أوضاع إنسانية تزداد سوءً في أوكرانيا جراء الحرب الروسية

تخيم حالة التأهب القصوى على أجواء الحرب الروسية الأوكرانية لليوم الخامس عشر على التوالي، في ظل التقدم الروسي الملحوظ إزاء بعض المناطق من الجهات الثلاثة (الجنوب والشرق والشمال) في مقابل مقاومة شرسة من الأوكرانيين، وسط مخاوف من المراقبين بشأن تطورات المشهد الإنساني إثر التصعيد الأخير الذي اقترب كثيرًا من الخطوط الحمراء.

تأتي تلك التطورات متزامنة مع موجات تصعيد متبادل بين الطرفين، أبرزها القرار الأمريكي بحظر النفط الروسي وهو القرار الذي أثار حالة من الارتباك لدى موسكو وعواصم أوروبا معًا، والحديث عن دراسة أمريكا لنشر بطاريات صواريخ باتريوت في بولندا التي اقترحت نقل طائراتها المقاتلة إلى ألمانيا لتكون تحت تصرف البنتاغون، ما يشير إلى وجود ترتيبات لشيء ما بشأن ميدان المواجهة.

إصرار أمريكي على التصعيد ضد روسيا، سواء بالتنسيق مع الحلفاء أم بقرار أحادي، في مقابل تحفظ أوروبي يستند إلى البرغماتية البحتة، وتوعد انتقامي من موسكو بتصعيد متبادل ردًا على موقف الغرب، كل هذا يجعل الساحة الأوكرانية متأهبةً لكثير من الاحتمالات بعدما فرضت أجواء الحرب الشاملة نفسها على المشهد رغم الجهود الدبلوماسية المبذولة من بعض الدول كتركيا لامتصاص حالة الغضب وتهدئة الأجواء ولو من الأبواب الإنسانية مؤقتًا قبل تفاقم الوضع أكثر مما هو عليه الآن.

التقدم نحو كييف

تشير التقارير الميدانية القادمة من أوكرانيا إلى تقدم القوات الروسية باتجاه كييف، حيث التقطت صورًا لرتل يضم مئات العربات والعتاد على بعد بضعة كيلومترات من شمال شرق العاصمة، كما تدور مناوشات أخرى على الحدود بين القوات الروسية المتمركزة هناك ونظيرتها الأوكرانية، فيما طالب حاكم منطقة كييف، أوليكسي كوليبا، سكان المدينة بالذهاب إلى الملاجئ فورًا، لافتًا إلى أن المنطقة باتت في حالة تأهب جوي ترقبًا لشن هجوم صاروخي.

وهناك رتل آخر على بعد 150 كيلومترًا من كييف، لكنه بحسب التقارير "متوقف في تشيرنيهيف"، فيما هناك ثالث قادم من المناطق الشمالية الشرقية، في محاولة لتطويق العاصمة من خلال كماشة من الاتجاهات كافة، لكن حتى الساعة نجحت المقاومة في تكبيد الروس خسائر فادحة حالت دون سيطرتهم على المناطق الحيوية رغم التجييش المستمر قرابة أسبوعين كاملين.

وتسعى موسكو قدر المستطاع لإسقاط العاصمة في أسرع وقت، تجنبًا لنزيف الخسائر المتواصلة، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، كلما طال أمد المواجهات في ظل استمرار الدعم الغربي للأوكرانيين وهو ما يصعب المهمة أمام الروس، ما قد ينعكس على معدلات الأداء العام ويزيد من حالة الإحباط التي تخيم على الجنود جراء الفشل في حسم تلك المعركة.

اتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، واشنطن بإنتاج أسلحة بيولوجية في أوكرانيا، داعية خلال مؤتمر صحفي لها، إدارة بايدن بإطلاع المجتمع الدولي على تفاصيل مشروعاتها البيولوجية داخل الأراضي الأوكرانية

هجوم من الجهات كافة

ميدانيًا.. تكثف القوات الروسية هجماتها على المسارات الثلاث، شرقًا وجنوبًا وشمالًا، وسط اقتتال دام مع الأوكرانيين، بحسب الخرائط اليومية التي ينشرها معهد دراسات الحروب التابع لوزارة الدفاع البريطانية، فمن الشرق، شهدت خاركييف قصفًا جويًا كثيفًا خلال الساعات الماضية فيما تعرضت أحياء بأكملها لاستهداف مدفعي يرتقي وفق بعض المصادر لـ"جرائم حرب".

وقد نجحت المقاومة الأوكرانية، الجيش وقواته الرديفة، في الدفاع عن المدينة بشكل أثار حفيظة القوات الروسية التي لم تتوقف عن قصفها على مدار اليومين الماضيين دون تفرقة بين المدني والعسكري، وإجبار الروس على التراجع إلى الحدود شمال غرب خاركييف.

ومن الجنوب تواصل القوات الروسية محاصرتها لمدينة ماريوبول الساحلية، ورغم مساعي التهدئة الإنسانية ومحاولات إجلاء المدنيين من المدينة، فإن القصف الروسي لم يتوقف، فيما تفيد تقارير بأن الأوضاع الإنسانية هناك صعبة للغاية، بعد انقطاع المياه والكهرباء، وامتلاء الشوارع بجثث القتلى من الجانبين، وهو الموقف ذاته في مدينة ميكولايف التي تشهد على مدار الساعات الماضية حرائق في أحياء سكنية بأكملها.

وتحاول قوات بوتين فرض سيطرتها الكاملة على ميكولايف، لفتح الطريق أمامها إلى ميدان أوديسا الذي يرى خبراء أنه لو سقط في أيدي الروس سيكون انتصارًا لوجستيًا مهمًا، إذ سيحرم أوكرانيا من خط ساحلي إستراتيجي، ويمهد الطريق بعدها بسهولة للقوات القادمة من مولدوفا ودونيستك شرقًا.

ومن الشمال حققت القوات الروسية نجاحات ميدانية على أكثر من مسار على الشريط الحدودي الملاصق لبيلاروسيا صوب الضفة الغربية لنهر دنيبر مرورًا بتشرنوبل، كما شهدت المناطق المحيطة بمطار غوستوميل قتالًا عنيفًا بين الطرفين، في محاولة روسية لتضييق الخناق على العاصمة كييف.

خريطة أوكرانيا
خريطة التمدد الروسي داخل أوكرانيا (المصدر: وزارة الدفاع البريطانية)

المنشآت النووية.. اتهامات متبادلة

حالة من القلق تخيم على الجميع بشأن التلويح بورقة السلاح النووي الذي كشفت موسكو النقاب عنه قبل يومين، فيما أعربت الخارجية الأمريكية على لسان وكيلة الوزارة، فيكتوريا نولاند، عن قلقها من سعي القوات الروسية للسيطرة على المنشآت النووية الأوكرانية، لا سيما أن بينها مواد الأبحاث البيولوجية.

كما أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عبر مديرها العام رافائيل غروسي، توقف إرسال البيانات عبر أنظمة مراقبة المواد النووية في تشيرنوبيل، القريبة من العاصمة والخاضعة حاليًّا لسيطرة القوات الروسية، كما لا يزال هناك أكثر من 200 من الفنيين والحراس عالقين في الموقع، يعملون طيلة الـ13 يومًا الماضية على إصلاح هذا العطل تحت رقابة القوات الروسية.

وقد سيطر الروس على محطة زابوريجيا للطاقة النووية في جنوب شرق أوكرانيا، في 4 مارس/آذار الحاليّ، فيما اندلع حريق هائل بالمحطة أرجعته كييف لقصف روسي، ونفت موسكو أي علاقة لها بهذا الحريق، وتعد زابوريجيا أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا، وهناك مخاوف من توظيفها لخدمة التمدد الروسي ميدانيًا في مواجهة الدعم اللوجستي الغربي المستمر للأوكرانيين.

وفي الجهة المقابلة اتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، واشنطن بإنتاج أسلحة بيولوجية في أوكرانيا، داعية خلال مؤتمر صحفي لها، إدارة بايدن بإطلاع المجتمع الدولي على تفاصيل مشروعاتها البيولوجية داخل الأراضي الأوكرانية، مؤكدة أن أمريكا مستمرة حتى اليوم في إجراء الاختبارات على الأسلحة البيولوجية والجرثومية بالقرب من الحدود الروسية.

عدم موافقة دول أوروبا على القرار الأمريكي يشير إلى أحادية هذه الخطوة من الجانب الأمريكي رغم حديث بايدن عن التنسيق مع الحلفاء، ما يعكس نسبيًا شروخات داخل جدار التحالف الغربي التي تصب بطبيعة الحال في صالح موسكو

تباين في الموقف الغربي

الساعات الماضية شهدت ارتباكًا واضحًا لدى التحالف الغربي على أكثر من مسار، ما يشير إلى غياب التنسيق وتباين الرؤى حيال القرارات والمواقف التي يتم إعلانها، لعل أبرزها إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن فرض حظر أمريكي على واردات الطاقة الروسية بما يشمل النفط والغاز، مضيفًا في خطاب له من البيت الأبيض "هذه خطوة نتخذها لإلحاق مزيد من الألم ببوتين".

وقد أعلنت بريطانيا عن موقف مشابه قبيل القرار الأمريكي، إذ فرضت بعض القيود على شراء واردات النفط الروسية قبل حديث بايدن، لافتة إلى أنها ستوقف واردات البلاد تدريجيًا بحلول نهاية العام، بينما جاءت ردود فعل بقية الدول الأوروبية عكس عقارب الساعة.

القرار قوبل بتحفظ ورفض من بعض دول الاتحاد الأوروبي لما ينطوي عليه من تداعيات كارثية على اقتصادها الوطني واحتياجاتها من الطاقة التي تعتمد على الإمدادات الروسية بنسبة تتجاوز 40%، مقارنة بـ10% على الجانب الأمريكي، وعلى رأس الدول المعارضة جاءت ألمانيا وفرنسا، حيث اعتبرتا هذه الخطوة سابقة لأوانها في ظل عدم توفير البديل المناسب.

من جانبه استبعد المستشار الألماني أولاف شولتس فرض مثل هذه القيود في الفترة الحاليّة، قائلًا: "الواردات الروسية ذات أهمية جوهرية للاقتصاد الأوروبي"، مضيفًا في بيان له "إمدادات الطاقة في أوروبا، المطلوبة للتدفئة والنقل والكهرباء والصناعة، لا يمكن تأمينها حاليًّا بأي طريقة أخرى"، منوهًا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التحول عن روسيا بين ليلة وضحاها.

عدم موافقة دول أوروبا على القرار الأمريكي يشير إلى أحادية هذه الخطوة من الجانب الأمريكي رغم حديث بايدن عن التنسيق مع الحلفاء، وهو ما يتوقع أن ينعكس على جدوى هذا التحرك وإمكانية تحقيقه للأهداف المنشودة منه، ما يعكس نسبيًا شروخات داخل جدار التحالف الغربي التي تصب بطبيعة الحال في صالح موسكو.

وفي السياق ذاته رفض البنتاغون العرض الذي قدمته بولندا لتسليم مقاتلات ميغ-29 إلى قاعدة جوية أمريكية في ألمانيا بهدف وضعها تحت تصرف الأمريكان لإرسالها إلى أوكرانيا لدعم المقاومة هناك، لافتًا في بيان للمتحدث باسم الوزارة، جون كيربي "سنواصل التشاور مع بولندا ومع حلفائنا الآخرين في حلف شمال الأطلسي بشأن هذه المسألة وما تطرحه من تحديات وصعوبات لوجستية، لكنّنا لا نعتقد أن مقترح بولندا قابل للتطبيق".

كيربي اعتبر أن وضع مقاتلات بولندية تحت تصرف بلاده وانطلاقها من قاعدة تابعة لقوات حلف الناتو وتحليقها في مجال جوي متنازع عليه مع روسيا (في إشارة إلى أوكرانيا) "يثير قلقًا جدّيًا لدى حلف شمال الأطلسي بأسره"، فيما قالت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي فيكتوريا نولاند: "على حدّ علمي، لم يتشاوروا معنا مسبقًا"، وتابعت "أعتقد أنه إعلان مفاجئ من البولنديين".

إنسانيًا.. الوضع يزداد سوءًا

بدأ صباح اليوم سريان قرار وقف إطلاق النار المؤقت الذي اتخذته وزارة الدفاع الروسية لإجلاء المدنيين من خمس مدن رئيسية هي: كييف وخاركيف وتشرنيهيف وسومي وماريوبول، اعتبارًا من الساعة 10:00 بتوقيت موسكو، فيما قالت نائبة رئيس الوزراء الأوكرانية إيرينا فيريشوك، إنّ السلطات ستعمل عبر ستة ممرات إنسانية لنقل المدنيين.

رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بيتر ماورير، أعرب عن أمله في أن يتحسن وضع ممرات إجلاء المدنيين من المدن الأوكرانية التي تعاني من القصف الروسي، بصورة أفضل مما كانت عليه في المرات السابقة التي فشلت نتيجة معاودة القصف من الطرفين لا سيما أن الوحدات العسكرية للجيشين الروسي والأوكراني متمركزة في مواقع متقاربة، ما يجعل الصدام ممكنًا في أي وقت.

وفي تقرير لها أشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى زيادة أعداد الجرحى والمصابين وتدفقهم بغزارة على المستشفيات الأوكرانية جراء عمليات القصف الروسي العشوائية، لافتة إلى استهداف روسي ممنهج للمستشفيات والمراكز الصحية، ما أسفر عن تدمير قرابة 34 منشأةً طبيةً وقتل 10 أطباء، وقصف 7 سيارات إسعاف ومقتل 4 من فنيي الطوارئ، بحسب إفادة وزارة الصحة الأوكرانية.

وتتصاعد التحذيرات مع زيادة أعداد اللاجئين إلى دول أوروبا والمناطق المجاورة، إذ تجاوزت حاجز المليوني لاجئ، ويتوقع أن يتضاعف هذا الرقم مع تكثيف القوات الروسية لقصفها للأحياء السكنية وأماكن الإيواء، في محاولة لفرض كماشة على المدن الرئيسية وإخلائها من سكانها تمهيدًا لاجتياحها.

جهود دبلوماسية موازية

في تصريح قد يفهم منه الميل نحو التهدئة، رغم نبرته الصدامية، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فيديو بثه على حسابات الرئاسة على تليغرام، بالأمس، أن بلاده لم تعد مهتمة بالانضمام لحلف الناتو، بدعوى أن الحلف يخشى المواجهة مع روسيا ويغض الطرف عن جرائمها بحق المدنيين.

وبالتوازي مع الحرب المستعرة ميدانيًا من المتوقع أن يتوجه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى تركيا، اليوم الأربعاء، حيث سيجري محادثات مع نظيريه التركي مولود تشاووش أوغلو، والأوكراني دميترو كوليبا، في جولة مباحثات جديدة تضاف إلى جولتي بيلاروسيا اللتين لم تسفرا عن تقدم إيجابي لخفض التوتر.

وتسعى أنقرة عبر جهود الوساطة عن طريق الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته لتقريب وجهات النظر بين طرفي الصراع، بين موسكو من جانب وكييف وواشنطن من جانب آخر، في محاولة لتبريد الأجواء قبل تجاوز الخطوط الحمراء، لا سيما بعد الهزة التي شهدها سوق الطاقة العالمي منذ اندلاع الحرب التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي برمته.

وفي الأخير لا تزال القوات الروسية تسابق الزمن لتوسيع نفوذها ميدانيًا عبر السيطرة على المزيد من الأراضي الأوكرانية فيما تتجه قبلتها الرئيسية نحو كييف، مع استمرار الدعم الغربي للأوكرانيين، سياسيًا وعسكريًا، وبين هذا وذاك تدخل الهدنة الإنسانية حيز التنفيذ على أمل أن تسفر الجهود الدبلوماسية عن أي جديد يبرد الأجواء نسبيًا في ظل عناد كل من موسكو وواشنطن الذي قد يوصل الأزمة إلى طريق مسدود.