يعكس الغزو الروسي لأوكرانيا، في أحد أهم أبعاده، الصراع المستعر منذ سنوات على ساحة البحر الأسود والمواجهة الملتهبة بين موسكو وحلف الناتو داخل هذا الشريان الملاحي الإستراتيجي وأطماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إعادة إحياء ميراث الاتحاد السوفيتي والسيطرة على مجاله الحيوي، وتأمين الوصول بحرية مطلقة إلى المياه الدافئة بالبحر المتوسط.

ولا تطمح موسكو المنخرطة حاليًّا في غزو عسكري تستهدف منه إخضاع جارتها أوكرانيا، في السيطرة على معظم شواطئ وأعماق البحر الأسود وثرواته الهائلة وفي مقدمتها الغاز الطبيعي فحسب؛ بل تستهدف تحويله إلى شبه بحيرة روسية، وصولًا إلى حلمها القائم منذ مئات السنين في السيطرة على مضيقي البوسفور والدردنيل.

وفي مواجهة الغزو الروسي لأوكرانيا وطموحات بوتين في إحياء الإمبراطورية السوفيتية، تبدو تركيا، التي تراقب عن كثب تصاعد خطوات روسيا منذ سنوات لإحكام السيطرة على البحر الأسود، في وضع بالغ الدقة يتهدد معه أمنها الإقليمي ومصالحها الإستراتيجية، في ظل وقوعها فيما يشبه الكماشة الروسية التي باتت تمتد من قاعدة طرطوس بسوريا في شرق المتوسط إلى قاعدة انطلاق أسطول موسكو في شبه جزيرة القرم.

وتأتي مساعي وجهود أنقرة الحثيثة لإيقاف عجلة الحرب في أوكرانيا ورفض الاعتراف بسيادة روسيا على القرم، في إطار محاولة أنقرة كبح جماح الأطماع الروسية المتزايدة في فضاء البحرين الأسود والمتوسط.

في الوقت نفسه فإن شروع تركيا منذ 3 سنوات في بناء أول قاعدة عسكرية بحرية لها في البحر الأسود وتطوير قواتها البحرية والإعلان مؤخرًا عن تدشين أول حاملة طائرات محلية الصنع والإعلان كذلك عن قناة إسطنبول المرتقبة، يأتي في إطار استعداد وتحسب أنقرة لأي مواجهة أو صدام عسكري مع موسكو على ساحة المياه الدافئة. 

موقع البحر الأسود وأهميته

يقع البحر الأسود على مفترق طرق مهم بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، إذ يحتل موقعًا إستراتيجيًا بين جنوب شرق أوروبا، ويمتد إلى روسيا وجورجيا نحو آسيا، وتطل عليه أربع دول أخرى هي: تركيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا، ويرتبط بالمحيط الأطلسي عبر البحر المتوسط، الذي يتصل به عن طريق مضيق البوسفور وبحر مرمرة وبحر إيجه في الركن الجنوبي الغربي للبحر. 

كما يرتبط "البحر الأسود" شرقًا ببحر آزوف عن طريق مضيق كيرتش، وبالإضافة إلى خطوط أنابيب النفط والغاز وكابلات الألياف الضوئية التي تمتد على طول قاع البحر، تمر مئات السفن على السطح حاملةً الأشخاص والبضائع يوميًا.

والبحر الأسود هو حلقة الربط بين أوروبا والشرق الأوسط ويزيد من أهميته لروسيا أنه أحد أهم ممرات سفنها إلى المياه الدافئة ومخرجها الوحيد إلى البحر المتوسط ونقل تجارتها إلى أوروبا، خصوصًا فيما يتعلق بإمدادات النفط والغاز الطبيعي التي يزداد اعتماد دول أوروبا الغربية عليها.

وكان البحر الأسود ذات يوم بحرًا داخليًا للإمبراطورية العثمانية، فأصبح الآن منطقة صدام بين ثلاث إمبراطوريات قديمة جديدة، من روسيا إلى تركيا وانتهاءً بحلف الناتو.

ساحة مواجهة

يعد البحر الأسود خط المواجهة الرئيسي بين روسيا والولايات المتحدة والناتو، فتقترب السفن الحربية التابعة للطرفين من بعضهما بشكلٍ يدعو إلى الخطر، وكان من مظاهر ذلك في يونيو/حزيران 2021 إبحار المدمرة البريطانية "ديفندر" (المُدافِعة) بمحاذاة شاطئ شبه جزيرة القرم، وردَّت موسكو بطلقات تحذيرية وإلقاء القنابل في مسارها.

وفي يوليو/تموز الماضي، قام الناتو بمناورات بحرية، ما دفع موسكو إلى إجراء مناورات لتأكيد وجودها العسكري في المنطقة. تكرر هذا الموقف أكثر من مرة في نوفمبر/تشرين الثاني، عندما أجرى الناتو تدريبات بحرية عسكرية في البحر الأسود، وهو الأمر الذي وصفه الرئيس الروسي بوتين بأنه "استفزاز وتحد خطير".

وفي الفضاء الجوي للبحر الأسود، تقوم الطائرات الأمريكية بطلعات استطلاع وجمع معلومات لمعرفة ما يحدث على الجانب الروسي بشكلٍ دوري، وهو الأمر الذي تتصدى له روسيا على الفور، فتقوم طائرات السوخوي 35، بمواجهة وتعقب الطائرات الأمريكية على مسافات قريبة.

وفيما يحاول الناتو احتواء النفوذ الروسي المتزايد في البحر الأسود، عززت أوكرانيا مسبقًا تعاونها العسكري مع تركيا،  لمنع ما أسمته "سقوط البحر الأسود تحت الهيمنة الروسية والخضوع لأنشطة موسكو المزعزعة للاستقرار".

النفوذ الروسي وحصار الأناضول

يقع البحر الأسود ضمن المنطقة العسكرية الجنوبية الروسية التي تشرف على مسرح عمليات يغطي شمال القوقاز والبحر الأسود وبحر قزوين، وتحت إشرافها نُفذت عدة إجراءات تكشف عن أطماع توسعية لروسيا في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي والبحر الأبيض المتوسط. 

ومنذ الغزو الروسي لجورجيا عام 2008، تحتفظ موسكو بوجود عسكري كبير في منطقة أبخازيا الجورجية (نحو 4000 جندي)، التي تمتد لمئات الأميال من الساحل على البحر الأسود.

وفي عام 2013، أعادت روسيا تخصيص قوة بحرية للعمل في البحر المتوسط بعد سابقة تفكيك الأسطول السوفيتي الخامس المختص بالعمل في البحر المتوسط عام 1992، ثم في عام 2014، اقتطعت موسكو شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وهو ما وفَّر لموسكو قاعدةً بحريةً إستراتيجيةً في سيفاستوبول بالقرم التي تمثل ثاني أهم نقطة في البحر الأسود بعد المضائق التركية، وتتيح لموسكو الانطلاق إلى البحر الأبيض المتوسط عبر مضيقي البوسفور والدردنيل.

وأعقب ضم موسكو للقرم، إنشاء قواعد للطيران الروسي ومحطات للرادار على قمم الجبال لإحكام المراقبة على سفن حلف الناتو، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إنشاء الجيش الثامن بالمنطقة العسكرية الجنوبية للبحر الأسود.

وجاءت الخطوة التالية من خلال التدخل الروسي في سوريا، عام 2015، ليصبح البحر الأسود شريان الحياة اللوجستي للقوات الروسية في سوريا، وأدى التدخل الروسي إلى تقويض فاعلية الدور التركي في سوريا.

من خلال تطويق شبه جزيرة الأناضول، تعارض موسكو إستراتيجية ممر الغاز الجنوبي الأوروبية وتتحدى مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي عبر الأناضول (تاناب)، الذي يتجاوز روسيا لنقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا

وبحلول عام 2017، خصَّصت موسكو معظم السفن الحربية الحديثة التابعة لأسطول البحر الأسود للعمل ضمن قوة أسطول البحر المتوسط، وهو ما عزَّز النفوذ الروسي في تلك المنطقة الحيوية التي تتعارض فيها مصالح أنقرة مع مصالح موسكو في عدة ملفات مثل قبرص وليبيا.

وعند وضع المشهد في القرم وأوكرانيا إلى جوار مشهد الوجود الروسي في منطقة ترانس دنيستر الانفصالية في مولدوفا، والوجود العسكري الروسي في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بعد اعتراف موسكو بانفصالهما عن جورجيا، نجد أن موسكو أصبحت صاحبة النفوذ الأكبر في البحر الأسود، وهو ما يثير المخاوف التركية من طرح موسكو مستقبلًا لمطالب تتعلق بمضيقي البوسفور والدردنيل، وهي مطالب سبق أن أعلنها الاتحاد السوفيتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وتعمل روسيا الآن في مساحة بحرية واسعة، كما تمتلك اتفاقية مع قبرص تسمح للسفن الروسية بالرسو في موانئها، وتفاوض لإنشاء قاعدة عسكرية في مصر وتتدخل في ليبيا، وتسعى تدريجيًا لجعل وجودها في منطقة شرق المتوسط أمرًا واقعًا.

ومن خلال سماح مدينتي سيفاستوبول بالقرم وطرطوس بسوريا، لروسيا بالوصول إلى المياه الإقليمية على جانبي شبه جزيرة الأناضول، فستجد تركيا ذاتها مُحاصرة بالفعل بالقوات البحرية الروسية الضخمة.

ومن خلال تطويق شبه جزيرة الأناضول، تعارض موسكو إستراتيجية ممر الغاز الجنوبي الأوروبية وتتحدى مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي عبر الأناضول (تاناب)، الذي يتجاوز روسيا لنقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا.

إستراتيجية موسكو

يرى مراقبون أن نهج روسيا في التعامل مع البحر الأسود يعتمد على تاريخ طويل من المواجهة مع القوى الكبرى في أوروبا وعلى التنافس الجيوسياسي مع تركيا، وتشمل أهدافها درء أي تهديد من الناتو، سواء للأراضي الروسية نفسها أم معقلها الإستراتيجي في القرم، كما أنها تريد تقويض تماسك الحلف من خلال محاولة تأجيج الانقسامات بين أعضائه على طول البحر الأسود، ومنع أوكرانيا وجورجيا من الانضمام إليه.

وترى موسكو أن منطقة البحر الأسود حيوية لإستراتيجيتها الجغرافية الاقتصادية، لإظهار القوة والنفوذ الروسيَين في البحر المتوسط، وحماية روابطها الاقتصادية والتجارية مع الأسواق الأوروبية الرئيسة، وجعل جنوب أوروبا أكثر اعتمادًا على النفط والغاز من روسيا، كما تدرك روسيا جيدًا احتمالية تدفق التوترات القادمة من الشرق الأوسط إلى الداخل لديها، لا سيما شمال وجنوب القوقاز، وتنظر إلى هذه الكتلة المائية باعتبارها منطقة أمنية عازلة مهمة، وتحميها من التقلبات التي يمكن أن تنبع من الجنوب. 

بسبب الحرب، تضررت المفاوضات المستمرة بشأن المناطق الاقتصادية الحصرية في المنطقة، ولم تثمر مجهودات تركيا للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي

كما تعتمد موسكو على البحر الأسود للوصول إلى المياه الدافئة حيث البحر المتوسط وما وراءه، سواء للعمليات العسكرية خارج جوارها المباشر أم لتصدير السلع الروسية الرئيسة (الهيدروكربونات). 

وترى موسكو أن البحر المتوسط يسيطر عليه الناتو إلى حد كبير، لكنها تأمل في تحديد الفرص لتحقيق تعاون سياسي واقتصادي وعسكري مع الدول الإقليمية الرئيسة، كما فعلت في سوريا. 

صراع الثروات 

تأتي تطورات الغزو الروسي لأكروانيا وتزايد نفوذ موسكو بالتزامن مع الأهمية المتزايدة للبحر الأسود في الإستراتيجية التركية بعد اكتشاف احتياطات ضخمة من الغاز تبلغ 540 مليار متر مكعب، حيث تأمل أنقرة في أن تخفض تلك الاحتياطات من فاتورة استيراد الغاز سنويًّا التي يُرجَّح أن تصل إلى 55 مليار دولار.

وتصل حصة أوكرانيا من احتياطات الغاز في البحر الأسود، إلى تريليوني متر مكعب لكن ثلثي المساحة البحرية التي توجد بها هذه الكميات أصبحت تحت سيطرة الروس منذ ضمهم لشبه جزيرة القرم عام 2014، أما تركيا فيبلغ احتياطي حقل واحد يقع في مياهها إلى 405 مليارات متر مكعب إلى حين الكشف عن حقول أخرى كما يصل احتياطي رومانيا إلى 200 مليار متر مكعب، أما بلغاريا فيصل الاحتياطي إلى 100 مليار متر مكعب.

شروع الحكومة التركية في بناء قناة إسطنبول بموازة مضيقي البوسفور والدردنيل، فضلًا عن تحقيقه لفوائد اقتصادية جمة، يمثل مناورةً إستراتيجيةً للتغلب على قيود اتفاقية مونترو

ويعد الغاز الأوكراني الذي سيطرت عليه روسيا باحتلال شبه جزيرة القرم، من عوامل اشتعال الأزمة الحاليّة، إذ يحاول الروس تعزيز نفوذهم العسكري والاقتصادي في القرم وتعزيز استغلال تلك الثروات.

وبسبب الحرب، تضررت المفاوضات المستمرة بشأن المناطق الاقتصادية الحصرية في المنطقة، ولم تثمر مجهودات تركيا للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، فقد أدى التدخل الروسي في البحر الأسود إلى تعقيد الأمور لتركيا، فروسيا تعتبر عمليات التنقيب التي تجريها شركة إكسون - شيفرون من ساحل البحر الأسود بتركيا إمبريالية غربية. 

ومن المحتمل أن يكون غزو شبه جزيرة القرم أبرز تحذير روسي تجاه تلك العمليات حتى الآن، إذ تتعرض عمليات شركات أكسون وشيفرون وشل في البحر الأسود لمأزق قانوني. 

وكانت الشركات الثلاثة قد وقعت على اتفاقيات للتنقيب والحفر بطول الساحل الأوكراني قبل ضم شبه جزيرة القرم لروسيا، والآن في ظل وجود القوات البحرية الروسية المتضخم في البحر الأسود، أصبحت تلك الاتفاقيات محلًا للشك.

مواجهة تركيا للنفوذ الروسي 

سعت تركيا بعد نهاية الحرب الباردة للتعامل مع الدول المطلَّة على ساحل البحر الأسود ضمن مساحات التعاون الاقتصادي وتدابير بناء الثقة دون النظر للبحر الأسود باعتباره يحتوي تهديدًا ملموسًا، لكن تغير التصور التركي للتهديدات خلال السنوات الأخيرة مع توسيع موسكو لنفوذها في البحر الأسود بخطوات متدرجة وعنيفة.

ومع إدارك أنقرة لتصاعد وخطورة النفوذ الروسي في البحر الأسود وشرق المتوسط، وتهديده أمنها ومصالحها الإستراتيجية، دعمت تركيا تعاونها العسكري مع أوكرانيا، كما حاولت احتواء الدور الروسي عبر توثيق العلاقات بين أنقرة وموسكو في عدة مجالات رغم التصارع والخلافات في العديد من الملفات.

وفي هذا الإطار رفضت تركيا الاعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وأكدت احترامها لوحدة الأراضي الأوكرانية وإدانتها للغزو الروسي، ما يعني رفضها للتمدد الروسي في البحر الأسود، داعية للوقف الفوري للعمليات العسكرية وإنهاء الحرب.

ومع تكرار مناوراتها البحرية مع حلف الناتو، عمدت تركيا إلى تطوير قواتها البحرية وتحديثها، وفي هذا الإطار بدأت في عام 2018 في بناء أول قاعدة عسكرية بحرية تركية على مياه البحر الأسود، كما دشنت أول حاملة طائرات محلية الصنع.

كما أن شروع الحكومة التركية في بناء قناة إسطنبول بموازة مضيقي البوسفور والدردنيل، فضلًا عن تحقيقه لفوائد اقتصادية جمة، يمثل مناورةً إستراتيجيةً للتغلب على قيود اتفاقية مونترو التي تنص على حرية الملاحة في البحر الأسود وتضع  اشتراطات على مرور السفن الحربية، ويثير مخاوف موسكو من عبور سفن واشنطن والناتو إلى البحر الأسود.

وأخيرًا يتوقف على نتائج مآلات الحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية، مصير ومستقبل البحر الأسود.. فهل تنجح تركيا في كبح جماح مطامع بوتين وإطفاء نيران الحرب، تمهيدًا لتقاسم واستغلال ثروات ذلك الشريان الملاحي الإستراتيجي أم تزداد شهية الدب الروسي فيلتهم البحر وما وراءه؟