لا تزال تونس منذ أشهر تسير في وجه المدفع تحت وطأة أزمة سياسية واقتصادية غير مسبوقة داخليًّا، ناهيك عن الأزمة الخارجية التي جعلت العالم في حالة ترقُّب، ولم تكن دعوةُ رئاسة البرلمان المجمّدة اختصاصاته إلى عقد اجتماع مكتبها، ثم إلى جلسة عامة افتراضية عن بعد، على اعتبار أن قصر باردو مغلق بالقوة، اليوم الأربعاء 30 مارس/ آذار، وليدةَ الصدفة، بل هي ثمرة تحضيرات ومشاورات لأسابيع وأشهر خلت.

وجعل هذا الأمر الكثير من متابعي الشأن العام يتساءلون عن خلفية هذا "التصعيد" وظرفيته الزمانية، لا سيما أن هذه الجلسة سوف تخصَّص للنظر في شرعية الإجراءات الاستثنائية التي قام بها الرئيس سعيّد منذ 25 يوليو/ تموز الماضي، خاصة بالتزامن مع تحركات أخرى نقابية ومطلبية حدّت من جذوة الإجراءات الرئاسية والمتحمّسين لها، مقابل إعطاء زخم لتحرك المعارضة سياسيًّا بعد نجاحها في تعبئة الشارع.

مشاورات المعارضة ومحاولات قطع الطريق

يبدو أن توسيع المشاورات كانت أحد أهم أهداف الطبقة السياسية المعارضة للانقلاب الدستوري، والتي يبدو أنها ليست وليدة اللحظة بل تمَّ الإعداد لها بعناية منذ فترة، حيث شاركت في المشاورات قوى جديدة كانت رافضة الالتقاء مع حركة النهضة وحزامها السياسي البرلمان في البداية، وهي كتلة التيار الديمقراطي وكتلة الإصلاح الوطني، إلا أنها وافقت بعد ذلك بشروط معيّنة منها عدم ترؤّس الجلسة العامة من قبل رئيس البرلمان راشد الغنوشي "المثير للجدل" في نظرهم، ولا حتى نائبته الأولى سميرة الشواشي.

كما اشترطت أيضًا أن يرأس النائب الثاني للبرلمان طارق الفتيتي جلسة اليوم الأربعاء، على أن تترأّس سميرة الشواشي النائب الأول للرئيس جلسة السبت الثانية، والتي من المزمع أن تنظر في الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، ما وافق عليه رئيس البرلمان راشد الغنوشي من أجل ضمان مشاركة الكتل البرلمانية المذكورة، إلى جانب كتل كل من النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس وعدد من المستقلين.

استبق رئيس الجمهورية قيس سعيّد جلسة الأربعاء وعقد مجلس الأمن القومي مساء الاثنين، ليصرّح بعد ذلك بأن هذه الدعوة للاجتماع الافتراضي لأعضاء البرلمان المجمّدة اختصاصاته إنما هي "دعوة باطلة ومخالفة لنصّ الدستور"، بل أكثر من ذلك وصف سعيّد دعاة هذا الاجتماع بـ"الانقلابيين"، وتوعّد كل من يريد أن يجرَّ التونسيين إلى الاقتتال والفوضى.

وأمام توحيد الجهد السياسي للمعارضة، يناور رئيس الحمهورية في محاولة لقطع الطريق على الخطوة البرلمانية، ففي خطوة جاءت متأخرة من حيث التوقيت، عقد سعيّد جلسة بمجلس الأمن القومي من الواضح أنها كانت في إطار رد الفعل وليس الفعل، كما كانت تتّسم سياسة القصر، خاصة بإشارة بلاغ رئاسة الجهورية إلى "ضرورة احترام القانون من قبل الجميع"، ناهيك عن سرعة عقد الاجتماع في ساعة متأخرة.

تصرفات لا يمكن إلا أن تشير إلى أن الرئيس بات في الحقيقة بين المطرقة والسندان، في لحظة ضعف داخليًّا وخارجيًّا، ما جعل نواب البرلمان يقدمون على خطوتهم الجريئة هذه، التي يرون أنها السبيل الوحيد لمحاولة إنقاذ البلاد من الخطر الذي يتربّص بها.

عثرات القصر والعوامل المعرقلة

أصبحت شعبية رئيس الجمهورية في تراجع ملموس، وفشل الاستشارة الإلكترونية التي قام بها من أجل استبيان خيارات الشارع التونسي السياسية دليل إضافي على ذلك، رغم محاولات التبرير والهروب إلى الأمام، واتّهام معارضيه بالعمل على إفشال هذه الاستشارة.

كما أن وضع البلاد الراهن لا يُنبئ بخير، لا سيما اقتصاديًّا بعد التعثر الواضح لمفاوضات الحكومة مع صندوق النقد الدولي وعدم الحصول على تمويلات لسدّ عجز الميزانية، وسداد الديون الخارجية والداخلية المستحقة، خاصة بعد الرفض التام للاتحاد العام التونسي للشغل الإمضاء على وثيقة التفاهم مع صندوق النقد.

هذا إلى جانب التدهور الواضح للحريات وحقوق الإنسان في ظل تتالي التضييقات على المعارضين لمشروع سعيّد السياسي والمحاكمات العسكرية للمدنيين، بل وصلت أخيرًا إلى محاصرة حرية التعبير والإعلام، حتى أن نقابة الصحفيين احتجّت بقوة على هرسلة بعض أبناء القطاع، بل أعلنت التصعيد أكثر بتنفيذ إضراب عام بالمؤسسات الإعلامية العمومية بداية أبريل/ نيسان المرتقب، دفاعًا عن حقوق منظوريها وعن حرية الإعلام عمومًا التي باتت تحت التهديد.

عامل آخر غير مساعد للمضيّ قدمًا في الإجراءات الرئاسية غير الدستورية، وهو تنامي غضب المواطن بخصوص أزمة الأسعار والمواد الأساسية، التي بدأت تجتاح البلاد منذ ما قبل الحرب الروسية الأوكرانية، والعقوبات الاقتصادية الغربية على موسكو وما يمكن أن يترتّب عنها من تبعات وخيمة، لا سيما أن تونس تورِّد نحو نصف احتياجاتها من القمح الليّن من أوكرانيا.

بالإضافة إلى استمرار الضغوط الخارجية على تونس التي لم تراوح مكانها، رغم التطمينات التي قدّمها الرئيس بداية العام الحالي بشأن خارطة الطريق المستقبلية التي لا تزال غامضة في عدة مناحٍ تهمّ الانتخابات والأجهزة المنظمة والرقابية عليها، وهي لا شك أنها أحد التفسيرات لتواصل الضغوط الأجنبية من أجل العودة السريعة إلى المسار الديمقراطي.

اتّهم رئيس المنظمة العمالية صراحةً مقرّبين من وزير الداخلية بتشويهه ونقابة الاتحاد ومنظمات أخرى على رأسها نقابة الصحفيين وغيرها على صفحات التواصل الاجتماعي

كل هذه العوامل جعلت الرئيس سعيّد في موضع ضعف، وشجّعت معارضي الانقلاب على التقدُّم بخطوة جريئة إلى الأمام من أجل كسر جليد المشهد السياسي في البلاد الذي بات بلون وصوت واحد.

غير أن هذا التحرك من قبل عدد من الكتل البرلمانية والنواب الذين كان بعضهم من مساندي انقلاب يوليو/ تموز الماضي، يوحي بأن هناك أكثر من دافع وعامل داخلي وراء هذا التحرك الجريء والمتحدي للرئيس سعيّد، وهو الذي جمع اليوم كل السلط بيده.

منذ أسابيع قام السفير الأمريكي، دونالد بلوم، بزيارة الاتحاد العام التونسي للشغل، والتقى بأمينه العام نور الدين الطبوبي وكذلك السفير الفرنسي، لتتغير بعدها تدريجيًّا لغة المنظمة الشغلية تجاه عدة مسائل تهمّ المسار السياسي، وإزاء سلوك مؤسسة الرئاسة التي عملت منذ البداية على تقزيم دور الاتحاد وحصره في الجانب النقابي فقط، بعيدًا عن تطورات المشهد السياسي.

ذلك التعاطي لاحظه جُلّ المتابعين، بخصوص حدة التصريحات الأخيرة التي وُصفت بالخطيرة جدًّا لرئيس المنظمة العمالية نور الدين الطبوبي تجاه الرئيس وبعض حاشيته ووزرائه، واتّهم صراحةً مقرّبين من وزير الداخلية بتشويهه ونقابة الاتحاد ومنظمات أخرى على رأسها نقابة الصحفيين وغيرها على صفحات التواصل الاجتماعي.

حتى أنّ متابعين فسّروا ذلك بأنه دفع من قبل قوى سياسية داخلية وخارجية للاتحاد من أجل أن يقوم بهذا الأمر لتعديل المشهد، وحثّ الرئاسة على المضيّ قدمًا في الحوار الوطني، كسبيل وحيد لحلّ الأزمة الراهنة والمحتدمة، هذا بعد إشارة الطبوبي الواضحة إلى أن مسار ما بعد 25 يوليو/ تموز بدأ ينحرف عن طريقه.

بالتوازي مع هذه المسارات، يعمل نواب برلمانيون من الخارج منذ أشهر، لتحفيز المنظمات ومراكز القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا، مع نظرائهم البرلمانين الأوروبيين والدوليين من أجل الضغط أكثر على السلطة في تونس، للتسريع في عودة النسق الطبيعي للمؤسسة التشريعية التونسية والمسار الديمقراطي بشكل عام.

الحراك السياسي بعد التحشيد الميداني

يبدو أن جُلّ المجهودات سابقة الذكر نجحت في خلق قوة ضغط غربية على مؤسسة الرئاسة، وذلك من خلال حسن استغلال الأخطاء والانتهاكات الحقوقية التي ارتكبتها سلطة الانقلاب وأدّت إلى استقالات أقرب المقرّبين للقصر، آخرهم مستشارة الرئيس ومديرة ديوانه الرئاسي نادية عكاشة، لما سمّته اختلافات جوهرية تتعلق بالمصلحة العليا للوطن مع رئيس الجمهورية، وربما وزرائه وخاصة وزيرَي الداخلية والعدل.

في ظلّ كل هذه الظروف الخاصة والاستثنائية، تسابق المعارضة، التي باتت أكثر وحدة رغم أنها كانت أقل تأثيرًا سابقًا، الزمن لتحسُّس الطريق بأكثر فاعلية، وللانطلاق في تحرك سياسي موازٍ للتحركات الميدانية الكبيرة، التي نجحت منذ 8 أشهر في تعبئة الشارع شمالًا وجنوبًا، ضمن مسيرات "مواطنون ضد الانقلاب" الرافضة للإجراءات الرئاسية، مقارنة حتى بالتظاهرات المؤيّدة لرئيس الجمهورية التي خرجت يوم 25 يوليو/ تموز الماضي.

عكست تلك المظاهرات مدى قدرة الرئيس على حشد أنصاره بعد دعوته بنفسه لهم بالخروج يوم الأحد 6 فبراير/ شباط الماضي لـ"تطهير القضاء"، حيث لم يستجب له سوى بضع مئات في أقصى تقدير، كما وصفت ذلك التقارير الإعلامية.

ويمكن القول عمومًا إن الساحة السياسية أصبحت اليوم مرشحة نحو مزيد من الحراك المناوئ للانقلاب، في تمشٍّ أكثر عقلانية يعيدنا إلى يوم إعلان الإجراءات الانقلابية على الدستور، حين تمَّ إغلاق البرلمان بالقوة ومنع نوابه من الدخول لجلساتهم، لكن الفارق اليوم هو أن هذه الخطوة تأتي بعد منح الرئيس وقتًا قدّرت فيه الأوساط المعارضة أنه قد فضح النوايا بما لا يدعو مجالًا للشكّ، وبما يسمح باستئناف المسار البرلماني والدستوري، خاصة مع تبيُّن أن الرئاسة ماضية في تكريس مزيد من الإجراءات الأحادية.

وبالتالي، إن المنعرج السياسي الجديد ضمن الدفع بالسلطة نحو المزيد من الأخطاء والتجاوزات لعزلها أكثر، ولإحراجها خارجيًّا ودوليًّا أكثر، وتوسيع الجبهة الداخلية للمعارضة، هو إمّا لإجبار الرئيس على العودة إلى الحوار والإطار الدستوري، وإمّا لمزيد حصره في الزاوية ما يؤدّي إلى استقالته أو حتى تنحيته من منصبه.