لا غرابة أن تستقبل الإمارات رأس النظام السوري بشار الأسد على أراضيها ويجلس في ضيافة أمرائها، فلها سابقة الاحتفاء بالمسؤولين الإسرائيليين، وطغاة آخرين كخليفة حفتر المتهم بجرائم الحرب في ليبيا، وأصبح معلومًا للجميع كيف يعبث حكام الإمارات بمصير المنطقة وكيف أنهم قادوا الثورات المضادة ضد شعوب الربيع العربي.

قادت أبو ظبي خلال الشهور الماضية حراكًا واسعًا عربيًا وعالميًا للدفع بقطار التطبيع مع بشار الأسد ونظامه، وبرز ذلك من خلال الزيارات المتبادلة والدعم الاقتصادي الإماراتي للنظام، عدا عن ذلك فإن أبو ظبي اليوم تلعب دور المخلّص لهذا النظام من العزلة الدولية التي تحاصره منذ 11 عامًا بدفع من روسيا التي تغرق هي بدورها الآن بأزمة خانقة نتيجة العقوبات الغربية عليها، وبذلك ينسى آل زايد أو يتناسون أنهم في يوم من الأيام أدانوا الأسد في المحافل الدولية لأنه يقتل الأطفال والنساء.

وهنا نستذكر ما قاله وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، عام 2012، حين تساءل: "هل العقوبات ستغير من مسلك هذا النظام؟ لا أعتقد"، وأضاف حينها "لا أعرف كم من أخوتنا في سوريا سيموتون وإلى متى سنعطي هذا النظام الحجة علينا أنه يستطيع أن يضحك على المجتمع الدولي، وهل هناك لحظة سنصل إليها نحن كمجتمع دولي ونقول كفى قتلًا كفى تعذيبًا كفى مجازر، وكفى علينا المشاهدة"، لكن الحال تبدلت والسياسات تغيرت وبات القاتل شريكًا وصديقًا، وبقيت الأسئلة التي طرحها ابن زايد في مؤتمر باريس بلا أجوبة.

زيارة بذكرى الثورة

وفي زيارة غير معلنة وخالية من البروتوكولات، وصل رئيس النظام السوري يوم أمس الجمعة، إلى دولة الإمارات، والتقى خلالها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، في أول زيارة للأسد إلى دولة عربية منذ 2011، ويأتي ذهاب الأسد إلى أبو ظبي في الوقت الذي يحيي فيه السوريون ذكرى انتفاضتهم على حكم عائلة الأسد التي شن بعدها زائر الإمارات حربًا شعواء خلفت مئات آلاف الضحايا والمعتقلين وملايين المهجرين والمشردين.

ورأى بعض السوريين في توقيت الزيارة، احتفال بذكرى الثورة السورية، ويقول باسل حفار مدير مركز إدراك للدراسات: "يبدو أنّ الثوار ليسوا وحدهم من يحتفل بذكرى الثورة ويوصل الرسائل، لكن النظام أيضًا يحتفل على طريقته".

كما اعتبر الباحث والكاتب السوري أحمد أبازيد أن الأسد "تقصّد أن يزور الإمارات في ذكرى الثورة السورية، الأسد المسكون بالحقد والانتقام والرمزيات لم ينس حتى الآن لحظة انتفاضة درعا يوم 18 مارس/آذار 2011".

محمد بن زايد، حاكم الإمارات الفعلي، أشار إلى أن زيارة الأسد "تأتي في إطار الحرص المشترك على مواصلة التشاور والتنسيق بين الجانبين بشأن مختلف القضايا"، وأضاف ابن زايد "سوريا تعد ركيزةً أساسيةً من ركائز الأمن العربي، لذلك فإنَّ موقف الإمارات ثابتٌ في دعمها لوحدة أراضي سوريا واستقرارها"، وبحسب ما نقلت وسائل الإعلام الإماراتية فقد "بحث الجانبان العلاقات الأخوية والتعاون والتنسيق المشترك بين البلدين الشقيقين بما يحقق مصالحهما المتبادلة ويسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار والسلم في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط".

لا بد من التساؤل هنا: كيف يمكن بحث تحقيق السلم في المنطقة مع بشار الأسد الذي كان أكبر تهديد للسلم الأهلي في بلاده ولطالما لعب على الوتر الطائفي وهجر سكان المناطق الثائرة ضده وأحلّ بدلًا عنهم مجموعات شيعية إيرانية ولبنانية وأفغانية وغير ذلك، ثم نسأل كيف يمكن بحث الأمن والاستقرار في المنطقة مع متزعم تجارة المخدرات في منطقة الشرق الأوسط؟

والوصف هنا لصحيفة "لوموند" الفرنسية التي قالت: "بشار الأسد طوّر الإنتاج الصناعي لمخدر الكبتاغون في سوريا، من أجل الالتفاف على العقوبات الدولية وترسيخ شبكات الولاء له، وأصبح ثنيه عن متابعة أو حتى تحجيم مثل هذه التجارة المربحة أمرًا غاية في الصعوبة".

كما استقبل حاكم دبي، محمد بن راشد آل مكتوم، بشار الأسد وقال: "الزيارة تأتي في إطار العلاقات الأخوية بين الجانبين"، وأضاف بيان للطرفين أن اللقاء "تناول مجمل العلاقات بين الجانبين وآفاق توسيع دائرة التعاون الثنائي لا سيما على الصعيد الاقتصادي والاستثماري والتجاري".

استقبال غير رسمي

تجدر الإشارة أيضًا، إلى أن استقبال الأسد في الإمارات لم يتم مثلما كانت تتم مراسم استقبال الرؤساء والوفود الرفيعة، وبجولة بحث بسيطة تستطيع أن تشاهد الفرق بالتعامل بين الاستقبالات المهيبة التي تتم عادة واستضافة الأسد، وهو ما يبين الزهد بالضيف الزائر، وهو ما يذكره الصحفي السوري قتيبة ياسين بقوله "قد تظنه مستثمرًا في دبي يزور حاكمها ويجلس بجانبه وجانب ابنه ممتنًا لهما بهذا الشرف الذي تكرما عليه به، لكنه "الرئيس" بشار الأسد في أول زيارة لدولة عربية بعد اندلاع الثورة".

ولم يستقبل محمد بن زايد بشار الأسد في المطار، بل استقبله في مطار دبي منصور بن زايد آل نهيان نائب وزير شؤون الرئاسة.

يذكر أن الإمارات أول دولة عربية تُطبع علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الأسد، وفتحت سفارتها في دمشق عام 2018، بعد إغلاق استمر سبع سنوات عقب اندلاع الثورة في سوريا، وفي مارس/آذار عام 2020، أجرى ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، اتصالًا مع رئيس النظام بشار الأسد، بحجة تقديم مساعدات طبية لمواجهة فيروس كورونا، وفي نوفمبر/تشرين الثاني، استقبل بشار الأسد في دمشق وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان مع وفد مرافق له، في أول زيارة لمسؤول إماراتي إلى سوريا منذ أكثر من عشر سنوات.

كما انتقدت الإمارات مرات متعددة قانون قيصر عبر وزير خارجيتها عبد الله بن زايد، الذي قال: "عودة سوريا إلى محيطها أمر لا بد منه، وهو من مصلحة سوريا والمنطقة ككل، والتحدي الأكبر الذي يواجه التنسيق والعمل المشترك مع سوريا هو قانون قيصر".

الغزو الروسي لأوكرانيا

جرت زيارة الأسد إلى أبو ظبي بعد أسابيع من انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا، هذه الحرب التي زادت من وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا منذ سنوات بفعل نظام الأسد، ومن المعلوم أن الإمارات دعمت الأسد في السنوات الماضية اقتصاديًا وماليًا، إذ أرسلت حكومة أبو ظبي مرارًا كميات كبيرة من الدولارات لانتشال الاقتصاد السوري من الغرق وتدهور العملة.

واليوم يتلاقى الموقفان السوري والإماراتي بدعم روسيا بحربها ضد أوكرانيا، فبشار الأسد وموالوه أعربوا عن دعمهم وموالاتهم لموسكو وعملياتها، ويتم حاليًّا تجهيز دفعات تتضمن آلاف المقاتلين السوريين لإرسالها للقتال إلى جانب الجيش الروسي في أوكرانيا، ولربما يجد الأسد في زيارته لآل زايد دعمًا ماليًا لهؤلاء المقاتلين، بدورها كان الموقف الإماراتي واضحًا بانحيازه إلى روسيا في هذه الحرب.

رفضت الإمارات منذ الأيام الأولى للحرب التصويت في مجلس الأمن على قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا، كما أجرى محمد بن زايد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالًا هاتفيًا، أكد فيه ابن زايد "حق روسيا في ضمان أمنها القومي"، بالإضافة إلى ذلك التقى وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، نظيره الروسي سيرغي لافروف، في العاصمة الروسية موسكو، الخميس، وأكد ضرورة خفض التصعيد بين روسيا وأوكرانيا وضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار على الصعيدين الدولي والإقليمي.

إدانات وتفاعل

أصدر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في سوريا، بيانًا استنكر فيه استقبال الإمارات العربية المتحدة بشار الأسد، واصفًا ذلك الاستقبال بـ"سابقة خطيرة" وبأنه استخفاف بدماء السوريين، وأكّد الائتلاف في بيانه "أن استقبال الإمارات رئيس النظام يعد خروجًا عن قرارات الجامعة العربية وخرقًا للعقوبات الدولية ومكافأة لبشار الأسد على جرائمه واستخفافًا بدماء مليون شهيد سوري".

واعتبر البيان أن "تزامن زيارة مجرم الحرب بشار مع ذكرى انطلاق الثورة السورية وقتله أول شهيد فيها، يزيد في عدم تقدير إرادة الشعب السوري وتضحياته الغالية على مدى الـ11 سنة الماضية في صراعه مع النظام المجرم ورعاته"، مشيرًا إلى أن السوريين لم يتوقعوا "احتضان هذا المجرم أو إعادة تدويره من دولة شقيقة"، وطالب البيان الإمارات بـ"تصحيح موقفها والالتزام بالموقف العربي والدولي العام في عزل هذا النظام المجرم وعدم التطبيع معه أو الانجرار إلى إعادة تدويره"، مؤكدًا "استقبال المجرم بشار خطيئة فادحة لا بدّ من استدراكها".

ولفت البيان إلى أن "القبول بالمجرم يعني قبول إجرامه، وهو الذي هجّر نصف هذا الشعب الأبي ودمر بلاده وفتح الحدود لكل الميليشيات الإرهابية، لا سيما ميليشيات إيران، التي وصلت نيرانها إلى الإمارات نفسها، من خلال الاستهداف الصاروخي المتكرر، لميليشيا الحوثي الإرهابية التابعة لنظام إيران".

تسلسل زمني أعددناه سابقًا عن العلاقات الإماراتية مع النظام السوري منذ بداية الثورة السورية

بدورها أعربت وزارة الخارجية الأمريكية عن "خيبة أملها وانزعاجها العميقين من دعوة رئيس النظام السوري بشار الأسد، لزيارة الإمارات"، ووصف المتحدث باسم الخارجية الأمركية نييد برايس الدعوة بـ"المحاولة المكشوفة لإضفاء الشرعية عليه وهو مسؤول عن مقتل ومعاناة عدد لا يحصى من السوريين وتشريد أكثر من نصف السكان السوريين والاعتقال التعسفي واختفاء أكثر من 150 ألف سوري من الرجال والنساء والأطفال".

وقال برايس في تصريحات صحفية: "نحن لا ندعم جهود إعادة تأهيل الأسد، ولا نؤيد قيام الآخرين بتطبيع العلاقات معه وكنا واضحين بهذا الشأن مع شركائنا"، كما حث المسؤول الأمريكي "الدول التي تفكر في الانخراط مع نظام الأسد على أن تتوقف بعناية عند الفظائع المروعة التي ارتكبها النظام بحق السوريين على مدار العقد الماضي، فضلًا عن جهود النظام المستمرة لمنع وصول المساعدات الإنسانية والأمن إلى الكثير من أنحاء البلاد".

وتفاعل الكثير من النشطاء والصحفيين السوريين والعرب مع زيارة بشار الأسد إلى الإمارات واستقبال حكامها له، واصفين الخطوة بأنها تكريس لدعم الإمارات للطغاة والقتلة في العالم العربي، ويقول الصحفي السوري عبد الله الموسى: "زيارة بشار الأسد للإمارات لا تحتمل التحليل والبحث في الدوافع والمآلات هو اصطفاف محور الشر الواضح الذي يفاخر في السوء ومعاداة الحق والإنسانية والحرية، بشار عالة على الجميع، لكن هذا المحور بحاجة لهذا المستوى من القذارة كي لا ينتبه العالم إلى من هم دونه".

غردت الصحفية اللبنانية ديانا مقلد عن زيارة الأسد إلى الإمارات قائلة: "بشار الأسد في أحضان إمارات السعادة، جيد أن يتم طي صفحة التكاذب، هذا اللقاء يجمع قطبي التطبيع والممانعة، هما وجهان لاستبداد باسم المقاومة وآخر باسم الرفاه الزائف".

وقال المعارض السعودي عمر عبد العزيز: "ما يقوم به حكام الإمارات تجاه بشار الأسد ليس مجرد تواصل ولقاءات عابرة تحكمها المصلحة السياسية، بل هي عملية إعادة تأهيل شاملة لمجرم حرب تزعم الإمارات أنها تقاتل داعميه في اليمن".

الشيخ والداعية المصري محمد الصغير قال في تغريدة له على تويتر: "حكام الإمارات يستقبلون السفاح بشار الأسد الذي قتل قرابة مليون سوري وهجر أكثر من 10 ملايين، في محاولة لتعويضه عن الدعم الروسي لانشغال أستاذه مجرم الحرب في تدمير أوكرانيا، والملفت أنه خلال أسبوعين وصفه الغرب بمجرم حرب، ولم يوصف بذلك خلال 11 سنة دمر فيها سوريا بكل أنواع الأسلحة".

بدوره قال الصحفي العراقي عمر الجنابي: "بشار الأسد مجرم وقاتل وسافل ولا أسوأ منه سوى المجتمع الدولي الداعم لبقائه في السلطة ليستمر بقتل وتهجير شعبه وعاشت الثورة السورية في ذكراها الخالدة".

ختامًا، مهما حاول الأسد إعادة نفسه ومهما حاول داعموه إعادة إنتاجه، فإنه سيظل بنظر شعبه قاتلًا ومجرمًا وسيأتي اليوم الذي يستطيع فيه السوريون أن يقتصوا منه ولو استضافته كل العواصم العربية، كما أن زيارة الأسد إلى الإمارات فتحت الباب واسعًا لتذكير العرب بأفعال أبو ظبي المتسقة مع أنظمة الطغيان العربي وضرب تطلعات الشعوب من أجل التحرر والكرامة.