ارتبطت نشأة الإنسانية الحضارية بالزراعة كونها مقوم الاستقرار الأبرز، وخيمتها الأكثر احتواء لتقلبات الحياة ومتغيراتها الجغرافية والبيئية، لذا كان الإنسان قديمًا حريصًا على تعزيز هذا الاستقرار من خلال الارتباط أكثر بالمكان، عن طريق توفير مقومات البقاء عبر حرث الأرض وزراعتها والعيش من خيراتها وثمارها.

وكانت الحبوب تحديدًا هي بداية معرفة الإنسان بالزراعة، ومع مرور الوقت شكّلت الضلع الأكبر في النظام الغذائي للبشر منذ الأزمنة الأولى، ونجحت تلك المحاصيل في الحفاظ على مكانتها على رأس هرم هذا النظام لآلاف السنين، رغم وجود الكثير من البدائل والمنافسين من المزروعات الأخرى.

ويعدّ القمح، أو "الحنطة" كما كان يعرف قديمًا، مركز دائرة سلّة الحبوب في العالم، إذ اعتمد عليه الإنسان في تأسيس بنيانه الجسدي والمعيشي، لذا كانت معرفته به من أقدم التجارب الإنسانية في التاريخ، إذ تعود علاقة البشر بالقمح إلى أكثر من 10 آلاف عام قبل الميلاد، بحسب الكثير من الدراسات والأبحاث.

وتعدّ الحنطة أحد أهم الحبوب التي تحولت إلى المصدر الأساسي الأول لغذاء مئات الملايين من سكان الكرة الأرضية، لما تمتلكه من مقومات غذائية هائلة، فيها 6 مجموعات من الصبغيات (الكروموسومات) بمجموع جينات يتجاوز 100 ألف جين (يملك البشر نحو 23 ألف جين فقط)، كما أنها توفر قرابة 50% من السعرات الحرارية في غذاء العالم، بجانب غنائها بالعناصر المهمة كالكربوهيدرات (80%) والبروتين (9-15%) بجانب فيتامين ب وعناصر البوتاسيوم والحديد والكالسيوم، وهو ما يفسِّر سرّ الإقبال عليه كسلعة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها.

وفي ضوء حالة الهلع التي انتابت العالم الأيام الأخيرة، بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، على مستقبل القمح وخارطة إنتاجه وتصديره (بحكم امتلاك البلدَين لقرابة ثلث إجمالي تصدير العالم من السلعة)، لا سيما لدى العرب وبلدان الشرق الأوسط بصفتها ضمن المناطق الأكثر تضررًا، نستعرض في التقرير الذي نفتتح به ملف "القمح" في نون بوست، أبرز المحطات التاريخية في مسار تلك السلعة التي كانت قديمًا حكرًا على الهلال الخصيب والجزيرة العربية والشام ومصر، وهي الدول التي تحبس شعوبها أنفاسها اليوم خوفًا على أمنها الغذائي جرّاء تلك الحرب.

الهلال الخصيب.. موطنه الأصلي

تشير المصادر التاريخية إلى أن القمح زُرع لأول مرة قبل 9600 عام في منطقة الهلال الخصيب، الواقعة بين نهرَي دجلة والفرات، وتضمّ العراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين، ثم انتقلت التجربة بعد ذلك إلى شبه القارة الهندية واليونان وقبرص عام 6500 ق.م ومنها إلى مصر عام 6000 ق.م ومن بعدها ألمانيا وإسبانيا عام 5000 ق.م، قبل أن تصل إلى الدول الاسكندنافية والجزر البريطانية عام 3000 ق.م، لتلقي بمحطتها الأخيرة في العصور القديمة في الصين عام 1000 ق.م. 

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 نشرت دورية "نيتشر بلانتس" الإنجليزية دراسة أجراها فريق دولي من باحثي كلية لندن الجامعية، بقيادة الباحث المتخصص في الهندسة الوراثية مايكل سكوت، حول تطور جينوم القمح في مصر، عبر عيّنة من المحصول عُثر عليها في جنوب مصر عام 1924 وتعود لأكثر من 3000 عام.

الدراسة التي استغرقت 3 سنوات تقريبًا، توصلت إلى امتداد العناصر الجينية للقمح إلى منطقة الهلال الخصيب في العراق خلال الفترة 9700-6300 ق.م، أي أنها سبقت فترة إدخال قمح إيمر إلى مصر، والتي قدّرتها الدراسة بين 5500 و4500 ق.م، بحسب الأدلة الأثرية التي عُثر عليها فريق الدراسة.

 

هناك دراسة أخرى تعزِّز فرضية نشأة القمح في منطقة الهلال الخصيب نشرتها مجلة "نيتشر" العلمية، كشفت من خلالها بالأدلة الوراثية والجغرافية أن أول مكان زُرعت فيه الحنطة كان بالقرب من مصادر نهرَي دجلة والفرات، كذلك المنطقة الملاصقة للهلال في مصر وتركيا، كونها مهد الزراعة الأول بحسب نتائج الكثير من الدراسات التي تطرّقت إلى تأصيل نشأة النباتات الزراعية ومراحل تطورها.

وثمّة روايات أخرى تشير إلى أن أقدم آثار عُثر عليها لقمح الخبز المستأنس -بواسطة الكربون المشع- كانت في وادي قلات جنوب العاصمة الأردنية عمّان، وذلك في الفترة 9200-9500 ق.م، فيما أشارت بعض الأبحاث إلى أن مناطق أريحا في فلسطين وتل أبو هريرة في سوريا من أقدم المناطق التي احتضنت بداية زراعة القمح المستأنس في التاريخ.

بريطانيا.. الأقدم في أوروبا

وعلى المستوى الأوروبي، أظهرت نتائج بحث منشور في دورية "ساينس" التي تنشرها الجمعية الأمريكية لتقدُّم العلوم، اكتشاف آثار الحمض النووي للقمح في إحدى الأراضي الرخوة القديمة في بريطانيا، والتي تعود إلى قبل 8000 عام، لتكون أقدم دولة معرفةً بالحنطة في أوروبا.

نجح فريق البحث في العثور على آثار القمح المغمور في جرف صخري قبالة ساحل جزيرة آيل أوف وايت، التي تقع في أقصى شمال القناة الإنجليزية بالقرب من ساحل إنجلترا الجنوبي، مرجّحًا أن هذه الآثار نتيجة التعامل مع تجّار القمح القادمين من الشرق الأدنى والهلال الخصيب، حيث كان المجتمع البريطاني وقتها يعتمد على الصيد.

رئيس فريق البحث، روبين ألابي، من جامعة وورويك، يرى أنه رغم وجود آثار القمح في جنوب أفريقيا في العصر الحجري، إلا أنه لم يُكتشف في بريطانيا إلا بعد قرابة 2000 عام، مشيرًا إلى وجود اتصال بين فلاحي العصر الحجري المتوسط في بريطانيا والحديث في أنحاء أوروبا، وهو ما ساعدَ على انتشار زراعة القمح ومعرفة الأوروبيين به.

توصّل المشاركون في البحث كذلك إلى أن معظم الأوروبيين في ذلك الوقت كانوا يعملون في مجال الصيد والجمع، وهو ما ساعدهم على الاحتكاك بالتجّار من كافة أنحاء العالم، لا سيما المنطقة الشرقية التي كانت تتميز حينها بالمحاصيل الزراعية الصالحة كغذاء أساسي.

القمح الفرعوني

رغم أن مصر القديمة لم تكن موطن القمح الأولي، لكن المؤرّخين يعتقدون أنهم أول من صنعوا الخبز من بذور القمح، وطوّروا تلك الصناعة بشكل كبير عن طريق الأفران، كما تعلموا صناعة الخميرة من الخبز عام 2600 ق.م، ونقل العالم عنهم تلك التجربة التي جعلت الحنطة وجبة الغذاء الرئيسية للشعوب قديمًا وحديثًا.

ويطلق العلماء على القمح المستأنس (ثنائي الحبة الناضجة السليمة) المستخدَم في صناعة الخبز بـ"القمح الفرعوني" كونه الأكثر شيوعًا في مصر القديمة، وقد أظهر الباحثون في العديد من الدراسات احتواء هذا القمح على معظم الخصائص الوراثية التي كان يتمتّع بها القمح في الهلال الخصيب، لكنه كان يتفوق عليه بأنه كان أكثر صلابة وأقل تعرضًا للكسر والتلف، ومن ثم كان سهل الاستخدام في الطحن والطهي.

الدراسة سالفة الذكر التي قام بها باحثو كلية لندن الجامعية، كشفت أن قمح الخبز المزروع حاليًّا هو في أصله هجين بين القمح الفرعوني والقمح البرّي، وعليه توصّلوا إلى أن مصر القديمة كانت تمتلك أجود أنواع المحصول الذي يعتمد عليه العالم بعد مرور آلاف السنين من التطوير والتهجين.

وأرجع الباحث في تربية النبات في مركز البحوث الزراعية بالقاهرة، محمد عابدين، قيمة وأهمية القمح الفرعوني إلى خصائصه الوراثية التي تعطي إنتاجًا كبيرًا ذا مستوى جيد حتى مع التربة الفقيرة، بجانب قدرته على مقاومة الأمراض الفطرية كصدأ أوراق القمح الذي يتسبّب في هدر وفقدان كميات كبيرة من المحصول، بحسب تصريحاته لمجلة "العلم" الأمريكية.

تطور استخدام القمح

كان الاستخدام البدائي للقمح كسلعة غذائية عند السكان الأوائل يتلخّص في خلط حبّاته الخشنة مع الماء ويترك قليلًا حتى يلين ثم يتمّ تناوله، ولكن هذه الطريقة كانت تتسبّب في مشاكل كبيرة، أبرزها عسر الهضم بجانب مشاكل الأسنان، هذا بخلاف أنها لم تكن عملية بالشكل الذي يمكن تحقيق أكبر قدر ممكن من توظيف هذا المحصول.

ومع مرور الوقت بدأت معرفة الإنسان بما يُسمى "الطحين"، حيث يتم طحن حبات القمح بين الأحجار أو العجلات الصلبة، وكان كل بيت يمتلك أحجار رحى لهذا الغرض، وهو ما وثّقته رسومات الفراعنة قديمًا على جدرانهم، لتتطور تلك الآلية وصولًا إلى المطاحن المعروفة بشكلها الحالي، والتي تحوّل القمح إلى دقيق يتمّ استخدامه في صناعة الخبز، بجانب إمكانية استخدام بعضه كعلف للطيور والحيوانات.

ويعود الفضل في اختراع طواحين القمح الحالية إلى المخترع الأمريكي أوليفير إيفانس، الذي نجح في اختراع أول مكنة طحن عام 1785م، ليُدخل عليها صديقه توماس جيفرسون العديد من التعديلات بما يقلل عدد العمالة والوقت والجهد وذلك عام 1808م، وصولًا إلى أسلوبها المعمول به حاليًّا والذي لا يحتاج في بعض الأحيان سوى لعامل واحد فقط أو عاملَين، في ظل إدخال التكنولوجيا الحديثة التي سهّلت كثيرًا من عملية الطحن كمًّا نوعًا.

في ضوء المعطيات التاريخية السابقة، يمكن القول إن العرب فرّطوا كثيرًا -كما فرّطوا في المجالات الحضارية الأخرى- في ريادتهم لزراعة القمح، إذ باتت معظم الدول العربية الآن، ومعها تركيا، أسيرة الاستيراد من الخارج، بعدما كانت منبع القمح وسلة غذاء العالم، وباستثناء العراق الذي حافظ على اكتفائه الذاتي من تلك السلعة الاستراتيجية وقبله سوريا أول دولة عربية تكتفي ذاتيًا من القمح؛ تدفع بقية الدول ثمن التبعية الغذائية لأباطرة القمح في العالم، بعدما بات مستقبل أمنهم الغذائي بأيدي قوى أجنبية، بعضها لا يجد حرجًا في توظيف هذا التفوق لتنفيذ أجندات سياسية تمدُّدية على حساب السيادة العربية.