لم يعد غريبًا على السوريين السماع بدعوات التجنيد للقتال في مناطق الحروب والنزاعات، رغم عدم تقبل البعض لهذه الحقيقة، فمنذ سنوات باتت الأطراف الموجودة في سوريا تجنّد مواطنين للقتال بالنيابة عنها في المعارك القائمة بدول أخرى، مثل ليبيا وأذربيجان، مستغلين ظروف هؤلاء الشباب القاسية وحاجتهم الماسة للمال، إضافة إلى رغبتها في التخفيف من خسائر جيشها وتعويضها بأرواح المقاتلين السوريين.

ولعل روسيا كانت في صدارة الدول التي استخدمت شباب سوريين كمرتزقة في حروبها، حيث وجدت في سوريا سوقًا لا بأس به ولا سيما أن عمليات التدريب والتجنيد تجري تحت إشراف وتسهيلات من النظام السوري الذي يعمل بكافة الوسائل لإرضاء روسيا التي كانت سببًا أساسيًا في تثبيت الأسد.

أعادت الحرب الروسية الأوكرانية هذه الأيام، رغبة موسكو في استخدام السوريين للقتال في أوكرانيا، إذ يعمل المسؤولون الروس على استقدام الشبان السوريين من مختلف المحافظات للزج بهم في المعارك مقابل بدل مادي،، لكن هذه هي المرة الأولى التي سيقاتل بها هؤلاء المرتزقة إلى جانب الجيش الروسي بعد أن كانوا يقاتلون بالنيابة عنه في بلدان أخرى.

ووفقًا للتقارير فإن 23,000 ألف مقاتل سوري سيصلون إلى القواعد الروسية المتواجدة في أوكرانيا للقتال إلى جانب 190 ألف جندي روسي كانت قد حشدتهم موسكو قبل أسابيع من الحرب على حدودها مع أوكرانيا.

الموت على جبهات أجنبية

بدأت حكاية تجنيد السوريين خلال الحرب الليبية عام 2020 بين حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا وقوات جيش خليفة حفتر الذي أراد السيطرة على العاصمة طرابلس، عندها احتشدت القوات وبدأت المعارك، وبالتوازي مع ذلك احتشدت المواقف الدولية من أجل المعركة، أثبتت تركيا وروسيا حضورهما في هذه المعركة، حيث جلب البلدان السوريين للقتال بالنيابة عن جنودهم في المعارك المحتدمة، وبحكم الدعم الروسي لخليفة حفتر فقد عملت موسكو على مد حفتر بالأسلحة، بالإضافة إلى إرسال مرتزقة فاغنر ومقاتلين سوريين للمشاركة في العمليات العسكرية.

وعلى الرغم من انتهاء المعارك في ليبيا والبدء بجولات الحل السياسي للأزمة، إلا أن روسيا ما زالت تجنّد شبانًا سوريين للذهاب إلى ليبيا، وتذكر التقارير أن الشركات الأمنية الروسية المختصة بحملات التجنيد قد خفضت من البدل المالي للمهمات التي يخوضها السوري في ليبيا من 2000 دولار إلى 700 دولار. جدير بالذكر أنه في نهاية 2021 نقلت القوات الروسية 300 مقاتل سوري على دفعتين إلى الأراضي الليبية، عبر قاعدة حميميم في اللاذقية، لحماية منشآت تسيطر عليها موسكو هناك.

لم تقتصر عمليات التجنيد الروسية للسوريين في ليبيا فقط، إنما أرسلتهم إلى فنزويلا بعد أن جدت فيهم أداة جيدة لحماية مصالحها هناك حيث تعيش فنزويلا حالة صراع سياسي بين رئيسها "نيكولاس مادورو" المدعوم روسيًا وصينيًا ومعارضته بقيادة "خوان غوايدو" الذي يحظى بدعم أمريكي، بعد اتهامات بتزوير الانتخابات التي فاز فيها "مادورو" بدورة رئاسية ثانية في 2018.

أما عن سبب الذهاب إلى فنزويلا، فإنه يتم شحن المقاتلين السوريين إلى مناطق الصراع بين  فنزويلا وروسيا من جهة، وبين المافيا العالمية الكولومبية والفنزويلية التي تحاول السيطرة على منابع الذهب. بالإضافة إلى المساهمة في القتال في حال اندلعت حرب بين نظام الرئيس مادورو والمعارضة التي تحاول الاستيلاء على السلطة منذ زمن بعيد، ويقدّر عدد السوريين الذين ذهبوا إلى فنزويلا بالآلاف مقابل رواتب شهرية تصل إلى 4000 دولار.

وذلك حتى بدأت الحرب الأذربيجانية الأرمينية عام 2020، حيث جندت روسيا مقاتلين سوريين للمشاركة بصفوف القوات الأرمينية لمواجهة القوات الأذرية، وقدمت آنذاك روسيا عروضًا برواتب شهرية قيمتها 1500 دولار، كما أعطت تعويضات لأسر الذي قتلوا بالمعارك، وهو الأمر الذي جعل المئات من السوريين يلتحقون بتلك المعارك بعد إجراء معسكر تدريبي بإشراف الضباط الروس.

الوجهة الحالية إلى أوكرانيا

بدأت روسيا منذ الأيام الأولى للحرب بتجنيد المئات من السوريين للزج بهم في معاركها ضد الشعب الأوكراني، وكان أول من أعلن عن ذلك موقع "صوت العاصمة" السوري، حيث أورد الموقع بعد يومين فقط من بدء الحرب أن روسيا "بدأت بعملية تجنيد المزيد من المرتزقة في عدّة محافظات سوريا، تمهيداً لنقلهم إلى القواعد الروسية في أوكرانيا".

وكما المرات السابقة عمل المندوبون المرتبطون بروسيا، والعاملون على تجنيد "المرتزقة" للقتال في ليبيا وفنزويلا، على تجهيز قوائم بأسماء الراغبين بالقتال إلى جانب القوات الروسية، وتركّزت عمليات تنسيق القوائم في مدن الساحل السوري ومحافظتي درعا والسويداء، إضافة إلى عناصر التسويات في ريف دمشق. وبالنسبة للعقود التي تجرى فإن شروط التجنيد تتضمن إرسال المقاتلين إلى نقاط متقدمة ضمن القواعد العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا.

تضمنت عروض التجنيد، دفع راتب شهري قيمته 2000 دولار أمريكي للمجندين، و5 آلاف دولار لذوي القتلى، ومبلغ يتراوح بين 20 إلى 500 دولار أمريكي كتعويض للمصابين. كل ذلك يأتي بعد زيارة أجراها وزير الدفاع الروسي إلى قاعدة بلاده في محافظة اللاذقية السورية، والتقى خلالها برئيس النظام السوري بشار الأسد، وذلك قبل انطلاقة الحرب بأسبوع، في حين تذكر مواقع سورية أن باب التجنيد إلى أوكرانيا فتح منتصف العام المنصرم.

وفقًا لموقع "درعا 24"، فإن روسيا بدأت بشكل فعلي تجنيد عناصر من الفيلق الرابع والخامس وعناصر تابعين لقوات سهيل الحسن في جيش النظام السوري أواخر يناير/ كانون الأول الماضي، ودربتهم في قاعدة التيفور الجوية العسكرية استعدادًا لإرسالهم إلى منطقة الدونباس التي يجري القتال حولها هذه الأيام، ووفقًا للتقديرات الأولية فإن الدفعات الأولى تضم 2500 عنصرًا إلى 4000 عنصر.

ألا تستطيع روسيا القتال وحدها؟

السبب الأول: الخبرة التي اكتسبها المقاتلون السوريون طوال السنوات الماضية في حروب الشوارع والمدن، وهي الحروب التي لم يخضها الجنود الروس منذ زمن بعيد، بينما في سوريا استمر هذا النوع من الحروب لسنوات، كما حصل في مدن حلب وحمص وريف دمشق، وتبرز هذه الخبرة كدافع أساسي لجلب المقاتلين السوريين.

السبب الثاني: منذ أن بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا تكبدت روسيا خسائر كبيرة لم تكن تتوقعها، وإن صدقت الإحصائيات الأوكرانية لقتلى الجيش الروسي فإن ذلك سيكون خسارة كبيرة في الأسابيع الأولى من الحرب فقط، حيث أعلنت كييف أن أكثر من 10,000 جندي قتلوا خلال المعارك، لكن روسيا لم تعترف سوى بـ 500، أما التقديرات الاستخباراتية الأمريكية قدرت عدد قتلى الروس بين 2000 إلى 4000.

دفعت هذه الأرقام المؤلمة موسكو إلى استجلاب المرتزقة ودفعهم إلى الصفوف الأمامية لكي تخفف من أعداد الضحايا الروس قدر الإمكان، خاصة أن معارك المدن تحتاج إلى نفس ووقت طويل وتكون كلفتها أكبر بشريًا وماديًا.

السبب الثالث: إن استجلاب المرتزقة سيحد من وقوع ضحايا من صفوف الجيش الروسي، وبالتالي ستقل نفقات التعويضات والنفقات النقدية التي تقتطع لأسرة الجندي بعد مقتله، أما كلفة المرتزقة تعد أقل تكلفة من مصاريف أفراد الجيش النظامي. فالجنود يتقاضون رواتب ومعاشات تقاعدية تستمر مدى الحياة، في حين أن الجندي المرتزق يعمل بموجب عقود محددة بزمن معين وراتب قد يصل إلى 4000 دولار.

صارت سوريا اليوم مكانًا دسمًا لتجنيد الشبان وإرسالهم إلى معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، في حالة بشعة من الاستغلال المالي لأوضاعهم المعيشية والاجتماعية المتدهورة عامًا بعد عام، في ظل تعنت نظام الأسد على السيطرة على الحكم.