يكثف الجيش الروسي هجماته العسكرية ضد أوكرانيا لليوم الثالث على التوالي مستهدفًا العاصمة كييف من كل الاتجاهات، التطور الذي دفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للإشارة إلى أن مصير بلاده يُحدد هذه الليلة، وسط خيبة أمل كبرى إزاء الموقف الغربي الهزيل.

صحيفة "فاينانشيال تايمز" رجحت أن تقدم القوات الروسية جنوبًا من بيلاروسيا وشمالًا عبر القرم سيمنح التفوق العسكري الساحق للروس، فيما نقلت عن مسؤولين عسكريين غربيين تحذيرهم من أن وصول آلاف القوات الروسية قد يؤدي إلى سقوط كييف خلال أيام.

الأجواء الميدانية تعزز هذا الاتجاه، ففي تطور لافت للنظر أعلنت بلدية كييف غلق مترو الأنفاق وتحويل منشآته إلى ملاجئ للسكان، وهي الخطوة التي تعكس إدراك الحكومة الأوكرانية لقرب معركة العاصمة التي تتعرض لوابل من القصف الروسي لم يفرق بين منشآت عسكرية ومبانٍ مدنية.

وتكذيبًا لادعاءات موسكو بتركيز استهدافها لمواقع عسكرية وأمنية فقط، أوضح مستشار وزير الداخلية الأوكراني أنطون هيراشينكو، أنه تم قصف ما لا يقل عن 40 موقعًا للبنية التحتية المدنية، وأن القوات الروسية تقصف مواقع مدنية، بينما ذكر وزير الصحة الأوكراني أن 193 قتيلًا من المدنيين بينهم 3 أطفال سقطوا في معارك خلال الأيام الثلاث الماضية، فيما أصيب خلال التصدي لهجوم القوات الروسية ليلة أمس، ما لا يقل عن 35 شخصًا بينهم طفلان.

وعلى المستوى الدولي فكما كان متوقعًا أخفق مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروع إدانة للهجوم الروسي، وذلك بعد استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) وامتناع 3 دول عن التصويت (الصين والإمارات والهند)، وفي المقابل طالب المجلس الأوروبي بالوقف الفوري للهجمات الروسية، معلنًا دعمه الكامل لكييف، لكن دون تحديد طبيعة ومستوى هذا الدعم.

تطور آخر ربما يسمح للحرب بإطالة أمدها ويطرح العديد من السيناريوهات غير السقوط السريع للعاصمة (السيناريو الأقرب ميدانيًا حسب معطيات اليومين الأوليين) يتعلق بموافقة حكومة التشيك على إرسال أسلحة وذخيرة بقيمة 8.6 مليون دولار إلى أوكرانيا، حسبما نقلت وكالة "رويترز".

تطويق كييف

منذ ليلة أمس وحتى منتصف اليوم لم يتوقف سماع دوي الانفجارات العنيفة التي تهز العديد من المناطق بكييف، فيما نقل مراسلو الفضائيات ووكالات الأنباء عن شهود عيان استهداف المقرات الحكومية وبعض البنايات التابعة لجهات سيادية بالصواريخ الروسية، فيما ذكر الجيش الأوكراني أن جيش بوتين يطلق صواريخ من طراز (Kalibr) على البلاد عبر البحر الأسود، وأن المناطق القريبة من سومي وبولتافا وماريوبول تعرضت لغارات جوية.

ويبدو أن الروس يسابقون الزمن لإسقاط كييف في أسرع وقت ممكن قبل وصول أي إمدادات خارجية، حيث تم تطويق المدينة من خلال الاتجاهات كافة، عبر الجو والبر في آن واحد، وليس من الشمال فقط كما كان خلال اليومين الماضيين، حيث شوهد الهجوم من ضفة النهر الشرقية، وعبر محور كسيلييف (36 كيلومترًا من كييف) فيما ذكرت القوات الأوكرانية أنها تصدت لمحاولة هجوم على موقع لها في شارع النصر، أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة، مع إرفاق صورة تظهر تصاعد عمود دخان كبير في إحدى المناطق المحورية بالمدينة.

أما وكالة "إنترفاكس" (Interfax) الأوكرانية فكشفت عن محاولة عسكرية من القوات الروسية للسيطرة على إحدى محطات توليد الكهرباء في المدينة، غير أنها قوبلت بمقاومة من الجيش الأوكراني الذي بدأ في الانتشار الكثيف بالعاصمة لحماية منشآتها الرئيسية.

الخسائر.. تضارب بيانات

منذ الساعات الأولى للهجوم الروسي وتشهد أرقام الخسائر لدى الطرفين تضاربات حادة، بعضها متناقضة، ويمكن تفسير ذلك في ضوء الحرب النفسية التي يمارسها كل طرف على الآخر، لا سيما أن تلك المعلومات، معظمها إن لم يكن كلها، تحت هيمنة وزارتي الدفاع هنا وهناك.

حصيلة اليوم الثالث للغزو كما ذكرت وزارة الدفاع الروسية تتمحور حول إسقاط 7 طائرات و7 مروحيات و9 مسيرات أوكرانية، وتدمير 87 دبابة و28 راجمة صواريخ و118 آلية وسيارة، و24 منصة دفاع جوي "إي 300″ و"أوسا" (OSA) و48 رادارًا.

الحصيلة شملت كذلك - بحسب أسطول البحر الأسود الروسي - استسلام 80 عسكريًا أوكرانيًا خلال السيطرة على جزيرة الأفعى وأنه تم نقلهم إلى القرم، وتدمير 8 زوارق للبحرية الأوكرانية، فيما أكدت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها سيطرت بالكامل على محطة كييف للطاقة الكهرومائية.

وبذلك يرتفع إجمالي الخسائر لتشمل تدمير 821 موقعًا من البنية التحتية العسكرية في أوكرانيا، بينها 14 مطارًا عسكريًا، و19 مركز قيادة وعقدة تحكم، و24 منظومة صواريخ مضادة للطائرات من طراز S-300 وOsa للدفاع الجوي، و48 نظام رادار، وما يصل إلى سبع طائرات مقاتلة وسبع مروحيات، فضلًا عن إسقاط 9 طائرات مسيّرة، بحسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف.

وفي الجهة الأخرى كذبت وكالة إنترفاكس الأوكرانية تصريحات موسكو بسيطرتها على المحطة الكهرومائية، فقد نقلت عن وزارة الطاقة الأوكرانية أن الجيش الأوكراني صاحب السيطرة الكاملة على محطة كييف للطاقة الكهرومائية شمالي العاصمة، وأن ما يثار بشأن هيمنة الروس عليها لا أساس له من الصحة.

وفي سياق الخسائر التي تكبدتها موسكو، قالت وزارة الدفاع الأوكرانية إن الجيش الأوكراني أسقط مروحية عسكرية روسية ومقاتلة من طراز "سوخوي 25" (Sukhoi 25)، لتصل حجم الخسائر منذ بداية الهجوم، سقوط 14 مقاتلة روسية و8 طائرات عمودية.

الحكومة الأوكرانية استنكرت استهداف القوات الروسية لمستشفيات ورياض أطفال ودور أيتام خلال هجومها الأخير، كما اتهمت وزارة الدفاع روسيا بارتكاب جريمة حرب أخرى ضد السكان المدنيين في أوكرانيا بقصف مبنى سكني مكون من نحو 17 طابقًا.

كييف.. لن نستسلم

"لن نلقي السلاح، سندافع عن دولتنا".. بهذه العبارة ظهر الرئيس الأوكراني (بعيدًا عن مواقفه وتصريحاته الأخيرة المثيرة للجدل) في تسجيل مصور له من أمام مكتبه في العاصمة، مؤكدًا بقاءه في كييف وأنه لم يغادر، مضيفًا "يوم جديد على خط المواجهة الدبلوماسية بمحادثة مع ماكرون وهناك أسلحة ومعدات في طريقها إلينا".

تلميح زيلينسكي إلى قدوم أسلحة من الخارج، الذي يتطابق مع موافقة حكومة التشيك على إرسال ذخيرة وعتاد لأوكرانيا، يتناغم نسبيًا مع ما تناقلته وسائل الإعلام من انتشار كثيف لقوات الجيش الأوكراني في شوارع العاصمة التي خلت تمامًا من المارة المدنيين.

ويتزامن ذلك مع الأنباء التي تشير إلى "قوات رديفة" من أبناء الشعب الأوكراني انضمت للدفاع عن بلادها في مواجهة الغزو الروسي، الأمر الذي يقود في النهاية إلى نتيجة واحدة.. عزم الأوكرانيين على المقاومة وعدم الاستسلام كما تشير بعض المعلومات التي كذبها الرئيس الأوكراني، مؤكدًا "سلاحنا هو الحقيقة. هذه أرضنا، هذه بلادنا، أطفالنا، سندافع عن كل هذا".

وكان الرئيس الأوكراني قد رفض عرضًا أمريكيًا، خلال الساعات الماضية، لمساعدته على المغادرة وإجلائه من بلاده، لتجنب مصير قتله أو وقوعه بيد القوات الروسية، حسبما ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" التي نقلت عن مسؤولين أوكرانيين أن زيلينسكي تعهد بالبقاء مسؤولًا عن حكومته على الرغم من المخاطر الشخصية التي يواجهها.

يحاول الأوكرانيون قدر الإمكان كسب المزيد من الوقت في انتظار وصول الإمدادات الخارجية، الأمر الذي ربما يقلب الطاولة ويعيد ترتيب المعادلة التي تميل الآن لصالح الروس بشكل كبير نظرًا للفروق والإمكانات الهائلة في القدرات العسكرية لجيشي البلدين، وهو ما تتجنبه القوات الروسية التي تكثف من هجماتها لحسم معركة كييف مبكرًا.

الرئيس الأوكراني

الغرب.. عقوبات وأمنيات سعيدة

في الوقت الذي تواصل فيه القوات الروسية تقدمها نحو العاصمة كييف، وبينما يدعو وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا إلى عزل روسيا بالكامل، بما في ذلك فرض حظر على مبيعات النفط الخام الروسي، جاء الموقف الغربي مخيبًا للآمال رغم تلك التطورات الميدانية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتوقع أن يطول أمد الحرب الروسية ضد أوكرانيا، قائلًا: "الحرب عادت إلى أوروبا وستطول" وذلك خلال تصريحات أدلى بها للصحفيين خلال افتتاح المعرض الدولي للزراعة في باريس، صباح اليوم، فيما دعا المفوض الأعلى للسياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، المجتمع الدولي بأسره إلى توحيد الجهود والمساعدة في إنهاء هذا الهجوم الذي وصفه بـ"العدوان العسكري الروسي على أوكرانيا"، وهي التصريحات ذاتها الصادرة عن رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال.

وزير الدفاع البريطاني جيمس هيبي، يرى أن روسيا لم تحقق أهدافها بعد من هجومها على أوكرانيا، منوهًا إلى أن بوتين ومن حوله سيشعرون بالقلق إزاء العقوبات المفروضة عليهم التي سيكون لها تأثيرها في إنهاء تلك الحرب، وتأتي تلك التصريحات بالتزامن مع تصريحات مماثلة عن الاتحاد الأوروبي وأمريكا وكندا باحتمالة استبعاد روسيا من نظام سويفت للمدفوعات العالمية بين البنوك، وهي الخطوة التي لو تم اتخاذها ستعزل روسيا دوليًا، وسط أنباء تشير إلى استبعاد اللجوء إلى هذا الخيار الذي من المتوقع أن يكون له تداعياته على سوق الطاقة في أوروبا التي لم تكن مستعدة بعد لتحملها في الوقت الراهن.

وبينما يخيم الصمت على الأجواء إلا من صوت الرصاص ودوي الانفجارات، هناك سجال من نوع  آخر بين موسكو وبروكسل، حيث حذرت الخارجية الروسية كل من السويد وفنلندا من الانضمام لحلف الناتو، لافتة أن لذلك عواقب عسكرية وسياسية خطيرة تتطلب من روسيا اتخاذ خطوات معينة، في إشارة إلى تكرار السيناريو الأوكراني.

وفي الأخير.. تبقى الساعات القادمة محورية في تحديد مصير العاصمة كييف، في ظل مواصلة التقدم الروسي الذي بات على بعد بضعة كيلومترات من مقر الحكومة، وفي الجهة الأخرى يظل الصمود الأوكراني وقدرة الجيش على التصدي لهذا التقدم عاملًا مهمًا في سيناريو السقوط أو التحرر، فيما تبقى التعزيزات العسكرية الخارجية - إن حدثت بالفعل ولم تكن من باب الحرب النفسية - التي ألمح إليها زيلينسكي، القنبلة التي قد تقلب الطاولة على رأسها.