روسيا تعترف بمنطقتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين، كجمهوريتين مستقلتين

شوهدت قوافل من المركبات العسكرية الروسية بينها دبابات في ساعة مبكرة من صباح اليوم 22 فبراير/شباط 2022 على مشارف "دونيسك" في إطار تعليمات الرئيس فلاديمير بوتين بدخول ما وصفها بـ"قوات حفظ السلام" لـ"دونيتسك ولوغانسك" (شرق أوكرانيا) بعد الاعتراف الأحادي بهما كجمهوريتين مستقلتين في وقت متأخر من يوم أمس الإثنين، في خطوة تصعيدية ربما تعيد رسم خريطة النزاع الأوكراني من جديد.

وفي أجواء يبدو عليها الحماسة التي فسرها البعض بالغضب، قال بوتين - الباحث عن مجد شخصي - خلال خطاب تليفزيوني مطول، إن أوكرانيا جزء لا يتجزأ من تاريخ روسيا، لافتًا أن إقليم دونباس الشرقي كان أرضًا روسيةً في القديم، منوهًا أن شعبه سيدعم قراره الذي أحدث ارتباكًا على الأصعدة كافة في الوقت الذي كان يعول عليه البعض في تعزيز المسار الدبلوماسي لتبريد الأزمة، وهو ذات الخطاب الذي قاله في 18 مارس/آذار 2014، حين اعتبر أن شبه جزيرة القرم "جزء لا يتجزأ من روسيا".

الخطوة الروسية أثارت حفيظة الغرب، فقد شهدت الساعات الماضية حراكًا دبلوماسيًا بين العواصم الأوروبية وواشنطن مع بدايات تحرك للمجتمع الدولي الذي استنكر هذا التحرك الأحادي، فيما يعد قادة أوروبا والولايات المتحدة بفرض عقوبات جديدة على موسكو.

جدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يدعم فيها بوتين الحركات الانفصالية لتحقيق أجنداته التوسعية لإحياء نفوذ الاتحاد السوفيتي القديم، ففي 2008 اعترف بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بعد انفصالهما عن جورجيا، وحولهما إلى قاعدة عسكرية له في مواجهة المد الأوروبي شرق القارة.

قرار ليس مفاجئًا.. ولكن

بدايةً لا بد من الإشارة إلى أن قرار الانفصال عن أوكرانيا بالنسبة لـ"دونيتسك ولوغانسك" ليس جديدًا ولا مفاجئًا، فقد أعلنا استقلالهما من طرف واحد عام 2015، دون أن يعترف بهما أحد، بما فيها موسكو، غير أن اتفاقية "مينسك" الموقعة في العام ذاته بضمانة فرنسية ألمانية روسية، نصت على بقائهما ضمن أوكرانيا مع منحهما وضعًا قانونيًا خاصًا يحمي مصالحهما الأمنية والسياسية الأساسية.

كما أن روسيا طيلة السنوات السبعة الماضية تتعامل مع سكان تلك المنطقتين أنهما "روس" من حيث الهوية والخدمات المقدمة، فأضفت كل مظاهر الحياة الروسية على حياتهم، تجارة ومعاملات مالية واجتماعية، فاللغة الرسمية هي الروسية والعملة الأكثر تداولًا هي "الروبل".

كما فتحت موسكو أبوابها وحدودها أمام انفصاليي دونباس بأكملهم، تحسبًا لهذا اليوم، فمنحت قرابة 700 ألف منهم جنسيتها، كما سمحت لهم بالمشاركة في انتخابات مجلس الدوما (النواب) الروسي في سبتمبر/أيلول الماضي، وعليه يمكن القول إن الجمهورتين المستقلتين مؤخرًا روسيتان الهوية والحياة منذ سنوات، لذا كانت الاحتفالات التي شهدتها شوارعهما الرئيسية عقب كلمة بوتين بالأمس.

ربما يكون القرار غير مفاجئ ومتوقع بنسبة كبيرة لكن المثير هو التوقيت، ففي الوقت الذي يدعي فيه طرفا الأزمة تبريد الأجواء وتخفيف حدة التوتر عبر الجهود الدبلوماسية المبذولة، إذ بموسكو تتخذ هذا القرار الذي قبل أي شيء ينسف اتفاق "مينسك" من جذوره، ويضع الجميع أمام تحد لا شك أن سيكون له تبعات خطيرة.

حسابات بوتين

يعلم بوتين - المفعم بجنون العظمة - جيدًا أن الولوج في مستنقع أوكرانيا عبر مواجهة عسكرية كاملة بالسردية الحاليّة ربما تكون تداعياته العكسية أكثر خطورة من المكاسب المحققة، خاصة بعدما استقر في يقينه أن واشنطن تسعى قدر الإمكان لتوريطه في هذا الفخ في المكان والزمان الذي تحدده، في إشارة إلى التحديد المسبق لوقت الغزو كما كشفت الاستخبارات الأمريكية.

وعليه كان لا بد من البحث عن البديل الذي يحقق أهداف روسيا في تحجيم التمدد الأوروبي شرقًا، وفي نفس الوقت يحول بينه وبين فخ الحرب المباشرة، ولم يجد الرئيس الروسي أفضل من ورقة الاعتراف بالانفصاليين كبلدان مستقلة للضغط على الغرب، ميدانيًا وسياسيًا.

ميدانيًا.. عبر الاقتراب أكثر من مناطق التماس الغربي في أوكرانيا من خلال نشر القوات الروسية في دونيتسك ولوغانسك بحكم اتفاقية الدفاع المشترك المزمع توقيعها والتعاون العسكري بين البلدين، وهو بذلك يضيق الخناق على قوات الناتو المتمركزة في أوكرانيا، ما يمكن قراءته من خلال الأرتال العسكرية الروسية التي وصلت إلى هاتين المنطقتين بعد ساعات قليلة من الاعتراف بهما.

سياسيًا.. فإن القرار وتبعاته الميدانية سيقويان بلا شك من موقف موسكو التفاوضي على طاولة الحوار مع الغرب بما يحقق الأهداف الروسية المعلنة سابقًا، الخاصة بتقديم ضمانات بعدم التغول الأوروبي شرقًا بما يهدد الأمن القومي الروسي.

بهذه الخطوة يقطع بوتين الطريق رسميًا وبشكل نهائي على حلف شمال الأطلسي "الناتو" لضم أوكرانيا لعضويته، وفق الميثاق الذي يحدد الشروط اللازمة لقبول أعضاء جدد بالتحالف، التي من بينها ألا يكون للدولة المرشح انضمامها أزمات حدودية مع الجيران.

يعلم الدب الروسي قوة أوراق الضغط التي يمتلكها ويوظفها بشكل برغماتي قوي، فبجانب التفوق الممنوح له جيوسياسًا يمتلك ورقة الغاز والطاقة كأحد أبرز الأسلحة الموجهة صوب أوروبا التي تعلم يقينًا نفوذ وأهمية إمدادات الروس من الطاقة التي تشكل أكثر من ثلث احتياجات القارة، ولعل القفزة التي شهدها سوق النفط عقب الاعتراف بالجمهوريتين تعكس حجم وقوة تلك الورقة.

كلفة عالية.. هل يتحملها بوتين؟

الاعتراف الروسي بالانفصاليين لا شك أنه ستترتب عليه أعباء لضمان استمرار ولاء شعبي البلدين الجديدين لموسكو، على رأسها الدعم المالي والاقتصادي في ظل العقوبات المفروضة على الجمهوريتين من الحكومة الأوكرانية، وما يتوقع أن تفرضه دول الغرب في الإطار ذاته.

وهنا على موسكو أن تؤكد لشعبي الدولتين الانفصاليتين الجديدتين أنها قادرة على تعويضهما عن تداعيات ولائهما للروس، ومواجهة الغضب الأوروبي المحتمل، وهنا سؤال يطرح نفسه: هل تستطيع روسيا تحمل تلك الكلفة العالية في ظل ما يعاني منه اقتصادها من أزمات منذ 2014 وحتى اليوم؟

الأجواء هنا تشبه إلى حد كبير ما حدث قبل 7 سنوات حين ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، التي رغم أنها لا تمثل لروسيا الكثير على الجانب الاقتصادي، منحتها قوة إستراتيجية أكبر، حين أمنت لها الواجهة البحرية على شبه الجزيرة التي كانت تسيطر عليها كييف.

دفعت موسكو ثمنًا باهظًا جراء تلك الخطوة التي أعقبتها عقوبات غربية بالجملة، حيث هربت رؤوس الأموال من البلاد بصورة لم تشهدها من قبل، وصلت بعد عام واحد فقط إلى أكثر من 100 مليار دولار، فيما تراجع نمو الناتج المحلي بواقع 0.6%، فضلًا عن اضطرار السلطات الروسية وأمام انهيار الروبل بيع قرابة 15 مليار دولار لدعم سعر العملة المحلية التي تراجعت بأكثر من 25% مقابل الدولار وبأكثر من 10% مقابل اليورو.

تلك التداعيات كانت لها آثارها على الشارع الروسي الذي وجد في هذا التحرك خطرًا يهدد مستوى حياته المعيشية ويضع ثروات واقتصاد بلاده على المحك نظير تعزيز النفوذ السياسي والعسكري إقليميًا ودوليًا.. فهل موسكو على استعداد لتحمل الكلفة الجديدة من وراء الاعتراف بـ"دونيتسك ولوغانسك" كخطوة أولى لضمهما كما حدث مع القرم؟

النفوذ عبر التدخلات العسكرية

ميكافيللية بوتين دفعته للإيمان بأن الرصاص هو السبيل الوحيد والأسرع لاستعادة النفوذ السوفيتي المنهار، في ظل عدم امتلاك القدرات والمؤهلات السياسية والاقتصادية المطلوبة لتوسيع دائرة الحضور الإقليمي والدولي، ومن ثم كانت تلك سياسته المفضلة منذ وصوله إلى منصب رئيس الوزراء عام 1999.

خلال مسيرته السياسية شهدت روسيا 6 تدخلات عسكرية في دول الجوار، أولها حين دخلت القوات الروسية الشيشان وظلت هناك طيلة عامين، أذاق فيها الشيشانيون الروس مرارة الهزيمة كؤوسًا وأكوابًا، وانتهت بإعلان جمهورية الشيشان كدولة مستقلة في 1996.

وفي 12 يونيو/حزيران 1999، كانت المغامرة الثانية حين دخلت القوات الروسية إلى إقليم كوسوفو وحاصرت مطار برشتينا من جهته الجنوبية الغربية، التي كان من نتائجها أن تخلى جيش تحرير كوسوفو عن صفته العسكرية وباتت روسيا إحدى قوات حفظ السلام في المنطقة.

وبعد 9 سنوات على غزو كوسوفو دخل الروس إلى جورجيا وقصفوا مدينة غوري ومطار مارنيولي العسكري بشرق جورجيا ومرفأ بوتي على البحر الأسود، في 9 أغسطس/آب 2008، حينها برر بوتين تلك الخطوة التي قوبلت بانتقاد دولي كبير بأنها رد على ما وصفه "السياسة الإجرامية" التي تنتهجها جورجيا.

ومن جورجيا إلى جارتها أوكرانيا، حيث شنت القوات الروسية هجومًا على بعض المدن في المنطقة الشرقية، في 2014، كما دعمت انفصاليي الدونباس (دونيتسك ولوغانسك) الموالين لموسكو، في حربهما ضد الحكومة الأوكرانية، وفي النهاية كان الإعلان عن ضم شبه جزيرة القرم.

تجاوز بوتين حاجز الجوار الضيق بعدما فرض نفوذه على معظم أجواء المنطقة، ليدخل مرحلة جديدة من توسيع الدائرة، حين وجد في الملف السوري الفرصة السانحة لذلك، ساعده على ذلك نظام بشار الأسد الذي لم يمانع مطلقًا في أي تدخلات خارجية طالما سترسخ حكمه في مواجهة شعبه، وعليه كان التدخل العسكري رسميًا في سوريا 30 سبتمبر/أيلول 2015، لتصبح روسيا اللاعب الأبرز في الميدان، متفوقة حتى على النظام السوري نفسه.

اختبار صعب للغرب.. الصراخ وحده لا يكفي

القرار الروسي الذي كان توقيته مفاجئًا كما أشرنا سابقًا، أحدث تبادلًا في الأدوار بين طرفي الصراع، إذ باتت موسكو في مرتبة الفعل والغرب في الجهة الأخرى (رد الفعل)، وهي الوضعية التي بلا شك ستقلص خيارات الغرب في مواجهة السلوكيات الروسية.

تلكؤ الغرب خلال الساعات الماضية في اتخاذ قرار موحد وسريع في مواجهة التحرك الروسي - على عكس المتوقع - عكس نسبيًا حالة عدم الاتزان التي تسيطر على أوروبا والولايات المتحدة وتجسدت في كثرة التشاورات والمحادثات التي أجريت بالأمس بين زعماء القارة والإدارة الأمريكية التي لم تسفر إلا عن تهديدات بفرض عقوبات لا يمكن أن تكون أعمق مما كانت عليه في 2014.

هذا الصراخ الأجوف الذي أطلقه الغرب إزاء التطور الروسي دفع الأكاديمي البريطاني كير جايلز، إلى التساؤل في مقال نشره بصحيفة The Guardian البريطانية، قائلًا: ألم يكن هناك خيارات أخرى للرد على روسيا غير هذه التحذيرات المكثفة دون إجراءات على الأرض؟

الأكاديمي صاحب كتاب (قواعد روسيا: ما الذي يقود روسيا لمواجهة الغرب) يرى أن إصرار واشنطن على تحديد إطار زمني للحرب شبه الحتمية التي تؤكد أن موسكو ستشنها ضد أوكرانيا، منح موسكو أريحية أكبر في العديد من الخيارات، نظير تقليصها أمام الغرب، وهنا قد يسحب بوتين البساط من تحت أقدام ذعر الحرب الذي أثاره الغرب عبر التوقف عن الحشد العسكري وتبريد الأزمة ميدانيًا، وهنا قد يجد الغرب في ذلك نصرًا دبلوماسيًا، لكن في المقابل سيلجأ الرئيس الروسي إلى معركة أخرى غير تلك التي تركز عليها القارة العجوز.. وهو ما كان بالفعل.

يتفق هذا الرأي مع التطورات الميدانية الأخيرة، فقد لا تحدث مواجهات عسكرية مباشرة في أوكرانيا، على الأقل لن تكون البداية روسية، لكن الخطوة الأخيرة بالاعتراف بالانفصاليين ستعيد تشكيل الخريطة برمتها، إذ قد تضطر كييف للرد حفاظًا على أراضيها التي تسلب منها عامًا تلو الآخر، وهنا ستكون موسكو في موقف الدفاع عن حليفتيها بحكم اتفاق الدفاع المشترك المبرم بينهما، بما يحقق الشرعية القانونية للتصدي الروسي، الأمر الذي سيكون له تداعياته على المجتمع الدولي وموقفه العام لتقييم الأزمة.

فرض عقوبات اقتصادية على موسكو والانفصاليين أمر متوقع للروس، فالأمر لن يتغير كثيرًا، إذ تقبع موسكو تحت طائلة تلك العقوبات منذ 2014، وتأقلمت مع تلك الوضعية عبر تدشين تحالفات جديدة مع الصين وإيران وغيرها من البلدان التي تعوضها نسبيًا عن تداعيات تلك الضغوط الغربية.

غير أن الاكتفاء بتلك العقوبات كرد فعل غربي على ما حدث سيضع سمعة الغرب برمته على المحك، وهنا تجد أوروبا نفسها في موقف لا تحسد عليه، بين مطرقة التصعيد الكامل ضد موسكو وفي مقابل ذلك ستفقد إمداداتها من الغاز (الغاز الروسي يلبي ثلث احتياجات أوروبا من الطاقة)، ما قد ينجم عنه أزمة طاحنة للأوروبيين في ظل تصاعد احتياجاتهم من الغاز عامًا تلو الآخر، وسندان الرضوخ لما حدث والتسليم بالأمر الواقع ما قد يضعها في مأزق أمام شعوبها من جانب وحلفائها من جانب آخر.

ورغم أن روسيا لم تضم بعد الجمهوريتين المستقلتين، مكتفية حتى كتابة تلك السطور بالاعتراف بهما فقط، فإن الأمر وفي أكثر أطراف خيطه تطرفًا لن يتجاوز ما حدث في 2014 حين ضم الروس شبه جزيرة القرم، حيث اكتفى الغرب بالعقوبات وظلت الجزيرة تحت سيطرة موسكو دون رادع.

قد يكون من المستبعد - على الأقل في المرحلة الحاليّة - تدشين روسيا قواعد عسكرية لها في "دونيتسك ولوغانسك"، كما حدث في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بجورجيا قبل سنوات، لأسباب اقتصادية وسياسية وأمنية، ومراعاة كذلك لاستفزاز الغرب أكثر من ذلك، غير أن شرعنة بقاء القوات الروسية في تلك المنطقتين سيكون بمثابة الخنجر في ظهر خاصرة الناتو الشرقية، وهو ما تهدف إليه موسكو ميدانيًا.

من المتوقع أن تظل لعبة شد الحبل بين روسيا والغرب في أوكرانيا مستمرة حتى حين، فأوراق الضغط بيد كليهما كفيلة بإطالة أمد الأزمة، فالغرب لن يجرؤ على كلفة حرب دفاعًا عن شعب أوكرانيا، كما أن روسيا في غنى عن الوقوع في هذا الفخ، لتبقى سياسة النفس الطويل هي ما سيحكم الأمر، ومع ذلك فالسيناريوهات كلها على طاولة الاحتمالات.