تواصل معاناة العالقين العرب على الحدود الأوكرانية

تواصل معاناة العالقين العرب على الحدود الأوكرانية

توجه الشاب الجزائري محمد عبد المنعم طالبي إلى أوكرانيا لدراسة ميكانيكا الطيران، علّه يعود إلى بلاده حاصلًا على شهادة جامعية تفتح له فرص التشغيل في بلد ترتفع فيه نسبة البطالة بين الشباب رغم ما تتمتع به من خيرات طبيعية كثيرة.

كان حلم عبد المنعم طالبي الدراسة والتفوق، لكن للحرب كلمتها، فهي لا تُفرق بين مدني وعسكري وبين عدو وطالب علم أتى من بلاد بعيدة للدراسة فقط، سقط طالبي ضحية الحرب فكان أول عربي ضحية للغزو الروسي لأوكرانيا، إذ توفي الشاب الجزائري في مدينة خاركيف شمال شرق أوكرانيا أمس الأحد.

معاناة طالبي لم تنته بوفاته فهي متواصلة، ذلك أن سلطات بلاده لم تحدد بعد طريقة نقل جثمانه إلى أرض الوطن حتى يواري الثرى في أرضه. قصة هذا الشاب الجزائري تسلط الضوء على معاناة الطلبة العرب في أوكرانيا مع بداية الحرب هناك وتلكؤ دولهم في حمايتهم وإجلائهم من هناك.

آلاف العالقين

قلبت الحرب في أوكرانيا حياة آلاف الطلبة العرب المقيمين هناك رأسًا على عقب، إذ يحتمي أغلبهم في الملاجئ، فيما يحاول عدد كبير منهم التوجه نحو الحدود البولندية علهم يستطيعون المغادرة بعد أن تحوّلت البلاد بين عشية وضحاها إلى منطقة حرب حيث شنّت الدبابات والطائرات والسفن الروسية أكبر غزو أوروبي لدولة أخرى منذ الحرب العالمية الثانية.

يشترك الطلبة العرب في معاناتهم مع أوضاع الحرب، لكن تتفاوت درجة المعاناة وتكتسي تعقيدات إضافية عند بعض الجنسيات نظرًا لغياب آليات التواصل بين السلطات الرسمية والطلبة هناك نتيجة عدم وجود ممثلية دبلوماسية كحال التونسيين.

ارتفاع عدد العالقين العرب في أوكرانيا جاء نتيجة أسباب عديدة منها إصرار إدارات الجامعات على عدم السماح لهم بالغياب وارتفاع أسعار تذاكر الطيران بشكل جنوني، وبلغ سعر التذكرة قبل بداية الحرب نحو 1600 يورو من أوكرانيا إلى بعض الدول العربية، كما أن عدد الرحلات الجوية المتوافرة باتجاه الدول العربية قليل جدًا، واختبارات الخلو من كورونا التي تطلبها بعض الدول زادت الأمور تعقيدًا.

يفترش العالقون العرب على الحدود الأوكرانية الأرض، وفيهم عدد كبير ممن لا سيولة له بعد أن فقد كل أمواله في سبيل الوصول إلى الحدود

بعد ذلك تم إغلاق المجال الجوي لأوكرانيا، وبقيت الحدود البرية المنفذ الوحيد للمغادرة وهو أمر صعب أيضًا، في ظل تزايد وتيرة الحرب وعدم وجود ممرات آمنة فضلًا عن الضعف الكبير المسجل في تحركات سلطات الدول العربية في هذا الشأن.

ومع بداية بوادر الحرب أصدرت عدة دول عربية توجيهات لرعاياها المقيمين في أوكرانيا، تلخصت أغلبها في الدعوة إلى البقاء بالمنازل وعدم التنقل إلا للضرورة القصوى لحين هدوء الأوضاع والإجلاء المحتمل، كما فعّلت بعض الدول خلايا أزمة ركزت على إصدار البلاغات دون القيام بتحركات ميدانية.

ويبقى حال الجالية التونسية في أوكرانيا الأصعب على الإطلاق لعدم وجود تواصل مباشر مع الطلبة هناك، فالتونسيون يتواصلون مع السفارة التونسية في موسكو، فهي المسؤولة عن أوكرانيا أيضًا، ما زاد من صعوبة الموقف، ووفق بيانات لجمعية التونسيين المقيمين في أوكرانيا، يقدّر عدد الجالية التونسية هناك بأكثر من 1500 تونسي، بينهم نحو 1000 طالب.

يوجد في أوكرانيا أكثر من عشرة آلاف طالب عربي، يتقدمهم المغاربة ثم الجزائريون، بحسب موقع وزارة التعليم الأوكرانية، ويقصد طلاب من دول عربية عدة أوكرانيا سنويًا لمتابعة تحصيلهم الجامعي، خصوصًا في اختصاص الهندسة والطب والصيدلة، كون أوكرانيا بديلًا أرخص عن الدراسة في أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة الأمريكية.

كما يزداد عدد الطلبة العرب في أوكرانيا نتيجة تسهيل عملية القبول لعدم حاجتهم لأي اختبارات للغة، واقتصار سنوات دراسة الطب على 5 سنوات فقط، مع الالتزام بأعلى معايير الجودة التعليمية وارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض نفقات المعيشة.

برد ونقص في المواد الغذائية

استجاب عدد كبير من العرب لنداءات دولهم بالتوجه نحو الحدود البرية قصد إجلائهم، بعد أن تم التأكيد لهم أن مسؤولين في انتظارهم، منهم من ذهب على أقدامه ومنهم من حالفه الحظ ووصل الحدود عبر الحفلات والمترو، لكن ما إن وصلوا هناك حتى بدأت معاناة جديدة لا تقل خطورة عن القصف الروسي.

تقول إحدى التونسيات العالقات على الحدود الأوكرانية البولندية بحرقة: "إن لم نمت من الحرب سنموت من البرد.. نحن مشردون"، وطالبت سلطات بلادها ضرورة التدخل لإجلائهم وإعادتهم لأرض الوطن خاصة أنه لا بوادر لانتهاء الحرب في الآجال القريبة.

بلغ عدد اللاجئين القادمين من أوكرانيا الذين عبروا إلى بولندا والمجر ورومانيا ومولدوفا ودول أخرى 368 ألف لاجئ

وصلت هذه التونسية إلى الحدود البرية الأوكرانية مع عشرات التونسيين مشيًا على الأقدام لكنهم لم يجدوا سبيلًا للعبور لبولندا في ظل ضعف عمل السلطات التونسية وصعوبة التنسيق معهم وأيضًا ارتفاع عدد النازحين الأوكرانيين القاصدين دول الجوار.

يفترش العالقون العرب على الحدود الأوكرانية الأرض ويلتحفون السماء، وفيهم عدد كبير ممن لا سيولة له بعد أن فقد معظم أمواله في سبيل الوصول إلى الحدود، ما جعلهم يعانون نقصًا في المواد الغذائية، وزادت برودة الطقس من معاناتهم، ما أجبرهم على حرق ملابسهم للتدفئة.

وأعرب عدد كبير من العرب عن سخطهم عبر كتابات ومقاطع مصورة نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وقال بعضهم إنهم يحاولون التواصل مع المسؤولين في بلدانهم لمساعدتهم، إلا أن تفاعل السلطات الرسمية ضعيف للغاية أو شبه منعدم، رغم البلاغات الرسمية التي تؤكد أن السلطات على تواصل مستمر مع الجاليات هناك.

عنصرية تجاه العالقين

في ظل هذه المعاناة الكبيرة وارتفاع عدد العالقين، يقول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي إن تمييزًا يحصل ضد المدنيين أصحاب البشرة السمراء والأقليات القادمين من أوكرانيا للجوء في بولندا، إذ انتشرت فيديوهات تكشف التمييز الممارس ضد العديد من العرب والأفارقة القادمين من أوكرانيا.

تشير هذه الفيديوهات إلى أن حرس الحدود البولندي يقدم خدماته للأوكرانيين كما يقدم لهم الطعام والشراب والملبس، فيما يتم تجاهل بقية العالقين المغتربين من عرب وأفارقة، ويأمر أصحاب البشرة السوداء بالبقاء في مؤخرة الطوابير، وأولوية العبور للأوكرانيين.

بحلول يوم الإثنين، كان مئات الآلاف قد فروا من أوكرانيا إلى البلدان المجاورة منذ بدء الهجوم العسكري في 24 فبراير/شباط الحاليّ، واتجهت الأعداد الأكبر غربًا إلى بولندا، ودخل آخرون المجر ومولدوفا ورومانيا.

بلغ عدد اللاجئين القادمين من أوكرانيا الذين عبروا إلى بولندا والمجر ورومانيا ومولدوفا ودول أخرى 500 ألف لاجئ، ومع تزايد أعداد اللاجئين الفارين من أوكرانيا كل ساعة، من الأهمية بمكان أن تستمر البلدان المستقبلة في الترحيب بجميع الفارين من الصراع وانعدام الأمن - بغض النظر عن الجنسية والعرق - وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وانتشر مؤخرًا تسجيل مصور لشاب مصري عالق على حدود أوكرانيا يقول "إنهم يعاملوننا مثل الحيوانات"، مشيرًا إلى تفضيل الأوكرانيين على باقي العالقين، ما زاد من معاناتهم هناك ويبدو أنها لن تنتهي قريبًا.

بالتوازي مع ذلك، قال رئيس وزراء بلغاريا كيريل بيتكوف، في تصريح متلفز: "اللاجئون الأوكرانيون ليسوا من اللاجئين الذين اعتدناهم، لذلك سنرحب بهم، هؤلاء أوروبيون أذكياء ومتعلمون"، وتابع "لا يملكون ماضيًا غامضًا، كأن يكونون إرهابيين"، في إشارة عنصرية إلى المهاجرين من المنطقة العربية.

كما ظهر التمييز أيضًا في وسائل الإعلام الغربية، إذ تضمنت برامج لقناة BFM الفرنسية اليمينية، خطابًا عنصريًا منذ بداية الغزو الروسي، شمل أوصافًا مثل: "نحن لا نتحدث عن سوريين يهربون من قصف نظامهم المدعوم من بوتين، بل نتحدث عن أوروبيين يقودون سيارات كسياراتنا".

يأمل العالقون العرب في الحدود البرية الأوكرانية في تدخل بلدانهم بأسرع وقت حتى يتمكنوا من الهرب والنجاة بأرواحهم في ظل تواصل الحرب وامتدادها لمناطق أوسع، لكن يبقى التدخل العربي في هذا الشأن دون المأمول كعادته.