، حزب الوحدة الكبرى، وأخيرًا حزب الوطن في المركز العاشر.

البيانات ذاتها أشارت إلى أن في العامَين الماضيَين فقط زاد عدد أعضاء العدالة والتنمية بمقدار مليون عضو، مقارنة بانخفاض عدد أعضاء الشعب الجمهوري بـ 2270 عضوًا نهاية العام الماضي، يليه حزب الجيد بزيادة قدرها 14131 عضوًا.

حتى الأحزاب التي خرجت للأضواء مؤخرًا، ويعوِّل عليها البعض في إحداث الفارق في المشهد، لم تشهد الزيادات المتوقعة في قاعدتها الجماهيرية، فحزب المستقبل الذي أسّسه أحمد داود أوغلو لم يتجاوز حاجز الـ 18281 عضوًا، بزيادة قدرها 3295 عضوًا منذ نهاية عام 2021، الموقف ذاته مع حزب الديمقراطية والتقدم الذي قفز بأعداده من 9531 عضوًا قبل شهرَين إلى 15862 عضوًا اليوم، بزيادة قدرها 6331 عضوًا، وهو رقم إلى حدٍّ ما مقبول سياسيًّا.

حسابيًّا، وفي ضوء لغة الأرقام المحدَّثة، فإن الكتلة التصويتية الأولية لـ"تحالف الجمهور" ستبلغ 11 مليونًا و495 ألف عضو، في مقابل "تحالف الأمة" المعارض الذي من المتوقع أن تبلغ كتلته قرابة مليون و814 ألف عضو، ورغم الفارق الكبير بين التحالفَين لكن لا بدَّ من الوضع في الاعتبار أن عددَ من لهم حقّ التصويت في البلاد يتجاوز 57 مليون ناخب، أي أكثر من 3 أضعاف قوة الأحزاب التصويتية.

أزمة الأيديولوجيات المتباينة

الاجتماع السداسي الذي عُقد قبل أيام لأحزاب المعارضة، أسرع نسبيًّا من السباق المحموم بين التيارات السياسية، ودفع بها مبكّرًا إلى ساحة الأضواء الإعلامية والنقاش المجتمعي، الصورة التي حاولت الأحزاب المشاركة أن تصدرها للشارع أن هناك استعدادًا قويًّا لخوض المعركة عبر ائتلاف، ربما تتّسع رقعته خلال الفترة المقبلة في ظلّ عشرات الأحزاب التي انضوت مؤخرًا في الخارطة.

لكن المدقِّق للاجتماع، الذي غاب عنه ثاني أكبر حزب معارض في البلاد (الشعوب الديمقراطي) الموالي للأكراد، يجدُ أنه يفتقد للتناغم السياسي، إذ إن الأحزاب الـ 6 المشاركة تنتمي جميعها إلى خلفيات أيديولوجية متباينة، فالديمقراطي الليبرالي جنبًا إلى جنب مع الجيد القومي والشعب الجمهوري الكمالي وحزبَي المستقبل ودواء المحافظين ومعهما السعادة الإسلامي.

البعض قد يرى في هذا الاختلاف ميزة يمكن الاستفادة منها في الترويج للتحالف المعارض على أنه تيار مرن، يقبل الجميع ويفتح أبوابه لكافة الأيديولوجيات الأخرى بما يدعم فكرة التشاركية في السلطة، مقارنة مثلًا بـ"تحالف الجمهور" ذي الميول المحافظة نسبيًّا، لكن قد يكون هذا الأمر مقبولًا من حيث الشكل فقط أما المضمون فالوضع مختلف.

غياب التناغم الأيديولوجي سينعكس بطبيعة الحال على الموقف العام إزاء بعض القضايا الملحّة التي قد تواجه البلاد، إذ إن كل حزب سيحاول قدر الإمكان الانتصار لأيديولوجيته الخاصة، والتي في بعض الأحيان تتناقض جملة وتفصيلًا مع أيديولوجية الحزب الشريك له في التحالف ذاته، ما يصعّب معه إدارة المشهد، وهو ما يستقرُّ في يقين نسبة كبيرة من الناخبين الرافضين بطبيعة الحال لعودة الحكومات الائتلافية مرة أخرى، لما لها من سجلّ سيّئ السمعة.

شبح يهدِّد التحالفات

السيولة السياسية التي تحياها الساحة التركية خلال الآونة الأخيرة، فرضت تموضعات جديدة أثارت حالة من الصدام المبكّر داخل الهياكل الحزبية، فأسفرَت عن موجة انشقاقات غير مسبوقة، سيكون لها بالتبعية تأثيرها في ترتيب المشهد مستقبلًا وإعادة هيكلة خارطة التحالفات.

الحزب الحاكم والأكبر في البلاد شهدَ حركة انشقاقات كبيرة خلال الأعوام الماضية القليلة، بعضها لقيادات ذات ثقل ومكانة تاريخية بارزَين، كما هو الحال مع رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، الذي خرج طواعية ليشكّل حزبه الجديد (المستقبل)، وكان من قبله وزير الاقتصاد السابق علي باباجان، الذي أسّس حزب التقدم والديمقراطية.

وتعدّ تلك الانشقاقات التي شهدها العدالة والتنمية الضربة الثانية التي تلقّاها "تحالف الجمهور"، إذ سبقها ضربة أخرى حين شهد الحزب الحليف (الحركة القومية) موجة انشقاقات عاصفة نهاية عام 2017، حين خرجت القيادية المخضرمة، ميرال أقشنار، لتؤسس حزبها الجيد الذي اختار الانضمام إلى التحالف المعارض، ومنه وضع أقدامه داخل البرلمان.

لكن سرعان ما أصابت عدوى الانشقاقات صفوف المعارضة، فها هو البرلماني أوميت أوزداغ، النائب عن حزب الجيد، يعلن انشقاقه عن الحزب بدعوى تأسيس آخر، وهي الاستقالة التي أثارت القلق داخل أركان الحزب، خشية أن تقود إلى موجة جديدة من الاستقالات.

وفي الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، تقدم عدد من القادة والنواب باستقالتهم، على رأسهم محرم إنجي، وكان قد انشقَّ قبل ذلك بعض رموز الحزب ليشكّلوا أحزابًا جديدة، منهم أوزتورك يلماز الذي أسّسَ حزب التجديد، ومصطفى ساري غول الذي شكّل حزب التغيير التركي.

إعادة تموضع

التحديات الجسام التي يواجهها حزب العدالة والتنمية، والتي فرضتها الحرب الاقتصادية غير المعلنة ضد البلاد، وتداعيات الجائحة وما ترتّب عنها من زيادة حدّة الاحتقان الشعبي نسبيًّا جرّاء التراجع في مستوى المعيشة، كل هذا سيقود حتمًا إلى إعادة النظر في التحالفات المتوقع أن يبرمها الحزب، استعدادًا للانتخابات القادمة التي يعتبرها البعض خطًّا فاصلًا في تاريخ تركيا.

لغة الأرقام رغم أنها سياسيًّا خاضعة لاعتبارات أخرى، بعضها ربما يقلب الطاولة، لكنها على أقل تقدير تعطي مؤشرًا عامًّا عن السياق الأبرز للمشهد، وعليه فإن التأثير المحتمل للأحزاب المنضوية مؤخرًا ضمن الخارطة الحزبية التركية لا يمكنه أن يتجاوز حاجز الـ 3% من الكتلة التصويتية، أو 5% على أقصى تقدير ممكن، بحسب بعض الساسة والمحللين الأتراك.

في ظل موجات المدّ والجذر التي تشهدها تركيا منذ عام 2016، ربما يطفو على السطح أفراس رهان أخرى تقلب الطاولة.

وعليه، السباق المتوقع للتحالفَين الكبيرَين لضمّ ولاءات الأحزاب الجديدة لن يحقق الهدف المنشود منه، خاصة مع الفارق الكبير في الكتلة التصويتية بينهما كما أشير سابقًا، لكن هذا لا يعني إلقاء الراية تمامًا إزاء هذا التطور الجديد، إذ إنه يمكن اللعب على هذا الوتر إعلاميًّا ودعائيًّا، فالتحالف الذي يكسب أكبر قدر ممكن من الأحزاب (عددًا)، قد يشكّل انعكاسًا على موقف الناخب ورؤيته للخارطة، بصورة قد تعيد النظر في قِبلة صوته الانتخابي في الماراثون القادم.

وفي ضوء ذلك، من المتوقع أن يسعى كل من تحالفَي "الجمهور" و"الأمة" إلى فتح قنوات اتصال خلال الفترة القادمة مع بعض الأحزاب الجديدة، لا سيما المتناغمة معها أيديولوجيًّا، لكسب ثقتها، ما يمهّد الطريق نحو التسويق لذلك سياسيًّا واستهداف الناخب المستقل غير المنتمي لأي تحالفات أو أحزاب سياسية، لا سيما أنه يمثل أكثر من 75% من الكتلة التصويتية في البلاد.

ثمًة سياقات ومسارات ستحدد هوية الفائز في الماراثون الانتخابي العام القادم (الاقتصاد - العلاقات الدولية وخارطة الأزمات - المستوى الأمني - السيطرة على الجائحة وإدارة الأزمة وتداعياتها - التماسك المجتمعي)، ربما ليس من بينها بصورة مباشرة تلك السيولة السياسية التي تحياها البلاد مؤخرًا، جرّاء انضمام عشرات الأحزاب إلى الخارطة، لكن في ظلّ موجات المدّ والجذر التي تشهدها تركيا منذ عام 2016، ربما يطفو على السطح أفراس رهان أخرى تقلب الطاولة، وهذا ما يستدعي على التحالفات المتسارعة على كعكة السلطة أن تأخذ بكل سُبل الحيطة استعدادًا لكافة السيناريوهات.